رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذا كتاب خطير يأتي في إطار محاولة للكشف عن الدور الثقافي للجامعة الأمريكية بالقاهرة في دعم تبعية المجتمع المصري للمجتمعات الغربية وبصفة خاصة أمريكا وذلك عندما نقف على الأهداف المعلنة التي تبنتها الجامعة كأساس لعملها وكذلك الممارسات المرتبطة بتلك الأهداف من جانب ومدى علاقتها بالتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي مر بها المجتمع المصري منذ نشأت الجامعة عام 1920م وحتى عام 1980م من جانب آخر. وعلى هذا فقد استهدف الكتاب محاولة الوصول إلى حقيقة الأهداف المعلنة للجامعة والأهداف غير المعلنة في المدة التاريخية السابق تحديدها.
والكتاب من القطع المتوسط وقد جاء في 310 صفحات مشتملاً على ثمانية فصول بخلاف المقدمة والخاتمة، وقد صدر عن دار "فرحة" للنشر والتوزيع بالمنيا مؤخرا، ومن الجدير بالذكر أن الكتاب قد أعد أساساً كرسالة ماجستير للدكتورة "سهير حسين البيلي" وهي مدرّسة بكلية التربية جامعة طنطا.
ترى المؤلفة في بداية الفصل الأول أن أي ظاهرة تحكمها مجموعة من العوامل المتفاعلة. بحيث لا يكون هناك عامل واحد مسؤول عن ظهورها، والظاهرة موضوع الدراسة هي انتشار التعليم الأجنبي في مصر. وهي ظاهرة تحكم نشأتها وتطورها عوامل داخلية وعوامل خارجية متفاعلة. وتركز المؤلفة في هذا الفصل اهتمامها الرئيسي على عدة عوامل أولها العوامل الداخلية: كالسياق الاجتماعي؛ فقد كان المجتمع المصري مهيئاً داخلياً لتقبل الهيمنة الاستعمارية، والتي كان من مؤشراتها نمو التعليم الأجنبي في البلاد. ومن جملة الأوضاع الاجتماعية في مصر الانهيار الاقتصادي فلم يكن هدف محمد علي – في بداية مشروعه النهضوي - الأخذ بالأساليب العصرية وتنظيم الدولة فقط، وإنما كان يسعى إلى استقلال مصر في مواجهة الدول الأخرى وثاني هذه العوامل تقديم حكام مصر المساعدة للأجانب فلم يعارض محمد علي الوجود الأجنبي في البلاد فقد استعان بهم في بناء دولته الحديثة وبدأت البعثات الدينية التبشيرية تظهر في مصر مع سياسة محمد علي التي اتسمت بالتسامح الديني معهم لدرجة أنه أتاح لهم حرية الدعاية الدينية، ثم تلا ذلك عهد سعيد والذي شجع الإرساليات الأجنبية عن طريق المساعدات التي قدمها لها وكان ذلك عهد بداية التغلغل الأجنبي في البلاد، ثم عهد إسماعيل الذي شجع الإرساليات في البلاد وذلك لإرضاء الدول الأوروبية التي كانت تمده بالقروض وثالث هذه العوامل هو تغلغل الثقافة الأوروبية التي بدأت مع حملة نابليون ثم تبني محمد علي مشروع إنهاض مصر على أسس من النموذج الغربي، والبعثات التي أرسلها محمد علي للخارج ثم ظهور الصحافة ومنها صحافة الجاليات الأجنبية والصالونات الأدبية، وأخيراً مقاومة أقباط مصر نشاط الإرساليات.
وترى المؤلفة أن العوامل الداخلية سالفة الذكر قد هيأت مصر للخضوع للهيمنة الأجنبية وأن العوامل الخارجية قد عجلت بتحقيقها ومنها: الامتيازات الأجنبية، والتنافس الاستعماري على مصر متمثلاً في الحملات العسكرية والتحالفات السياسية والهيمنة الاقتصادية ثم تدفق الأجانب على مصر، ثم الإرساليات التبشيرية، والاستشراق، والواقع أن مفهومي: التبشير والاستشراق يتضمنان نفس الأهداف ولكن التبشير تنحصر دعوته في حدود التأثير المباشر في عقول الناس من خلال التعليم المدرسي والعمل الاجتماعي في المستشفيات والملاجئ أما الاستشراق فقد اتخذ لنفسه صورة البحث وادعى لنفسه الطابع الأكاديمي. وآخر العوامل الخارجية هي رحلات "السان سيمونيين"، والرحالة الأوروبيون الذين وفدوا على مصر.
