رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – ظهرت لتعيش وتستمر، ولا تموت إلا حين لن تكون لمن على الأرض يومها قيمة واعتبار لأن تبقى الحياة مستمرة لهم، وعليهم ستقوم القيامة حينها. لكن الحقيقة المهمة الواجب تذكرها دوماً، أن هذه الأمة لن تموت، مهما أصابتها من مصائب وكوارث ونوازل، وشواهد التاريخ أكثر مما يمكن حصرها ها هنا في هذه المساحة المحدودة.
الأمة كانت تحت قيادة واحدة منذ قيام دولة الإسلام بالمدينة المنورة وقائدها رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام حتى سقوط دولة بني أمية العظيمة عام 132 للهجرة. إذ بعد ذلك وعلى رغم قيام دولة بني العباس، أكبر الإمبراطوريات التي كانت في تلك الفترة، ظهرت بجانبها دول وممالك إسلامية لها شخصيتها الاعتبارية، وكانت تدير شؤونها بنفسها، وإن كانت اسمياً توالي الخليفة العباسي، حفاظاً على الرابطة التي تربط الأمة ببعضها البعض، رغم خلافات ونزاعات بين تلك الممالك بعضها البعض، وأحياناً مع الخليفة نفسه، لكن الرابط كان باقياً، وكان ذلك ربما كلمة السر في بقاء هذه الأمة وصمودها أمام النوازل المتنوعة على مدار تاريخها القديم. الحروب الصليبية المتتالية، ثم وباء المغول، وصولاً إلى الاستعمار الغربي.. كل تلك الأوبئة أصابت الأمة وشتت كلمتها ومزقت شملها وفرقت بين أبنائها، لكنها لم تقض عليها بشكل تام ولم تندثر بفضل الله. نعم، أصابت الأمة الكثير الكثير من تلك الأوبئة البشرية، لكنها صمدت بالنهاية حتى يوم الناس هذا، والتي لم يكتف أعداؤها من الاستمرار في الكيد لها، على رغم كل ضعفها وهوانها بين الأمم الحاضرة.
تفكيك الأمة
لن نرجع إلى التاريخ القديم لنضرب أمثلة، لكن يكفينا الرجوع فقط إلى قرن من الزمان ليس أكثر، لنجد كيف مزق الاستعمار الغربي الذي هو امتداد للحروب الصليبية التي لم تقف ولم تنته كما قال اللنبي يوم أن دخل القدس ووقف على قبر صلاح الدين قائلاً» اليوم انتهت الحروب الصليبية يا صلاح الدين !
لكن الواقع أنها لم تنته، فالاستعمار أو الاستدمار الغربي قطّع أوصال هذه الأمة، وضرب أمة العرب تحديداً، باعتبارها القاطرة التي تقود الأمة، فالإسلام قوي بقوة العرب، ويضعف بضعفهم. ولعل هذا هو سبب إصرار الاستعمار الغربي على تقطيع أمة العرب إلى ممالك ودويلات متناحرة مختلفة، لتسهل عليه السيطرة بعد ذلك، وهو ما يحدث الآن تماماً.
لم يكتف الاستدمار الغربي بذلك، بل قطع ما بين أمة العرب وأمم المسلمين من علاقات وأواصر. مسلمو الترك في جهة، والفرس في جهة أخرى، ومثلهما مسلمو السند والهند والصين وبقية مسلمي العالم. لا شيء يجمع بين مسلمي العالم اليوم سوى بعض شرائع دينية، لكن مع ذلك، تفرقهم واختلافهم أسهل ما يمكن حدوثه، فإن الجغرافيا والقومية لعبت دوراً في تأخير مكانة وقيمة الدين في سلم أولويات كل شعب مسلم أينما كان ! المسلم في موقع جغرافي ما قد يرى مشاكل ومآسي ومصائب مسلمي دولة ما في بقعة بعيدة ويستشعر بها، لكن تفاعله معها غالباً في حدود معينة، إذ تقف القومية، والحدود المصطنعة، والاعتبارات السياسية وغيرها، حواجز لا يمكن عبورها بالسهولة المتصورة.
