رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الإنسان لم يُخلق ليعيش وحيداً. فمنذ فجر التاريخ، ارتبط بقاء البشر بالقدرة على التعاون والعيش في جماعات. فالكهوف الأولى لم تكن مجرد مأوى، بل كانت بداية الحكاية الإنسانية التي لا تكتمل إلا بالآخر. لكن ليس الجميع يجد في العلاقات الاجتماعية ملاذاً أو راحة. فهناك من يميل إلى الوحدة، لا هرباً من الناس، بل بحثاً عن السكون الداخلي. هؤلاء لا يكرهون الآخرين، بل يفضلون المسافة الآمنة التي تمنحهم وضوحاً وصفاءً. فهل يُعد هذا الميل للانطواء ضعفاً أم خياراً مشروعاً؟
الوحدة قد تكون ملاذاً مؤقتاً، يلجأ إليها الإنسان حين يضيق صدره أو يثقل قلبه. لكنها تتحول إلى مأزق حين تصبح أسلوب حياة دائم، يقطع الصلة بالآخرين ويجعل الإنسان غريباً حتى عن أقرب الناس إليه. أما الانطوائية، فهي طبيعة شخصية، لا تعني بالضرورة العزلة، بل تعكس حاجة الفرد إلى الهدوء أكثر من الضجيج، إلى التأمل أكثر من التفاعل.
الوحدة والانطوائية حين تتحولان من خيار شخصي إلى نمط دائم، تُلقيان بظلال ثقيلة على الفرد والمجتمع معاً. فالفرد المنعزل يفقد تدريجياً مهارات التواصل، ويصبح أقل قدرة على التعبير عن مشاعره أو فهم الآخرين، مما يزيد من احتمالية الإصابة بالقلق والاكتئاب. كما أن الانطواء يحدّ من فرص النمو الشخصي، ويقلل من التفاعل مع التجارب التي تُثري الفكر وتوسع المدارك. أما على مستوى المجتمع، فإن انتشار الانعزال يضعف الروابط الإنسانية، ويخلق فجوات بين الأفراد، مما يؤدي إلى تراجع روح التعاون والتكافل. فالمجتمع لا يُبنى بالأفراد المنعزلين، بل بالأرواح المتفاعلة التي تتبادل الدعم وتشارك في البناء.
الدراسات النفسية تشير إلى أن الانطواء ليس مرضاً، بل نمط تفكير وسلوك. لكنه قد يتحول إلى عبء نفسي إذا صاحبه شعور بالرفض أو عدم الفهم من الآخرين. فحين يُنظر إلى الانطوائي على أنه غريب أو غير اجتماعي، يُدفع إلى عزلة قسرية، لا اختيارية، وهنا تبدأ المعاناة.
على مستوى العلاقات، قد لا يكون الانطوائي كثير الكلام، لكنه يحمل مشاعر عميقة، ويمنح ثقته بصعوبة، لكنه حين يمنحها، تكون صادقة وثابتة. فالعلاقات عنده ليست كثيرة، لكنها قوية. وهو لا يبحث عن الحشود، بل عن القلوب التي تفهمه دون أن تفرض عليه التغيير.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم». لكن هذا لا يعني أن من لا يخالط الناس مذموم، بل أن الصبر على العلاقات فضيلة، وأن الاجتماع يحتاج إلى جهد، لا يُجبر عليه كل أحد.
في بيئة العمل، لا تقتصر أهمية التجمع على تبادل المهام أو إنجاز المشاريع، بل تمتد لتشمل بناء الثقة وتعزيز روح الفريق. فالتجمعات بين الزملاء، سواء كانت رسمية أو ودية، تخلق مناخاً إيجابياً يُشعر الفرد بالانتماء ويحفّزه على العطاء. ممارسة الحياة الاجتماعية في العمل تُسهم في تخفيف التوتر، وتزيد من الإنتاجية، وتفتح المجال لتبادل الأفكار والخبرات. كما أن العلاقات الإنسانية داخل بيئة العمل تُعدّ صمام أمان نفسي، تمنح الموظف شعوراً بالدعم والتقدير. فحين يشعر الإنسان أنه جزء من منظومة حية، لا مجرد ترس في آلة، يصبح أكثر قدرة على الإبداع وأكثر استعداداً لمواجهة التحديات.
لا شيء يعوّض لحظة صدق بين شخصين يفهمان بعضهما دون كثير كلام. فالعلاقات ليست بعدد الأصدقاء، بل بجودة التواصل. والانطوائي قد يجد راحته في جلسة هادئة مع شخص واحد، أكثر مما يجده في حفل مزدحم.