ونتيجة للعوامل الداخلية والخارجية السالفة تهيأت البلاد لبسط الهيمنة الأجنبية من خلال تغلغل التعليم فكثرت بذلك المدارس الأجنبية ويمكن تصنيفها إلى ثلاثة أقسام رئيسية وهي: مدارس الطوائف غير الإسلامية ويندرج تحتها مدارس الأقباط واليهود، ثانياً: مدارس الجاليات الأجنبية وتضم مدارس الأرمن ومدارس الجاليات الإيطالية واليونانية والألمانية ثالثاً: مدارس الإرساليات والفرق الدينية وتضم الإرساليات الكاثوليكية والبروتستانتية ومن المدارس الأخيرة الإرساليات الأمريكية.
ثم يأتي الفصل الثاني والذي تركز فيه المؤلفة الاهتمام على التعليم الأمريكي بصفة خاصة، منذ بداية تغلغل نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية في البلدان العربية مع مطلع القرن التاسع عشر. وقد مثلت الإرسالية الأمريكية أول شكل من أشكال التغلغل الثقافي الأمريكي في البلدان العربية وفي مصر وقد تناولت المؤلفة ذلك من خلال استعراضها لبدء تغلغل النفوذ الأمريكي في الوقت الذي كانت فيه مصر قبلة للإرساليات والبعثات الدينية والتبشيرية من كل الطوائف، وكانت الولايات المتحدة مشغولة بأمورها الداخلية. وحتى بداية القرن التاسع عشر لم يكن لها أي مصالح تجارية في مصر أو أي تمثيل قنصلي في الدولة العثمانية بأكملها، وقد ظل هذا الوضع حتى عام 1930م، عندما عقدت الولايات المتحدة الأمريكية الاتفاق الودي التجاري أو" المعاهدة التجارية" مع السلطان العثماني. ولفتت الإرسالية الأمريكية أنظار القناصل الأمريكيين إلى أهمية رسالتها المقدسة، فأصبح من واجبهم معاونة أعضاء الإرسالية وحمايتهم في مهامهم التبشيرية.
وقد بدأ وجود الإرسالية في مصر مع بداية عام 1851م، وكان غرض الإرسالية في البداية، تحويل أقباط مصر إلى المذهب البروتستانتي، وأيضاً التبشير بالمسيحية بين المسلمين، وتم تسخير التعليم لخدمة الغرض التبشيري، ففي البداية استمر التوسع في مدارس الإرسالية على مستوى مرحلتي التعليم الابتدائي والثانوي فقط. وأدرك المبشرون الأمريكيون أن التأثير في قادة الرأي العام في البلاد، وفي الجيل الناشئ في الشرق، لا يمكن أن يتحقق إذا لم يكن ثمة تعليم عال، وعلى هذا الأساس أوجد المبشرون الأمريكيون الجامعة الأمريكية في بيروت والقاهرة، وكان لهم وجهة نظر في إقامة الكليات في المراكز الإسلامية، لذلك لم يكتفوا ببيروت وإنما أرادوا أن يكون لهم وجود في القاهرة بجوار الجامع الأزهر.
وفي الفصل الثالث يلقي الكتاب الضوء على نشأة الجامعة الأمريكية بالقاهرة والعوامل التي واكبت هذه النشأة، على النحو التالي:
أولاً: بداية التفكير في إنشاء الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وقد تشكلت لجنة من مبشري الإرسالية الأمريكية والتي وصلت في تقرير لها إلى أن مصر مؤهلة في هذا الوقت لإقامة هذا المشروع، وتشكلت لجنة ثانية عام 1912م قام أعضاؤها بفحص شامل للأنظمة التعليمية وقد قررت اللجنة ضرورة إقامة جامعة مسيحية بمصر، بسبب سوء التعليم العالي بمصر متمثلاً في الأزهر أو الجامعة الأهلية الوليدة.
