رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

ialsada63@gmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

429

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

الإنسان قبل الموقف

07 يناير 2026 , 01:10ص

في عالمٍ مزدحم بالأحداث والأزمات والكوارث، يبدو الإنسان أحيانًا هو الأكثر غيابًا عن المشهد، تتقدّم التحليلات، وتتزاحم المواقف، وتعلو الأصوات، بينما يظل الألم الحقيقي صامتًا، ينتظر من يلتفت إليه لا من يفسّره، في خضم هذا الضجيج، يصبح الإنسان، بحاجته وضعفه وكرامته، أول من يُهمَل، وآخر من يُسأل عنه.

لسنا مطالبين دائمًا بالاتفاق، ولا أن نرى الأمور من زاوية واحدة، الاختلاف طبيعي، وربما ضروري، لكن الخلل يبدأ حين يصبح الموقف أهم من الإنسان، وحين يُختزل المحتاج في رقم، أو صورة، أو خبر عابر. 

في لحظات الشدة، تتضح هذه المفارقة أكثر؛ هناك من ينشغل بالشرح والتفسير وتبادل الاتهامات، وهناك من ينشغل، في صمت، بمحاولة تخفيف الألم وتأمين الاحتياج، بين من يرفع صوته، ومن يمد يده، يتحدد الفرق الحقيقي بين الجدل والمسؤولية.

العمل الإنساني، في جوهره، لا يبدأ بالسؤال عن الخلفيات، ولا يتوقف عند المواقف، لا يسأل: من المخطئ؟ ولا: من المسؤول؟ بل يتجه مباشرة إلى السؤال الأكثر إلحاحًا: من يحتاج ماذا الآن؟ في هذا السؤال البسيط تختصر فلسفة كاملة، ترى الإنسان قيمة قائمة بذاتها، لا وسيلة، ولا عبئًا، ولا تفصيلًا يمكن تأجيله.

وقد تعلّمنا من تجارب إنسانية قريبة منا، أن العمل الإنساني الحقيقي لا يُدار من منطلق الاصطفاف، بل من منطلق المسؤولية، تعلّمنا أن الإنسان لا يُسأل عن موقفه قبل أن يُنقَذ، ولا عن خلفيته قبل أن تُصان كرامته، هذا الدرس البسيط، الذي قدّمته دولة قطر في أكثر من محطة إنسانية، يؤكد أن الثبات على القيم لا يحتاج ضجيجًا، وأن الوقوف مع الإنسان لا يتطلب تبريرًا، بل شجاعة أخلاقية ووضوحًا في البوصلة.

قد نختلف في قراءة الأحداث، وقد تتباين مواقفنا تجاه ما يجري حولنا، لكن ما ينبغي ألا نختلف عليه هو أن كرامة الإنسان غير قابلة للتفاوض، وأن الألم لا يحمل هوية، وأن الحاجة لا تنتظر اكتمال النقاش، حين ننسى ذلك، نفقد جزءًا من إنسانيتنا، حتى وإن ظننا أننا على حق.

وفي المقابل، حين نضع الإنسان قبل الموقف، لا نتخلى عن وعينا، ولا عن مبادئنا، بل نمنحها معناها الحقيقي، فالموقف بلا إنسان قد يكون صلبًا، لكنه قاسٍ، أما الإنسان قبل الموقف، فهو ما يمنح العالم فرصة أن يكون أقل قسوة، وأكثر عدلًا. 

ختامًا، في عالمٍ مضطرب، قد لا نملك القدرة على تغيير كل شيء، لكننا نملك دائمًا خيارًا واضحًا وبسيطًا: أن نختار الإنسان… قبل أي شيء آخر.

مساحة إعلانية