رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عجز المتابعون العرب والعجم عن الإجابة على هذا السؤال ولو جزئيا! الجميع يعلم يقينا أن ما يجري في هذه البلاد عبارة عن طلاسم معقدة من المستحيل فك أسرارها، ومن المستحيل أيضا تحميل مسؤولية الفوضى والقتل لطرف من الأطراف المتشابكة وأنا مواطن عربي من بين 300 مليون عربي أتابع كما يتابعون على قنوات الفضائيات وعلى وسائل الاتصال الجماهيري مشاهد آثار القصف على مدن وقرى سوريا من مبان مهدمة ومحاولات إنقاذ السوريين المدنيين المدفونين تحت أنقاض الركام. تماما نفس مشاهد غزة وجنوب لبنان ثم بيروت ذاتها وكأن محكمة الجنايات الدولية لم تصدر مذكرات توقيف ضد رئيس حكومة المحتل ووزيره للدفاع وكأن الرأي العام العالمي في عقر ديار الغرب الذي صرخ عاليا في مظاهرات مليونية تنديدا بالمجازر ودعما لحل الدولتين لم يتحرك فأضفنا له نحن العرب مأساة سوريا حتى نضيعه في متاهات غامضة تستعصي عن الفهم!.
* تقول آخر الأخبار إن الفصائل العسكرية المعارضة لنظام الأسد بسطت في فترة زمنية قياسية سيطرتها على مركز محافظة حلب ومساحات شاسعة من ريفها ونقاط عسكرية ومراكز حيوية استراتيجية مثل مطار حلب الدولي ومطاري منغ وكويرس العسكريين إضافة إلى الأكاديمية العسكرية ومعامل الدفاع في السفيرة، وسيطرت هذه المعارضة المسلحة على كامل محافظة إدلب بحدودها الجغرافية ومطار أبو الظهور العسكري ومساحات من ريف حماة الشمالي وصولاً إلى حدود مدينة حماة خلال أربعة أيام عقب إطلاق المعارضة السورية معركة، وكما قال أحد المحللين العسكريين: فإن هذه الفصائل انتقلت من مهمة الحفاظ على المناطق التي تسيطر عليها ومناطق خفض التصعيد إلى تحقيق مكاسب ميدانية، مثل السعي إلى استعادة حلب بعدما استجمعت قواتها بشكل ربما فاجأ قوات النظام السوري، مؤكدا أن وجود حزب الله وإن بشكل غير رسمي في هذه المناطق وما لحق به من ضربات إسرائيلية في لبنان أفقدته بعض قوته، حيث لم يعد كالسابق، إضافة إلى أن إيران أصبحت حركتها محدودة داخل سوريا، وهذا ما شجع قوات المعارضة على التحرك ميدانيا.
* وفي السياق ذاته أشار الخبير العسكري العراقي إلى التقارير التي تحدثت عن وجود دعم غربي عسكري للمعارضة السورية لأول مرة، وذلك بغرض فتح جبهة جديدة ضد روسيا التي لم تعد سوريا أولوية عندها بسبب انشغالها بالحرب في أوكرانيا لكن قوة الجيش الروسي الذي يملك قدرات تدميرية كبيرة وتفوقا جويا وصاروخيا اضطرته الى التدخل المباشر والمعلن لحماية نظام الأسد لا حبا في الأسد بل حرصا من بوتين على عدم ترك المجال فارغا للولايات المتحدة لتكون اللاعب الوحيد في الشرق الأوسط، وهو ما قد يقلب المشهد على المعارضة السورية بشكل يسمح بإيقاف الهجوم الحالي.
* ورأينا كيف احتار العرب في إعلان موقف واضح وموحد تجاه طلاسم سوريا حيث قال بيان لجامعة الدول العربية: «تتابع جامعة الدول العربية بقلق بالغ التطورات الميدانية في سوريا وتؤكد على ضرورة احترام وحدة وسيادة وسلامة أراضي الجمهورية العربية السورية» أما إسرائيليا فقد أكدت صحيفة «معاريف» العبرية أن ما يجري هناك يدل قطعيا على تقلص النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط بعد الضربات الموجعة التي تلقاها حزب الله واكتفاء الحشد الشعبي في سوريا والعراق بالتنديد والوعيد، وهما كما تدرك إسرائيل للتسويق الداخلي لا غير، وتقول «معاريف» إن ما يجري فرصة ذهبية للدولة العبرية لكي تعيد مع الرئيس الأمريكي الجديد القديم (ترامب) تشكيل خريطة جيوستراتيجية للشرق الأوسط حلمت بها منذ عقود وتجلت في كتابي (كوندوليزا رايس) و(شمعون بيريز) بنفس العنوان (الشرق الأوسط الجديد) وألحت افتتاحية هذه الصحيفة على ضرورة التسريع في توسيع عمليات التطبيع خاصة مع المملكة العربية السعودية وبقية الدول العربية لفرض منظومة جديدة لكامل الشرق الأوسط تكون إسرائيل قاطرتها وسيدة الكلمة الفصل فيها كما صرح (دونالد ترامب) دون تلعثم ودون تردد حتى قبل أن يعاد انتخابه للعهدة الثانية.