ثانياً: ظروف مهيأة لنشأة الجامعة الأمريكية بالقاهرة بسبب أوضاع مصر الداخلية لكونها خاضعة للاحتلال البريطاني وكذلك استمرار التيار المسيحي العالمي في نشاطه.
ثالثاً: الخطوات العملية لنشأة الجامعة الأمريكية بالقاهرة: وقد تناولت المؤلفة جهود "تشارلز واطسون" لدعم مشروع الجامعة، واختيار القاهرة كأفضل مكان للجامعة من حيث كونها مركزاً فكرياً للعالم الإسلامي، أما عن الموقف البريطاني من فكرة إنشاء الجامعة فغير واضح من البداية حتى عام 1914م فقد قوبل الطلب الأمريكي بالرفض لأن تحديد مكان الإنشاء بالقرب من أهرام الجيزة غير مناسب لأنه يشوه الشكل الجمالي وكذلك الاعتراض على تسمية الجامعة باسم "الجامعة المسيحية"، ثم وقع أخيراً اختيار "تشارلز" على قصر "نيستور جانكليس" بشارع القصر العيني بجوار ميدان الإسماعيلية [ التحرير حاليا ] بالقاهرة، ولكن وقت الحرب العالمية الأولى حولت جميع المباني الحكومية إلى مستشفيات لصالح مصابي الحرب، وعقب انتهاء الحرب في محاولة للتودد للقوة الأمريكية الصاعدة وافقت بريطانيا على مشروع الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وسهلت لها الحصول على المبنى الذي كانت تشغله كمستشفى أثناء الحرب.
رابعاً: الجامعة الأمريكية بالقاهرة والمؤسسات المدنية والدينية وتناولت المؤلفة في هذا الجزء موقف السلطات البريطانية الذي تحسن عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى وكذلك موقف السلطات المصرية المؤيد للجامعة لكونها تجربة جديدة في الحياة التعليمية في البلاد، وقد حدثت بعض المشاكل بين الإرسالية والجامعة لأن الاعتمادات المالية توجه للجامعة مباشرة بعد أن كانت تذهب للإرسالية ومنها للجامعة وكذلك ارتفاع راتب مدرسي الجامعة مقارنة بمدرسي الإرسالية في حين ترى الإرسالية وجوب حدوث العكس لتشجيع المبشرين، فعقد مجلس الجامعة في عام 1923م اجتماعاً وفيه تقرر استقلال الجامعة الكامل عن الإرسالية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في رحيل الرجال العظام لا تُطوى صفحة من تاريخ البشرية، بل يُفتح فصلٌ جديد في ذاكرة الأمم. وحين يترجل قائد بحجم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه، فإن الحديث لا يكون عن سيرة رجلٍ فحسب، بل عن قصة وطن أعاد تعريف نفسه بطريقة مختلفة، وعن إرثٍ تجاوز جميع الحدود والجغرافيا ليترك أثره في الإنسان أينما كان. رحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وبقيت بصماته شاهدة على مرحلةٍ صنعت الفارق في تاريخ قطر الحديث والمنطقة والعالم. لقد كان رحمه الله من أولئك القادة الذين لا يكتفون بإدارة الحاضر، بل يغامرون بصناعة المستقبل. وحين تسلم زمام المسؤولية والقيادة عام 1995، كانت قطر دولة واعدة، لكنه رأى فيها ما هو أبعد من ذلك بكثير، رأى وطناً قادراً على أن يكون رقماً مهماً وصعباً في الاقتصاد والسياسة والإعلام والتعليم والتنمية الإنسانية ونصرة المظلوم وصوتاً للحرية. ومن الإنصاف للتاريخ أن يُقال إن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله لم يبنِ مشاريع إسمنت وحديد فقط، بل بنى ما هو أهم، بنى الفكرة. فكرة أن الدولة الصغيرة في مساحتها يمكن أن تكون كبيرة في تأثيرها، وأن الثروة الحقيقية ليست في الغاز والنفط وحدهما، بل في الإنسان والعلم والمعرفة والاستثمار في العنصر البشري. ولذلك شهدت قطر في عهده نهضة تعليمية غير مسبوقة وتحولت إلى مركز عالمي للجامعات والبحوث والابتكار، فصارت المعرفة جزءاً من مشروعها الوطني لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات. ولم يقتصر اهتمامه بالتعليم على أبناء وطنه فحسب، بل امتد أثره إلى آلاف المدارس والمبادرات التعليمية حول العالم. فقد آمن بأن التعليم هو الطريق الأقصر لمكافحة الفقر والجهل وفتح آفاق المستقبل أمام الشعوب، فدعمت قطر في