دروس الأفغان والبوسنة
ما جرى لمسلمي بلاد الأفغان من كوارث ومجازر وفواجع لعشر سنوات منذ عام 80 على يد أكبر امبراطورية ملحدة في التاريخ يومذاك، الاتحاد السوفيتي، حتى انسحابها مهزومة مدحورة أواخر 89، ومن ثم تعرضها لاحتلال أمريكي غربي غاشم مجرم مرة أخرى في 2001 والكوارث التي حلت بمسلمي أفغانستان على يد الأمريكان حتى خروجهم مدحورين مهزومين في قائظ 2021، أمر يدعو للتأمل.
إن شعباً مسلماً فقيراً قاوم وصمد أمام أعتى قوتين ظهرتا في التاريخ، الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، وقدم مئات الألوف من الشهداء، إنما دليل على حقيقة ما نقول، هي أن هذه الأمة لن تموت، مهما بلغت قوة ووحشية معسكرات الكفر والضلال ضدها. خرجت أفغانستان من تلك المحن، أقوى وأصلب وأثبت على عقيدتها ودينها مما كانت قبل ذلك، وها هي اليوم تخطو خطواتها الجادة في التنمية والبناء، لتؤكد إلى جانب الحقيقة الأولى التي ذكرناها آنفاً، أن ما يؤخذ بالقوة لا يمكن أن يُسترد إلا بالقوة. فالعدو المتسلح بالحديد والنار، لا ولن يفهم لغة الدبلوماسية والسياسة واللين، وإن زعم وادّعى ذلك في دعاياته، فالوقائع تثبت العكس من ذلك. وهذا ما فهمه الأفغان منذ البداية، فكان لهم ما أرادوا بفضل من الله وتوفيق وسداد. وهو درس يحتاج لكثير تأمل وتدبّر.
ما جرى أيضاً من كوارث ومآسٍ ضد مسلمي البوسنة والهرسك بداية التسعينات على أيد الصرب الأرثوذكس، لتقشعر منه الأبدان، على رغم حداثة معرفتهم بالإسلام بعد عقود من حكم شيوعي ملحد. فما إن حدثت تطورات في العالم بعد سقوط الاتحاد السوفيتي عام 92 وخروج دول أوروبا الشرقية عن الفلك السوفيتي، كان للمسلمين ذلك التطلع والحق أيضاً، لكن الغرب الصليبي لم يقبل ظهور دولة مسلمة في عمق أوروبا، ووقع ما وقع من مذابح ومآس لا زالت في أذهان من هم في سن الخمسين اليوم.
لكن مع ذلك كله، شاء الله أن تقوم دولة البوسنة والهرسك بفضل الله ثم صمود أهلها ومقاومتهم بكل ما أوتوا من قوة، ثم يشاء الله بعد ذلك أن يختلف الضالون بين بعضهم البعض، لتقوم الولايات المتحدة بدور حاسم في وقف الإجرام الصربي المدعوم روسيا حينذاك، لتقوم للمسلمين قائمة في عمق أوروبا المسيحية، ولم تنطفئ تلك الجذوة المؤمنة رغم سنوات القمع الشيوعي، ولم يستطع الضالون تصفية مسلمي هذه البلاد. هذا درس ثان يحتاج لكثير تأمل وتدبر أيضاً.
فلسطين لن تضيع
من بلاد الأفغان والبوسنة والهرسك، ننتقل إلى المنطقة الملتهبة حالياً، والتي لا زالت محاولات المغضوب عليهم منذ عام 48 في فلسطين ضد مسلمي هذه الديار مستمرة لتصفية ومحو الإسلام والمسلمين، ولا زالت قوى الغرب وبعض الشرق مستمرة في دعم الإجرام الصهيوني وبكل وحشية.