* وتسابق الحكومات الأوروبية الى حجز أماكنها في المنظومة الجديدة المتوقعة للشرق الأوسط أكبر بنفطها وغازها لنصف قرن قادم وهو أيضا ما اتضح في سلوكيات ملك بريطانيا (شارل الثالث).
كتب المحلل السياسي السعودي راشد القحطاني في صحيفة (الشرق الأوسط) ملخصا مأساة سوريا فقال: «كانت سوريا مقصد التجار والصناع حتى دخلتها الحزبيات والولاءات الخارجية ودعوات القومية والبعث والشيوعية فاستولى «الرفاق» على غرار الرفاق في الاتحاد السوفيتي على سوريا بالرغم من عدم توافقهم الداخلي والخارجي وانقسامهم وكان الاتحاد السوفيتي هو المستفيد حيث وجد موطئ قدم في البحر الأبيض المتوسط ومع تولي حافظ الأسد السلطة عام 1970 تبدل حال «الرفاق» وبقي منهم القلة حين دارت رحى الطائفية فكانت سوريا من نصيب أسرة الأسد وطائفتهم العلوية مع بقاء عدد من العناصر السنية لإقناع بقية الشعب السوري أن الحكومة تمثل الجميع»! وانتشرت الاضطرابات في البلاد واشتدت وطأة الأمن في سحق الاحتجاجات ومع الوقت حملت المعارضة السلاح للدفاع عن نفسها في المقام الأول ولاحقا للتخلص من قوات الأمن في المناطق التي سيطرت عليها وتعهد الأسد بسحق ما وصفه بـ «الإرهاب المدعوم من الخارج» وتصاعدت وتيرة العنف سريعا وغرقت البلاد في الحرب الأهلية وخرجت مئات المجموعات من المعارضة المسلحة بحيث تحول الأمر سريعا لما هو أكبر من مجرد خلاف بين فريقين مع وضد الأسد. وبدأت القوى الغربية في انتقاء الأطراف التي تدعمها بالمال والسلاح والمقاتلين. ومع تدهور الأحوال وانتشار الفوضى ظهرت المنظمات الجهادية المتطرفة بأهدافها الخاصة مثل تنظيم الدولة والقاعدة وزاد هذا الوضع من مخاوف المجتمع الدولي الذي يرى مثل هذه المنظمات تهديدا كبيرا وظهر بُعد جديد فرضه وجود الأكراد السوريين الذين طالما أرادوا حكما ذاتيا وإن كانوا لم يقاتلوا ضد قوات نظام الأسد. مع العلم للتاريخ أن أول انقلاب على الدولة المدنية قام به اللواء حسني الزعيم سنة 1949 ثم تعاقبت الانقلابات الى أن استولى حافظ الأسد على الحكم وكان وزيرا للدفاع ولم تستقر سوريا منذ ذلك العهد الى اليوم.
عودة وساطة الخير والسلام القطرية
عندما كنت بصدد تحرير مقالي واخترت عنوانه فوجئت كما فوجئتم جميعا بعودة الاشتباكات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران... اقرأ المزيد
159
| 04 سبتمبر 2026
الغرب المنتقل من حكم القانون إلى الشعبوية (1)
الشعبوية بطبعها مناقضة للأمن والسلام وجلابة للعنف بين الدول وهو ما يجرنا للإشارة الى جهود دولة قطر بتوجيه... اقرأ المزيد
288
| 27 أغسطس 2026
فقدان إسرائيل السند تلو السند
حينما تكتب (واشنطن بوست): مع اقتراب الانتخابات الحاسمة في الولايات المتحدة وإسرائيل، يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس... اقرأ المزيد
213
| 20 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5295
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4908
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3006
| 24 سبتمبر 2026