قال الله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا» (الفرقان: 54). فالعلاقات الإنسانية جزء من فطرة الإنسان، لكن لكلٍ طريقته في التعبير عنها. فليس كل من ابتعد، فقد المحبة، وليس كل من صمت، غاب عن الود.
الحياة الاجتماعية ليست فرضاً على الجميع بنفس الدرجة. هي مساحة للتفاعل، لكن لا بد أن تُراعى فيها الفروق الفردية. فبعض الناس يحتاج إلى العزلة ليعيد ترتيب نفسه، وبعضهم يجد في الوحدة طمأنينة لا توفرها الجموع.
كثير من الانطوائيين تغيّرت حياتهم عبر مواقف بسيطة: كلمة طيبة، جلسة صادقة، أو حتى نظرة احترام من شخص لم يُجبرهم على التغيير. فالتواصل لا يعني التنازل عن الذات، بل إيجاد من يفهمها ويقبلها كما هي.
قال تعالى: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى» (المائدة: 2). وهذه دعوة للتعاون، لا للتشابه. فالتعاون لا يعني أن نكون نسخاً من بعضنا، بل أن نكمل بعضنا، كلٌ بطريقته.
لا أحد يُطالب بأن يكون منفتحاً طوال الوقت، ولا أن يتخلى عن خصوصيته. المطلوب هو التوازن: أن نحترم ميولنا، ونمنح أنفسنا فسحة من الوحدة حين نحتاجها، دون أن نقطع الصلة بالناس تماماً.
ختاماً.. الوحدة قد تمنح راحة وقتية، لكنها لا تصنع سعادة دائمة. والسعادة ليست في كثرة العلاقات، بل في صدقها. فليكن لكلٍ طريقه، وليكن الاحترام هو الجسر الذي يربط المختلفين، دون أن يُجبر أحد على تغيير ذاته.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• ناشطة اجتماعية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كانت الحروب تُدار بالمدافع، والآن أصبحت تُدار بإبهامٍ يُمرِّر الشاشة إلى الأسفل. وكان الأفيون قديماً يُنهك جسد الأمم واليوم صار “أفيون الانتباه” يُنهك عقل الجيل وروحه. بريطانيا أغرقت الصين بالأفيون في القرن التاسع عشر ولم تكن المسألة تجارة بل كانت سوقاً تُدار لتدمير مجتمع كامل وانتهت بحربي الأفيون بين بريطانيا والصين، ثم بريطانيا وفرنسا لاحقاً بعدما قاومت الصين ذلك التخريب المدمِّر. والفكرة تُعاد بثوبٍ مختلف: (اجعل الإنسان مستهلكاً دائماً، ومشغولاً دائماً، وغاضباً دائماً، وضاحكاً على التفاهة دائماً، ثم اسأله: لماذا لا تقرأ؟ لماذا لا تفكر؟ لماذا لا تنتج؟). وسائل التواصل ليست شراً مطلقاً فيها علم، وصوت للمظلوم، وفرص للعمل والتعلُّم. لكن المشكلة حين تتحول المنصة من أداة في يد الإنسان إلى يدٍ خفية تمسك بعقله. اليوم يوجد نحو 5.79 مليار هوية مستخدم لوسائل التواصل حول العالم في أبريل 2026 أي إن المعركة لم تعد على أرض محدودة بل داخل جيوب البشر. وتشير بيانات عالمية إلى أن البالغين يقضون أكثر من ساعتين ونصف يومياً عند جمع الشبكات الاجتماعية مع منصات الفيديو مثل يوتيوب وتيك توك، أي نحو 18 ساعة و36 دقيقة أسبوعياً على أقل تقدير. هذا ليس وقتاً ضائعاً فقط، بل هذا جزء من العمر يُعاد توظيفه ضدهم ولخدمتهم وأجندتهم. الأخطر أن الجيل الصغير يدخل هذا النفق قبل أن تكتمل أدواته في التمييز. وفق مراكز بحثية قرابة خُمس المراهقين الأمريكيين يقولون إنهم على تيك توك ويوتيوب “بشكل شبه مستمر” وثلث المراهقين تقريباً يستخدمون منصة واحدة على الأقل بهذه الكثافة. أما منظمة الصحة العالمية في أوروبا فأشارت إلى ارتفاع الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل بين المراهقين من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022، مع خطر إضافي متعلق بالألعاب الإلكترونية. وهنا يظهر “وحل التفاهات” مقطع بلا معنى، وتحدٍّ سخيف، وفضيحة عابرة، وضحك رخيص، وشهرة بلا قيمة، ومحتوى يُعلِّم الطفل أن الحياة سباق على الظهور لا على الإنجاز. الخوارزمية لا تسأل هل هذا ينفعه؟ بل تسأل هل سيبقى أطول؟ فإذا كان الغضب يُبقيه مثلاً زادته غضباً. وإذا كانت التفاهة تُبقيه أكثر سكبتها عليه أكثر كالمطر. والتربية هنا ليست أن نكسر الهاتف، بل أن نكسر السحر ونلعن الساحر. أن نعلِّم أبناءنا أن المجانية كذبة ناعمة فإذا لم تدفع مالاً، فإنك تدفع انتباهك، ووقتك، وسلامك الداخلي، وقيمك، ومبادئك. نحتاج في البيت إلى “نظام غذائي رقمي”: ساعات محددة، ومحتوى مختار، وقدوة من الوالدين، ومجالس بلا هواتف وهذه نقطة مهمة جداً. فنحن نحتاج إلى بدائل حقيقية رياضة، وقراءة، وصحبة صالحة، ومهارات تُطوَّر، وحوار يُنشأ داخل البيت الذي أصبح كأنه مقبرة، فالكل منكفئ على شاشة جاهزة يضاحكها بلا صوت ويلاعبها كأنه ملبوس. لقد كان الأفيون يُدخل الأمم في ظلمات ثلاث، أما أفيون الشاشات فيجعلها مستيقظة طوال الليل … نائمة طوال النهار. ومن أراد أن يحمي جيلاً فلا يكفي أن يمنعه من السقوط في الوحل بل عليه أن يزرع في داخله أرضاً صلبة يمشي عليها وينطلق منها.
5775
| 23 يونيو 2026
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4269
| 28 يونيو 2026
يواصل التحكيم القطري ترسيخ مكانته على الساحة الدولية من خلال الكفاءات الوطنية التي أثبتت جدارتها في أكبر البطولات، ويأتي الحكم الدولي عبدالرحمن الجاسم في مقدمة هذه الأسماء التي أصبحت محل تقدير واحترام داخل الأوساط الرياضية العالمية. وقد جاءت إدارته لمباراة البرتغال وجمهورية الكونغو الديمقراطية في كأس العالم 2026 لتؤكد من جديد أن الحكم القطري قادر على تحمل مسؤولية المباريات الكبرى بثقة واقتدار. من وجهة نظري، فإن أكثر ما يميز عبدالرحمن الجاسم ليس فقط معرفته الدقيقة بقانون اللعبة، بل شخصيته القوية وحضوره الواضح داخل الملعب. فمنذ صافرة البداية بدا مسيطراً على مجريات اللقاء، يتخذ قراراته بثقة وهدوء، بعيداً عن التردد أو التأثر بضغوط المباراة وأهميتها. وهذه الصفات تمثل أساس نجاح أي حكم يسعى لإدارة مباريات على أعلى المستويات. كما لفت انتباهي مستوى التركيز العالي الذي ظهر به طوال اللقاء، إضافة إلى حسن تمركزه وقراءته المميزة للعب، الأمر الذي ساعده على الاقتراب من معظم الحالات التحكيمية واتخاذ القرارات المناسبة في توقيتها الصحيح. ولم يكن نجاحه فردياً، بل جاء أيضاً نتيجة التناغم الكامل مع الحكمين المساعدين طالب سالم المري وسعود أحمد، إلى جانب التعاون الفعال مع حكام تقنية الفيديو، وهو ما عكس صورة مشرفة للتحكيم القطري كفريق عمل متكامل. ومن الصفات التي تستحق الإشادة كذلك قدرته على التعامل مع نجوم المباراة بحكمة واحترام. فالحكم الناجح لا يكتفي بإشهار البطاقات أو إطلاق الصافرة، بل يعرف كيف يدير الحوار مع اللاعبين ويحافظ على أجواء المنافسة بروح رياضية راقية. وقد نجح الجاسم في تحقيق هذا التوازن، حيث جمع بين الحزم عند الحاجة والابتسامة التي تعكس الثقة والهدوء. إن الإشادة الإعلامية العالمية التي حظي بها عبدالرحمن الجاسم بعد هذه المباراة لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتيجة أداء متميز يعكس سنوات من العمل والاجتهاد والخبرة. ونحن كقطريين نشعر بالفخر ونحن نرى أبناء الوطن يمثلون بلادهم بأفضل صورة في أكبر المحافل الرياضية العالمية. كلمة أخيرة نتمنى للحكم الدولي عبدالرحمن الجاسم وطاقمه القطري كل التوفيق في مباراتهم المقبلة بين إنجلترا وبنما، وأن يواصلوا تقديم الصورة المشرقة للتحكيم القطري، الذي أصبح اليوم علامة بارزة في كرة القدم العالمية.
1359
| 26 يونيو 2026