إن استرداد الحقوق لا يمكن تحقيقه بالمفاوضات العبثية، والمؤتمرات الدولية الفارغة، والوعود الكاذبة، وإن بضمانات دولية، وما طوفان الأقصى المبارك، إلا نتيجة هضم جيد للمقاومة الفلسطينية في غزة لتلك التجارب السابقة في بلاد الأفغان والبوسنة مع الأعداء، ومن قبلهم دروس متنوعة من تاريخ هذه الأمة. المعسكر الكافر لا يفهم إلا لغة القوة. وما دعوة القرآن لأهله بإعداد القوة قدر المستطاع، إلا لأجل ترهيب دائم مستمر لمعسكر الكفر، كيلا يتجرأ ويحقق مراده.
ما ضاعت فلسطين قطعة قطعة إلا حين تم افساح المجال للعبث المتمثل في مفاوضات ولقاءات علنية وسرية، ومعاهدات سلام كاذبة خادعة، وخيانات لا أول لها ولا آخر، استفاد منها من استفاد، حتى ضاعت جل فلسطين وما بقيت غير غزة، شوكة حادة في حلق المغضوب عليهم ومن معهم من الغرب والشرق.
هذه الشوكة، أراد المعسكر الكافر مع معسكرات الوثن والصليب ومنافقي العرب، كسرها ومحوها من الوجود، لأنها سبب بقاء فلسطين عربية مسلمة، ولولا فضل الله ثم فئة مؤمنة لا تهتم بمن خالفها وخانها، لما كان هناك أرض تسمى فلسطين اليوم. وهذا ما يفسر كثرة التضحيات المادية والبشرية التي تقدمها غزة، وهذا ما يدعو في الوقت نفسه إلى عدم التهويل من أرقام الشهداء وبقية التضحيات.
إن مثل هذه المعارك المفصلية التاريخية، لابد وأن تكون الأثمان باهظة، لتكون النتائج باهرة بعد حين من الدهر، طال أم قصر بإذن الله. فهكذا هي قوانين أو سنن التدافع. ولقد أثبتت الأيام كذب وخداع كل العمليات والمفاوضات الوهمية لأجل سلام زائف غير عادل وغير دائم، بين معسكر كافر محتل لا يرضى بغير فلسطين خالية من المسلمين، وآخر مؤمن يرى أنه مؤتمن على مقدسات للمسلمين كافة، حتى وإن لم يتدافع ويتحرك المسلمون جميعاً أو متفرقين للحفاظ عليها وحمايتها، وبالتالي يرى المعسكر المؤمن أن واجبه المقدس هو الدفاع عنها بالروح والدم، فليس هناك ما هو أغلى منهما، وبهما تستقيم الأمور والحياة. وما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا، كما جاء عن الصديق رضي الله عنه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2427
| 26 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1920
| 24 مارس 2026
يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد، ليس لشيء سوى أن الحديث عن الأمراء والقادة عبر وسائل الإعلام يحتاج لوقفة، فليس كل ما يكتب عنهم هو من صميم القناعة والرضا، فقد تكون المجاملة وكسب الرضا والتقرب، وسائل تستخدم عبر القلم والسطور. ولكن أُشهد الله أنك يا سيدي، بمواقفك الصلبة ونفسك الأبية وشموخك العالي الهمة، منذ سخرك الله ومنحك شرف قيادة هذا البلد وإدارة أموره وأمور رعيته، تثبت في كل مرة أنك رجل المرحلة وقائد فذ شجاع وطني مخلص لبلادك وأهلك، بل تجاوزت ذلك لتشيد في كل مناسبة بأولئك الذين يعيشون بين أحضان هذا الوطن، فكأنك تبعث الطمأنينة في نفوسهم لأنهم جزء من نسيج هذا البلد. في الشدائد تعرف معادن الرجال، وفي الأزمات