عهده برامج ومشروعات تعليمية وصلت إلى ملايين الأطفال والشباب في مناطق عديدة من العالم، ومنحت فرصة التعلم لمن حُرموا منها بسبب الحروب أو الفقر أو النزوح. وهكذا تحولت رسالة التعليم من مشروع وطني إلى رسالة إنسانية عابرة للحدود، كان أثرها ممتداً في حياة أجيال كاملة ستبقى شاهدة على هذا العطاء. وفي الجانب الإنساني لم يكن حضوره مقتصراً على حدود وطنه. فقد امتدت يد قطر إلى مناطق الأزمات والكوارث، حاملةً الغذاء والدواء والتعليم والأمل. وساهمت في دعم الشعوب المنكوبة ورعاية اللاجئين، وتمويل المبادرات التنموية حول العالم، حتى أصبحت المساعدات الإنسانية القطرية عنواناً معروفاً في كثير من بقاع الأرض. لقد آمن رحمه الله بأن قيمة الدول تُقاس أيضاً بما تمنحه للإنسانية من خير ورحمة. أما في الإعلام فقد ارتبط اسمه بتحولٍ تاريخي غيّر المشهد الإعلامي العربي بشكل خاص والعالمي بشكل عام، حين انطلقت تجربة إعلامية جعلت من حرية الرأي والنقاش مساحةً أوسع مما عرفته المنطقة من قبل، فكان لذلك أثره العميق في تشكيل الوعي العام وإيصال الصوت الذي كان لا يجد طريقاً للوصول. واقتصادياً قاد مشروعاً استراتيجياً جعل قطر من أبرز القوى الاقتصادية العالمية في مجال الغاز الطبيعي المسال، وفتح أبواب الاستثمار الدولي على مصراعيها، حتى أصبحت الدوحة اسماً حاضراً في كبريات الأسواق والمؤسسات المالية العالمية. ولم يكن ذلك مجرد نجاح اقتصادي، بل كان بناءً طويل الأمد لأجيالٍ قادمة. وفي ميدان السياسة والدبلوماسية والوساطات رسخ نهجاً جعل من الحوار والوساطة وسيلةً لحل النزاعات وتقريب وجهات النظر. فغدت قطر لاعباً مؤثراً في ملفات إقليمية ودولية معقدة، واستحقت مكانةً تفوق الجميع وتفوق حجم الدول جغرافياً. ومن المواقف التي ستبقى علامة فارقة في مسيرته السياسية قراره التاريخي بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، في خطوة جسدت إيماناً راسخاً بتجدد القيادة واستمرارية الدولة، وقدمت نموذجاً حضارياً نادراً للتداول السلس للمسؤولية، مؤكدةً أن بناء الدول لا يكتمل بصناعة الإنجازات فحسب، بل بضمان استدامتها وانتقالها بأمان وثقة إلى الأجيال اللاحقة. كما أدرك مبكراً رحمه الله أن الرياضة لغة عالمية توحد الشعوب، فكان من مهندسي المسار الذي أوصل قطر إلى استضافة كأس العالم 2022، الحدث الذي لم يكن بطولة رياضية فحسب، بل رسالة حضارية عرّفت العالم بالثقافة الإسلامية والعربية والخليجية وقدرة المنطقة على تنظيم أكبر الأحداث الدولية. واليوم ونحن نودع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فإننا لا نرثي رجلاً غاب جسده، بل نستحضر إرثاً سيبقى حياً في التعليم الذي أُسس، والمستشفيات التي شُيدت، والفرص التي خُلقت، والوساطات التي أوقفت النزاعات وإزهاق الأرواح، والأفكار التي ألهمت أجيالاً كاملة. رحل القائد لكن أثره باقٍ. ورحل الإنسان لكن ما زرعه في وطنه وفي وجدان شعبه وفي صفحات التاريخ سيظل ينبض بالحياة. فبعض الرجال تنتهي أعمارهم لكن أعمالهم تواصل السير نيابةً عنهم. والوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني واحد من أولئك الذين كتبوا أسماءهم لا بالحبر بل بالأثر. رحم الله الفقيد بواسع رحمته وجزاه عن قطر وأمتها والإنسانية خير الجزاء. فكما جاء في الحديث الشريف: (خيرُ الناس أنفعهم للناس)، وأنا أشهد أمام الله بذلك. وجاء في الحديث أيضاً: (إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ يُنتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له). وأشهد كذلك أمام الله بما رأيت بعيني أنه قدم لهذا الدين وللإنسانية الشيء الكثير من صدقاتٍ ومساعداتٍ وعلومٍ ومراكز ومساجد، وبهذا كلنا نكون أبناءً له ندعو له جميعاً. أما عنوان المقال فهو جزء من حديثه رحمه الله في لقاء تلفزيوني يصف فيه قطر للعالم.
