رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سلوى حامد الملا

‏alsalwa2007@gmail.com

@salwaalmulla

مساحة إعلانية

مقالات

204

د. سلوى حامد الملا

احتضان الروح ومعنى التسامح

08 يناير 2026 , 01:09ص

• الخلافات وسوء الفهم.. جزء طبيعي من حياتنا، لكن طريقة إدارتها هي التي تحدد إن كانت ستنتهي بصلح يرفعنا أم بخصام يستهلكنا. وفي كل مرة يتقدم الغضب ويسيطر الشيطان وتمحو الذاكرة كل جميل ومعروف، تتراجع أجمل الذكريات، ويصبح التسامح هو القرار الأصعب… والأشرف.

• نحن لا نولد قساة ولا حاقدين وناكري المعروف. نولد بقلب يتعلم، وروح تتشكل، ومشاعر تتراكم طبقة فوق طبقة، نولد صفحة بيضاء نقية تتشكل حسب البيئة وحسب الظروف والتربية.. ومع مرور السنوات تتحول التجارب إلى ذاكرة لا تحفظ الأحداث فقط، بل تحفظ نبرتها ايضا.. كيف قيلت الكلمة ومتى قيلت، وكيف كان الوجه، وكيف انطفأت الثقة، وكيف اشتعلت. لذلك حين يحدث خلاف، لا يقتصر الأمر على موقف آنٍ؛ بل يستدعي انسانا كاملا في داخلنا، بكل ما مر به.

• الخلاف والخصام قد يبدأ من اختلاف رأي عابر، أو سوء فهم، أو ضغط يوم طويل وقد يكون حقدا متراكما. يحدث ذلك في كل مكان نتعامل مع أرواح وبشر وعقليات ونفسيات مختلفة.. يحدث في البيت بين أفراد الاسرة، وفي العمل بين زملاء يتقاسمون المسؤوليات، وفي الصداقات التي تظن أنها محصنة ضد الجفاء إلا انها تبدو صداقة ناكرة معروف وتنسى ذاكرة عمر ورحلة مواقف. 

• الغضب لا يكتفي برفع الصوت. الغضب يفتح الأرشيف والذاكرة ويخرج ما علق بالروح من سنوات. غضب يفتش في صناديق قديمة مغلقة، ويخرج منها ما كان ينبغي أن يبقى هناك، ثم يعرضه فجأة وكأنه حدث الآن. 

• نعود إلى إساءات بالتاريخ والساعة، وكأن الزمن توقف عندها. وفي المقابل، تتراجع المواقف الطيبة والجميلة إلى الخلف كلمات الدعم، ومشاهد الستر، وصدق العشرة، وبذل النية الحسنة… كأنها لم تكن وتغيب من قاموس العلاقة والذاكرة.

• وهنا تقع المفارقة المؤلمة والحزينة.. بعضنا يتنفس دخان غضبه حتى يصدقه. يتشبث بخطأ قديم لأنه يمنحه شعورا بالانتصار، ويهرب من التسامح لأنه يظنه هزيمة. بينما الحقيقة أن التسامح ليس تنازلا عن الكرامة، بل انتصار للروح على رغبة الانتقام وتراكم الأحقاد. هو قرار يطفئ النار في الداخل قبل أن تحرق ما تبقى من علاقة وطمأنينة.

• التسامح في معناه العميق لا يعني تبرير الإساءة، ولا تجاهل الألم، ولا منح الآخرين حق تكرار الخطأ. التسامح هو أن نختار السكينة دون أن نبيع احترامنا لذواتنا. هو نسيان إيجابي يضع الحدث في حجمه الحقيقي، ويمنعه من أن يتحول إلى سم يسري في تفاصيل الحياة. تسامح بقوة، لا بضعف؛ بعقل، لا بسذاجة.

• في العلاقات الإنسانية، هناك نوعان من الذاكرة.. ذاكرة تجرح وذاكرة تصلح. الأولى لا ترى إلا بذور الغضب فتسقيها حتى تكبر، وتستحضر كل شيء لتكسب المعركة. والثانية تتذكر ايضا… لكن لتمنع الخسارة الكبرى: خسارة البيت، وخسارة الاحترام، وخسارة السلام الداخلي. ولهذا، لا يملك التسامح إلا من يملك نفسه، ومن يعرف أن أعمارنا أقصر من أن تُهدر في خصام طويل.

• التسامح لا يعني دائما العودة. أحيانا يكون التسامح قرارا داخليا.. أن نسامح كي لا نحمل ثقلا، ثم نضع حدودا واضحة كي لا يتكرر الألم. وأحيانا يكون التسامح جسرا للصلح الحقيقي.. اعتذار صادق، ومصارحة هادئة، واحترام أرواح عرفت بعضها البعض سنوات.. المهم ألا تتحول حياتنا إلى محكمة نعيش فيها دور القاضي والخصم في آن واحد، ونظل نكرر القضية ذاتها كلما اختلفنا.

• في زمن يزداد فيه الصخب وتقل فيه المسافات بين الكلمات والقلوب، نحتاج إلى التسامح كقيمة عملية لا كشعار. نحتاجه في منازلنا كي لا نخسر الدفء. ونحتاجه في أعمالنا كي لا نخسر الاحترام. ونحتاجه في صداقاتنا كي لا نخسر الرفقة. والأهم.. نحتاجه داخل أنفسنا كي لا نخسر السلام ولا أرواحنا النقية.

• آخر جرة:

التسامح قلادة شرف لا يحملها إلا الكبار وأنقياء الأرواح وأهل الحكمة والبصيرة.. أولئك الذين يملكون وفاء وصدقا ونبلا وثقة، ويؤمنون بأن الإنسان لا يسمو بكثرة انتصاراته في الجدال، بل بقدرته على إطفاء النار دون أن يحرق قلبه.. الإنسان المتسامح يدرك معنى أن يحتضن الروح من تقلبات النفوس ومزاجها ومتى حافظ على سلامة روحه أدرك معنى أن يعيش الإنسان بسلام وراحة.. ومن اختار الرحيل ولم يقدر التواصل ومعروفا كان.. ليرحل والله معه. 

مساحة إعلانية