والصراعات تطل شخصية القائد والزعيم ويُعرف رجل الحكمة والصبر والذي يدرك كيف يدير الأمور بحكمة وبصيرة، دون العنتريات والخطب الرنانة. يشهد التاريخ لهذا البلد ومنذ سنوات عدة بأنه بلد الخير والعطاء والذي لم يبخل في تقديم يد العون والمساعدة وتقديم النصح والإرشاد وقت الشدائد، لذلك حافظت قطر ولسنوات عدة على علاقات مميزة مع كل دول العالم، وكانت عبر قادتها ووزرائها ومسؤولين فيها تطل على المشهد السياسي في كل المحافل العربية والعالمية من أجل أن تقول كلمتها وأمام الجميع وتبدي الرأي والنصح عند يتطلب ذلك. لقد أتاح لي سيدي سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، أن أرافقه في العديد من الرحلات لمختلف دول العالم، ومنها جمهورية إيران الإسلامية، وجلست ضمن الوفد القطري المرافق لسموه، واستمعت بأذني ماذا كان يقول المرشد السيد علي خامنئي، رحمه الله، من إشادة وثناء وتقدير لقطر ومواقفها من إيران وحرص سموه على فتح باب الحوار واحترام الجيرة بين البلدين، كما سمعت نفس الكلام من الرؤساء الذين كانوا في سدة الحكم في إيران بدءا من الرئيس رفسنجاني، رحمه الله، ثم الرئيس خاتمي وبعده الرئيس نجاد، بل كان الرئيس نجاد هو ضيف الشرف في قمة مجلس التعاون في الدوحة عام ٢٠٠٧م، ويذكر كل من تابع المؤتمر الصحفي والذي عقد خلال زيارة سمو الأمير الوالد لإيران في أبريل عام ٢٠٠٦، والمزاح الذي دار بين القائدين حول مشاركة منتخب إيران في نهائيات مونديال ٢٠٠٦ في ألمانيا، مما يعطي انطباعا عن أريحية العلاقة القطرية الإيرانية والاحترام المتبادل بينهما. كنت أظن أن هذه العلاقة المميزة ستكون كفيلة بتجنب تعرض قطر لأي اعتداء من قبل إيران، ولكن ما شاهدته وعشته طوال الأسابيع الماضية جعلني أتحسر على ما ظننت أنه لا يمكن أن يحدث، بل لا أبالغ عندما أقول بأن دول مجلس التعاون حرصت على أن تكون في معزل عن الصراع الدائر بين إيران وإسرائيل وأمريكا، وأبلغت الجانب الإيراني بذلك، ولكن ما حدث هو عكس ذلك وهو معروف لدى الجميع ولا داعي أن أسرد تفاصيله. إنني أعجب لمثل هذه المواقف والتي اتخذتها جمهورية إيران الإسلامية ضد جيرانها العرب، وهذه الصواريخ والمسيرات والتي تتجه لأهداف مدنية وبنية تحتية، دون سبب واضح، كل ما يتردد بأنه ضد القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وهذا مبرر غير واقعي وغير منطقي، فالقواعد كانت هنا منذ سنوات عدة، وأُبلغت إيران بأن دول المنطقة لن تسمح بأن هذه القواعد تستخدم في الاعتداء على أي دولة. وفي خضم هذه الأحداث والتي تعصف في المنطقة والعالم وتتمحور في هذا الصراع العسكري العنيف في منطقتنا، تطل قطر بقيادتها الحكيمة القوية والتي تعرف كيف تدير الأمور بما يتناسب مع مصلحة الوطن والمواطنين. تحية حب وتقدير وامتنان لمقام سموك الكريم، وأنت تقف بكل ثقة وعزة نفس وشجاعة مقرونة بحكمة وعزيمة لا تلين في مواجهة مثل هذه الظروف، وتحية لشعبك الأبيّ الكريم والذي يبادلك حباً وولاء.
1716
| 24 مارس 2026