رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فاطمة بنت يوسف الغزال

  Falghazal33@gmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

405

فاطمة بنت يوسف الغزال

حين يكون المعلم قدوة قبل أن يكون شارحاً

08 يناير 2026 , 12:55ص

ليس التعليم صفوفًا مصطفّة ولا مناهج محكمة فقط، بل هو قبل ذلك علاقة إنسانية دقيقة، تُبنى فيها القيم كما تُبنى المعارف، فالمعلّم في جوهر دوره، ليس ناقل معلومات، بل صانع وعي، وحارس ضمير، ومرافق رحلة التكوين الأولى للإنسان. ومن قصة المعلّم الذي اختار الستر بدل الفضيحة، والاحتواء بدل العقاب، نستطيع أن نعيد قراءة معنى التربية الحقيقي، بعيدًا عن القوالب الجامدة.

 الموقف الصغير الذي كشف المعنى الكبير

في لحظة عابرة داخل فصل بسيط، ارتُكب خطأ عادي قد يتكرر في أي مدرسةـ كان من السهل على المعلّم أن يرفع صوته، أن يحدد الفاعل، أن يُحرج طفلًا أمام زملائه. لكنه اختار طريقًا آخر؛ طريقًا لا تلتقطه اللوائح ولا تُدرّسه المناهج، لكنه يُغيّر النفوس. لم يسأل: من المخطئ؟ بل تساءل في صمت: كيف أُصلح دون أن أجرح؟، ذلك القرار لم يكن ضعفًا، بل حكمة تربوية نادرة.

 المعلّم المربّي.. حين تسبق الأخلاق القوانين

المعلّم الواعي يدرك أن القانون التربوي بلا إنسانية يتحول إلى أداة قسوة، وأن الحزم حين ينفصل عن الرحمة يفقد قيمته، التربية الأخلاقية لا تُبنى على الخوف، بل على الإحساس الداخلي بالمسؤولية، وحين يُمنح الطفل فرصة ليُراجع نفسه دون إهانة، ينمو ضميره أقوى من أي عقوبة.

 الستر التربوي ليس تساهلًا

يخلط البعض بين الستر التربوي والتساهل، بينما الحقيقة أن الستر فعل شجاع، يحتاج إلى معلّم واثق من رسالته. فالتشهير قد يحقق انضباطًا لحظيًا، لكنه يزرع في الداخل خوفًا أو تمردًا. أما الستر الحكيم فيُنشئ إنسانًا يُحاسب نفسه بنفسه، وهذا هو جوهر التربية الأخلاقية.

 كيف تُصنع الأخلاق داخل الفصل؟

الأخلاق لا تُدرّس كدرس محفوظ، بل تُنقل بالمواقف اليومية، بنبرة صوت هادئة بدل الصراخ، أو بنظرة احترام بدل الاتهام، أو بفرصة تصحيح بدل وصمة دائمة، حين يرى الطالب معلّمه عادلًا دون قسوة، وحازمًا دون إهانة، يتعلّم معنى العدالة عمليًا، لا نظريًا.

 واقع التعليم اليوم… أين نقف؟

في ظل الضغوط الأكاديمية، وكثافة المناهج، وهوس الدرجات، تراجعت أحيانًا مساحة التربية لصالح التلقين. كثير من الفصول امتلأت بالمعلومات، لكنها افتقرت إلى القيم، وهنا تظهر الحاجة الملحّة للعودة إلى نموذج المعلّم المربّي، الذي يرى في الطالب إنسانًا يتكوّن، لا رقمًا في سجل.

 ما نريده من معلّم هذا العصر

لسنا نطلب معلّمًا مثاليًا، بل معلّمًا واعيًا بدوره الأخلاقي: يعرف أن كلمته قد تترك أثرًا لا يُمحى، ويدرك أن موقفًا واحدًا قد يُنقذ مستقبلًا، ويؤمن أن الانضباط وسيلة بناء لا أداة كسر، ويعلم تماما بأن التعليم رسالة تُحمل بالضمير قبل الوظيفة، وبالقدوة قبل الشرح.

 حين يتكلم الصمت بعد سنوات

المواقف التربوية الصادقة قد تمرّ بلا ضجيج، لكنها لا تضيع. قد ينساها الفصل، لكن لا ينساها القلب الذي تشكّل بها. وبعد عقود، حين يقف ذلك الطفل رجلًا ناضجًا، سيظل يتذكر معلّمًا لم يفضحه… بل علّمه كيف يكون إنسانًا، المعلم لا يصبح مربياً أخلاقياً بالأوامر، بل بالتمكين، والدعم، والاحترام، والانسجام المؤسسي.، والمؤسسة التي تريد معلماً مربياً، عليها أولاً أن تكون هي نفسها مؤسسة تربوية أخلاقية في رؤيتها وممارساتها.

 كسرة أخيرة

حين يختار المعلّم أن يُربّي بصمت، فإن صدى فعله يبقى عاليًا في الزمن. وحين تنتصر الإنسانية على السبورة، يصبح التعليم فعلًا أخلاقيًا خالدًا… لا يُمحى، ولو بعد عشرات السنوات.

مساحة إعلانية