رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

234

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

القائد فقيد الأمة

19 يوليو 2026 , 06:57ص

فجعت الأمة بوقع نبأ وفاة حضرة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله وغفر له. وإننا إذ نصبر أنفسنا بهذا المصاب، فلا نقول إلا ما يرضي ربنا بقوله {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} البقرة ١٥٦. وحين يتأمل المرء في هذا الصرح الوطني الشامخ ببنيانه المرصوص، يتساءل بذهول: كيف أُقيمت هذه الأركان؟ وما سرُّ ذلك الأساس المتين الذي مكن دولةً صغيرة المساحة، قليلة السكان، من أن تغدو كبيرة التأثير، عابرة للقارات؟ هنا تحضرني حكمة الشاعر: تُعَيِّرُنا أَنّا قَليلٌ عَديدُنا ... فَقُلتُ لَها إِنَّ الكِرامَ قَليلُ. ولا أرى في مسيرة الثلاثة عقود الماضية حتى يومنا هذا، مَن تجسدت فيه سمات ‹سيد الكرام› كحضور الشيخ حمد؛ فهو الذي لم يكتفِ ببناء دولة، بل صاغ أمة.

ولم تكن مسيرةُ الفقيدِ محصورةً في نطاقٍ جغرافيّ، بل تجاوزت الحدودَ لتطالَ آلامَ الشعوبِ وتطلعاتِهم في عالمنا الإسلامي. لقد جعلَ من العملِ الإنسانيّ مؤسسةً راسخةً لا تعرفُ الانكفاء، فأنشأ الصروحَ التي حملت اسمَه كشواهدَ على رؤيةٍ تؤمن بأنَّ الاستثمارَ في الإنسانِ هو أسمى درجاتِ العطاء. فمن ‹جامعة حمد بن خليفة› التي باتت منارةً للعلومِ والبحثِ الرصين، إلى ‹مدينة حمد› ومجمعاتها السكنيةِ والتعليميةِ التي احتضنت المنكوبين، وصولاً إلى مستشفيات التأهيلِ ومراكزِ العونِ الإغاثي، تجلى نهجُه في نقلِ المجتمعاتِ من ضيقِ الحاجةِ إلى رحابِ التمكين. لقد كان يرى في مساعدةِ الملهوفِ واجباً أخلاقيّاً وضرورةً تاريخيّة، فظلّت مشاريعُه ومبادراتُه في الترجمةِ والتعليمِ والإغاثةِ جسراً ممتداً من الخيرِ، يربطُ بين طموحِ الدولةِ وبين آمالِ الأمةِ في نهضةٍ تنهضُ بالإنسانِ وتصونُ كرامتَه.

وفي صميم هذا الإرث الحضاري، كان الإعلامُ حاضراً كأداةٍ استراتيجيةٍ للتنويرِ والتعريف؛ فقد أطلق الفقيدُ قناة ‹الجزيرة›، التي لم تكن مجردَ قناةٍ إخبارية، بل صرحاً إعلامياً عالمياً كسرَ احتكارَ الروايةِ الواحدة في عالمٍ كانت سياسته التحريرية مركزةً من اتجاهٍ واحد، وأعادَ صياغةَ حضورِ قطر على الخريطةِ الدولية. لقد كان هذا المنبرُ بمثابةِ الجسرِ الذي عبرت من خلاله الدولةُ إلى وجدانِ العالم، فحولها من فاعلٍ محليٍّ إلى لاعبٍ أساسيٍّ يؤثرُ في صُنعِ الأحداثِ ويُعَرِّفُ بها كدولةٍ صاحبةِ رسالةٍ وقوةٍ ناعمةٍ فاعلة. فمن خلالِ الجرأةِ في الطرحِ والمصداقيةِ في التغطية، استطاع هذا الإعلامُ أن يفرضَ اسمَ قطر في قلبِ الأحداثِ العالميّة، محولاً إياها إلى منصةٍ دوليةٍ للحوارِ الحر، ومؤكداً أنَّ الكلمةَ الحرّةَ هي الركيزةُ التي استندت إليها الدولةُ لتُعرِّفَ العالمَ بهويتها، وطموحاتها، وقدرتها على التأثيرِ في مجرياتِ التاريخِ الحديث.