5718
| 14 يوليو 2026
لعل أسوأ ما قدمته بطولة كأس العالم الحالية هو بروز الحالة البالوجونية، نسبةً للاعب المنتخب الأمريكي: فولارين بالوجون. وهي حالةٌ تقوم على التعامل مع الاتحاد الدولي لكرة القدم وكأنه دولة في القرون الوسطى يحكمها فرد كما يشاء دون اهتمام بقوانين أو أعراف أو مشاعر ومصالح وآمال الآخرين. فرغم ما كانت تتعرض له الفيفا سابقاً من انتقادات، إلا أنها ظلت محافظةً على الحد الأدنى لمظهرها كمنظمةٍ ترعى رياضة كرة القدم دولياً، وحرصت دائمًا على أن تكون الحكم العادل في الخلافات بشأن اللعبة ومبارياتها. ولم يكن أحدٌ يتوقع أن تبلغ التجاوزات حد الاستهانة العلنية بقوانين اللعبة وأخلاقياتها كما فعل رئيسها جياني إنفانتينو. كان على إنفانتينو، قبيل انطلاق البطولة، التأكيد على أن الرياضة هي النقطة التي تتوقف عندها التأثيرات السياسية، وهي المظلة التي تلتقي تحتها الشعوب وتتنافس بنديةٍ. ولكنه صمت عن التجاوزات بحق الحكام والإعلاميين والإداريين الذين منعوا من دخول الولايات المتحدة. وكان هذا الصمت ثم تبرير ما حدث بحجج واهية هو السبب في الانهيار النسبي لشعبية البطولة دوليًا، لأن معظم عشاق اللعبة أدركوا أن طعنةً أصابتها في صميم أخلاقياتها التي تجمعهم. يجب علينا القول إن الفيفا في عهد إنفانتينو أصبحت مظهراً للفردية الديكتاتورية في مجال كرة القدم، فكان إلغاء البطاقة الحمراء التي تلقاها المهاجم الأمريكي فولارين بالوجون أمام البوسنة، وإسقاط عقوبة الإيقاف عنه ليشارك في مباراة بلجيكا هو المظهر الأبرز لتلك الفردية. ومناقشة ذلك كمخالفةٍ قانونيةٍ هو أمرٌ يبعث على الملل والشعور بعدم احترام عقولنا، لأن رئاسة الفيفا هي الجهة التي ارتكبت المخالفة. ورغم الاحتجاجات الدولية، لم يقم إنفانتينو بتبرير الأمر أو تقنينه، وكأن قراره لا يمكن لأحد مناقشته أو الاعتراض عليه. ثم جاءت مباراة مصر والأرجنتين لتخبرنا بأن هناك مسارات غير رياضية أدخل فيها إنفانتينو كرة القدم، والتي تتمثل في جماعات ضغط اقتصادية تعمل في مجال المراهنات الدولية، وتعتمد على وجوب استمرار منتخبات بعينها في المنافسة بغضِّ النظر عن خسارتها الفعلية لو خضعت مبارياتها لتحكيم نزيه غير خاضع لإملاءات إنفانتينو الخاضع بدوره لجهات لها مصالح عظمى في عدم نزاهة التحكيم. المخالفات علنيةٌ وكثيرةٌ جدًا، وليست المشكلة في السكوت أو عدم السكوت عنها، وإنما هي أن الشكوى ترفع للفيفا، وتكون على الحكام، ولا توجد آلية تخضع رئاسة الفيفا نفسها للمحاسبة القانونية. ومع وقوفنا مع الاتحاد المصري في شكواه، وانتظارنا لما ستسفر عنه مطالبات أعضاء في البرلمان الأوروبي بالتحقيق مع إنفانتينو، لكننا، للأسف، ندرك جيداً أن الحالة البالوجونية ستستمر، ولا يمكن التحكم فيها. الحل، ليس في الشكوى وإنما في العمل على توسيع دور المحكمة الرياضية الدولية ليشمل النظر والحكم في الخلافات مع الفيفا والشكاوى ضدها. وهذا الأمر ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو واجبٌ على المختصين القانونيين في الرياضة لمنع استفحال الحالة البالوجونية التي تهدد لعبة الجماهير الأولى في العالم. كلمة أخيرة: البالوجونية، ليست سلوكياتٍ فرديةً، وإنما هي منظومةٌ أخلاقيةٌ فاسدةٌ تقتل الروح الرياضية، وتدمر الأمل في كون الرياضة عنصرًا يجمع الشعوب.