ولم يكتفِ الفقيدُ بالتنميةِ الداخلية، بل انطلقَ بالدولةِ نحو العالميةِ عبرَ استضافةِ الأحداثِ الكبرى التي جعلت من قطر وجهةً للقرارِ والتميز؛ فمن استضافةِ ‹كأس العالم للشباب ١٩٩٥ التي كانت أولى خطواتِ البروز، إلى الإبهارِ التنظيميِّ في ‹أسياد ٢٠٠٦ التي أثبتت للعالمِ قدرةَ الإنسانِ العربيِّ على الإنجاز، وصولاً إلى الحضورِ المؤثرِ في المنتدياتِ الاقتصاديةِ والسياسيةِ العالمية كمؤتمر ‹دافوس› وغيره من المحافلِ الدولية. لم تكن هذه المحطاتُ مجردَ فعالياتٍ عابرة، بل كانت مساراً استراتيجياً تُوِّجَ بالنجاحِ التاريخيِّ في تنظيمِ ‹كأس العالم›، ليعلنَ للعالمِ أجمعَ أنَّ قطر، بفضلِ رؤيةِ سمو الأمير الوالد الشيخ حمد رحمه الله، حيث لم تعدْ مجردَ نقطةٍ على الخريطة، بل صارت مركزاً ثقيلاً يلتقي فيه العالمُ ليتشاورَ في الاقتصاد، ويتبادلَ الخبراتِ في السياسة، ويتنافسَ بسلامٍ في الرياضة، مؤكداً للعالمِ أنَّ الطموحَ لا سقفَ له حينما يُقترنُ بالإرادةِ والتخطيط. وعلى الصعيد الداخلي، أرسى الفقيد دعائم الدولة الحديثة بتطوير الدستور الدائم، ليؤكد أنَّ نهضةَ البلاد تستندُ إلى مؤسساتٍ دستوريةٍ وقانونيةٍ متينة. هذا الالتزامُ بالنهجِ القويمِ انعكسَ على الساحةِ الدوليةِ؛ حيثُ جعلَ من قطر وسيطاً سياسياً موثوقاً لا يملّ من السعيِ لترسيخِ السلامِ العالميّ. لقد كانت مدرسةُ الأمير الوالد في الحكمِ قائمةً على مبادئَ لا تتزحزح؛ فقد كان يوصي دائماً بـ ‹الثباتِ على الأصول، وقولِ الحقِ مهما كلّفت الظروف›، مؤمناً بأنَّ قوةَ الموقفِ تنبعُ من نقاءِ المبدأ. ولتكتملَ الصورةُ التي يمتزجُ فيها السياسيُّ بالروحيّ، شُيّد ‹جامعُ الإمام محمد بن عبد الوهاب› ليكون منارةً شاهقةً تعكسُ هويةَ الدولةِ الإسلاميةِ الأصيلة، ورمزاً يربطُ بين عراقةِ التراثِ وطموحِ الحاضر، لتظلَّ قطرُ دائماً صوتاً للحقِ، وواحةً للسلامِ، وحارساً للقيم. 

رحلَ قائدُ الأمة رحمه الله وغفر له ووسع منزله، لكنَّ أثرَهُ فينا ممتدٌّ لا يغيب؛ فقد تركَ أمانةً ثقيلةً صانها التاريخُ، ونهجاً قوياً رسمَ ملامحَ الطريق. واليوم، نرى هذا المجدَ يتجلّى في قيادةِ حضرةِ صاحبِ السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، الذي يواصلُ مسيرةَ البناءِ والعزة، حاملاً لواءَ الأمةِ نحو آفاقٍ أسمى؛ فكان حقاً خيرَ خلفٍ لخيرِ سلف.

مساحة إعلانية