1815
| 12 يوليو 2026
لم نستيقظ فجر اليوم (أمس) على وقع الضربات الصاروخية المتتالية، بل فزعت قطر عن بكرة أبيها لروح الوطن وسويداء قلبه، ويا للألم عندما يكون نبأ فقد أغلى من عرفته قطر والعروبة والنخوة والمروءة أشد وطئا من صليل المعارك، فقد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني "رحمه الله". كم هو صعب علينا أن نكتبها "رحمه الله" وهو لا يزال حيّا فينا، حيّا بيننا! ما فتئ يوجه ويسدّد، ومثله قليليون فقد فقد كان زعيما أنطق الصامت وأخرس الظالم ونصر المظلوم وأعان المحتاج وأغاث الملهوف، يعرفه كلّ قُطر في العالم شهد نكبة أو أزمة أو ضائقة أو كارثة طبيعية أو إنسانية. زعيم ملهمٌ غيّر بإنجازاته وعلاقاته الدولية مفهوم الحجم في عرف الجغرافيا الدولية من المساحة إلى الكتلة والقوة الدبلوماسية وأرسى دور صناعة التاريخ في صياغة الجغرافيا السياسية. زعيم ورّث مآثر ومنظومة قيم بنى عليها قطر (الإنسان) قبل أن يشيّد قطر (العمران) فاستثمر في أبناء قطر ومن فيها قبل أن يعبّد الطرق وما فيها أو يدشّن عصرية قطر ونهضتها الفريدة. لم يكن عهده وعودا على رمال متحرّكة بل جبالا راسخة فمنذ تقلده سدّة الحكم أعلن في زيارته لمنتدى علمي "جورج تاون" واشنطن مسيرة إنشاء الحياة الديمقراطية في الدولة فكان لقطر أول بيت للديمقراطية بعد عام واحد فقط. لم تكن الاستحقاقات التي منحها للشعب خطبا عصماء في محافل تستلهم التصفيق لتحقيق مكاسب برجماتية بل كانت صفحات حيّة لبرامج ومنجزات سجّلها التاريخ بحروف من نور. لن نكرر ما عرفناه وأشبعناه تحليلا في معطيات الشورى والمشاركة الشعبية وحلّ وزارة الإعلام وإنشاء شبكة الجزيرة التي كانت منبرا للشعوب المغلوبة وثورة إعلامية دولية عربية حتى النخاع سحبت البساط عن التدفق الأحادي الغربي حتى أسماها علماء الغرب (ظاهرة الجزيرة) تنافس بعدها المتنافسون، واختصم المختصمون حتى شهدت قطر والفضاء العربي في عهده أيضا ولادة نجم سهيل سات (القمر الصناعي) القطري لضمان السيادة دون انقطاع أو تشويش، كما حلّقت القطرية برؤيته آفاقا رحبة. فوق الإنجازات التي لا تسعها كتب التاريخ كان الوالد حمد الزعيم الإنسان قريبا من كلّ شيء، قريبا في كل شيء بما شهدناه بأم أعيننا، فلم نستوقف منه ولا معه ولا بأمره يوما على كلمة كتبناها ولا مقالا نقديا سطرناه في الإعلام بل كان هو الداعم الحقيقي والملهم الذي ما فتئ يتقبل ما تأتي به الصحافة بصدر رحب. وفي السياسة، شهدت موقفا عروبيا أصيلا لم تسطره الأخبار، فقد كنّا في انتظار سموّه في زيارة في دولة من الدول وكان قبيل الزيارة قد استعر القتل على الفلسطينيين من العدو الإسرائيلي المحتلّ في حرب سميّت عمليتها بـ (عمود السحاب). كنا فرحين بزيارة سموّه وقد وصل وقتها وفد المقدّمة ولم نتوقع أن تتطور الأحداث، فما كان إلا أن أُخطرنا أن الزيارة الأميرية تأجلت وسيعود وفد المقدّمة أدراجه إلى الدوحة، بعدها علمنا سرّ تغير البرنامج، فقد أعلن سمو الأمير الوالد عن عقده وترؤسه لمؤتمر إسلامي استثنائي لنصرة غزة في الدوحة. كرّس نفسه "رحمه الله" للقضية الفلسطينية وأعلن فيها صندوقا لدعم غزّة. أعادت العروبة والحميّة الذاكرة فينا إلى ما تربّى عليه الطفل حمد منذ نعومة أظفاره، فلا تزال صورته في المدرسة الابتدائية وهو يصدح في طابور الصباح دفاعا عن الجزائر عالقة في أذهاننا، ومن شبّ على شيء شاب عليه فما فتئ في الدفاع عن فلسطين وقضيتها حتى وفاته، فكان جديرا به أن أقيم له مجلس عزاء في غزّة وأن نكست الأعلام حدادا عليه في الدول العربية والإسلامية وعدد من دول العالم. هذا ولم يكن الوالد حمد نصيرا للمظلومين خارج وطنه بل كان رحيما عطوفا في شعبه ينطلق في رعيّته راجلا انطلاق الواثق الآمن يشارك بقرب (عدلت فآمنت فنمت) بشرا (يأكل الطعام ويمشي في الأسواق) عرفه أطفال قطر والمقيمون فيها وعجائزها عنوانا للحنان والرحمة. كان واسع الثقافة تسبقه روح المرح يصدق فيه "هم القوم لا يشقى بهم جليسهم" تتمنى أن كان الزمن قد وهبك جلسات وجلسات لتتعلم من معجمه الإنساني والفكري والتاريخي والعروبي. كان ملهما في مشاريعه التي حوّلت قطر إلى منارات علم دولية ومراكز إشعاع وثقافة فوق وضعه قطر الصغيرة حجما في مقدمة الكرة الأرضية ذكرا ونجاحه في تحقيق الوعد بأفضل نسخى عالمية في مونديال 2022. كان عالما فذا يثريك بتنوع معرفته وروعة مبادراته، يقف بأم عينه على كل صغيرة وكبيرة من مشاريع رؤيته ليس قبل ويوم تدشينها فحسب بل على مدار الأعوام. كان يراها كما ترى الأم وليدها ويتقبل كل رأي حولها بسعة صدر ويحفل ويهتم ويقرأ ويردّ دون وسطاء أو حرّاس بوابات، بل ويجعل الحركة النقدية حولها حركة اجتماعية صحيّة ومصدرا للإلهام والمشاركة الشعبية ومقاما للبحث والتقصي والتطوير دون مصاردة أوإقصاء محاسبا على أي تقصير ومعززا لكل تطوير. مهما كتبنا من كلمات من ردهات حزننا العميق اليوم لن نوفي الأمير الوالد سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حقّه. فبقدر ما يكون المرء كبيرا والفقد عظيما يكون الجرح. استيقظت قطر كلها لوداعك فجر اليوم (أمس) بحرها وسماؤها وشعبها ومن فيها ونسيت أجراس الإنذار لتعدك أنها على العهد فقد كنت رجلا بأمّة وقد أوصيت وأنجبت ولم ولن يودّع من أنجب... وكما يقول الشاعر: لقد كانت في حياتك لي عظاة وأنت اليوم أوعظ منك حيّا
1191
| 13 يوليو 2026