رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس التعليم صفوفًا مصطفّة ولا مناهج محكمة فقط، بل هو قبل ذلك علاقة إنسانية دقيقة، تُبنى فيها القيم كما تُبنى المعارف، فالمعلّم في جوهر دوره، ليس ناقل معلومات، بل صانع وعي، وحارس ضمير، ومرافق رحلة التكوين الأولى للإنسان. ومن قصة المعلّم الذي اختار الستر بدل الفضيحة، والاحتواء بدل العقاب، نستطيع أن نعيد قراءة معنى التربية الحقيقي، بعيدًا عن القوالب الجامدة.
الموقف الصغير الذي كشف المعنى الكبير
في لحظة عابرة داخل فصل بسيط، ارتُكب خطأ عادي قد يتكرر في أي مدرسةـ كان من السهل على المعلّم أن يرفع صوته، أن يحدد الفاعل، أن يُحرج طفلًا أمام زملائه. لكنه اختار طريقًا آخر؛ طريقًا لا تلتقطه اللوائح ولا تُدرّسه المناهج، لكنه يُغيّر النفوس. لم يسأل: من المخطئ؟ بل تساءل في صمت: كيف أُصلح دون أن أجرح؟، ذلك القرار لم يكن ضعفًا، بل حكمة تربوية نادرة.
المعلّم المربّي.. حين تسبق الأخلاق القوانين
المعلّم الواعي يدرك أن القانون التربوي بلا إنسانية يتحول إلى أداة قسوة، وأن الحزم حين ينفصل عن الرحمة يفقد قيمته، التربية الأخلاقية لا تُبنى على الخوف، بل على الإحساس الداخلي بالمسؤولية، وحين يُمنح الطفل فرصة ليُراجع نفسه دون إهانة، ينمو ضميره أقوى من أي عقوبة.
الستر التربوي ليس تساهلًا
يخلط البعض بين الستر التربوي والتساهل، بينما الحقيقة أن الستر فعل شجاع، يحتاج إلى معلّم واثق من رسالته. فالتشهير قد يحقق انضباطًا لحظيًا، لكنه يزرع في الداخل خوفًا أو تمردًا. أما الستر الحكيم فيُنشئ إنسانًا يُحاسب نفسه بنفسه، وهذا هو جوهر التربية الأخلاقية.
كيف تُصنع الأخلاق داخل الفصل؟
الأخلاق لا تُدرّس كدرس محفوظ، بل تُنقل بالمواقف اليومية، بنبرة صوت هادئة بدل الصراخ، أو بنظرة احترام بدل الاتهام، أو بفرصة تصحيح بدل وصمة دائمة، حين يرى الطالب معلّمه عادلًا دون قسوة، وحازمًا دون إهانة، يتعلّم معنى العدالة عمليًا، لا نظريًا.
واقع التعليم اليوم… أين نقف؟
في ظل الضغوط الأكاديمية، وكثافة المناهج، وهوس الدرجات، تراجعت أحيانًا مساحة التربية لصالح التلقين. كثير من الفصول امتلأت بالمعلومات، لكنها افتقرت إلى القيم، وهنا تظهر الحاجة الملحّة للعودة إلى نموذج المعلّم المربّي، الذي يرى في الطالب إنسانًا يتكوّن، لا رقمًا في سجل.
ما نريده من معلّم هذا العصر
لسنا نطلب معلّمًا مثاليًا، بل معلّمًا واعيًا بدوره الأخلاقي: يعرف أن كلمته قد تترك أثرًا لا يُمحى، ويدرك أن موقفًا واحدًا قد يُنقذ مستقبلًا، ويؤمن أن الانضباط وسيلة بناء لا أداة كسر، ويعلم تماما بأن التعليم رسالة تُحمل بالضمير قبل الوظيفة، وبالقدوة قبل الشرح.
حين يتكلم الصمت بعد سنوات
المواقف التربوية الصادقة قد تمرّ بلا ضجيج، لكنها لا تضيع. قد ينساها الفصل، لكن لا ينساها القلب الذي تشكّل بها. وبعد عقود، حين يقف ذلك الطفل رجلًا ناضجًا، سيظل يتذكر معلّمًا لم يفضحه… بل علّمه كيف يكون إنسانًا، المعلم لا يصبح مربياً أخلاقياً بالأوامر، بل بالتمكين، والدعم، والاحترام، والانسجام المؤسسي.، والمؤسسة التي تريد معلماً مربياً، عليها أولاً أن تكون هي نفسها مؤسسة تربوية أخلاقية في رؤيتها وممارساتها.
كسرة أخيرة
حين يختار المعلّم أن يُربّي بصمت، فإن صدى فعله يبقى عاليًا في الزمن. وحين تنتصر الإنسانية على السبورة، يصبح التعليم فعلًا أخلاقيًا خالدًا… لا يُمحى، ولو بعد عشرات السنوات.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من نهائي كأس الأمم الإفريقية الذي جمع بين منتخب المغرب ومنتخب السنغال. مباراة كان من المفترض أن تعكس روح التنافس والاحتكام للقوانين، لكنها شهدت أحداثًا وأجواءً أثارت الاستغراب والجدل، ووضعت علامات استفهام حول سلوك بعض المسؤولين واللاعبين، وما إذا كانت المباراة حقًا تعكس الروح الرياضية التي يفترض أن تحكم مثل هذا الحدث القاري المهم. الموقف الأول يتعلق بتصرف مدرب منتخب السنغال، بابي ثياو، حين طلب من لاعبيه الانسحاب. هذا السلوك يثير علامات استفهام عديدة، ويُفهم على أنه تجاوز للحدود الأساسية للروح الرياضية وعدم احترام لقرارات الحكم مهما كانت صعبة أو مثيرة للجدل. فالمدرب، قبل أن يكون فنيًا، هو قائد مسؤول عن توجيه لاعبيه وامتصاص التوتر، وليس دفع الفريق نحو الفوضى. كان الأجدر به أن يترك الاعتراض للمسارات الرسمية، ويدرك أن قيمة الحدث أكبر من رد فعل لحظي قد يسيء لصورة الفريق والبطولة معًا. الموقف الثاني يتعلق بضربة الجزاء الضائعة من إبراهيم دياز. هذه اللحظة فتحت باب التساؤلات على مصراعيه. هل كان هناك تفاهم صامت بين المنتخبين لجعل ضربة الجزاء تتحول إلى مجرد إجراء شكلي لاستكمال المباراة؟ لماذا غابت فرحة لاعبي السنغال بعد التصدي؟ ولماذا نُفذت الركلة بطريقة غريبة من لاعب يُعد من أبرز نجوم البطولة وهدافها؟ برود اللحظة وردود الفعل غير المعتادة أربكا المتابعين، وترك أكثر من علامة استفهام دون إجابة واضحة، مما جعل هذه اللحظة محاطة بالشكوك. ومع ذلك، لا يمكن القول إن اللقب ذهب لمن لا يستحقه، فمنتخب السنغال بلغ النهائي بجدارة، وقدم مستويات جيدة طوال مشوار البطولة. لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن المغرب أثبت أنه الأجدر والأقرب للتتويج بما أظهره من أداء مقنع وروح جماعية وإصرار حتى اللحظات الأخيرة. هذا الجيل المغربي أثبت أنه قادر على تحقيق إنجازات تاريخية، ويستحق التقدير والثناء، حتى وسط لحظات الالتباس والجدل. ويحسب للمنتخب السنغالي، قبل النتيجة، الموقف الرجولي لقائده ساديو ماني، الذي أصر على عودة زملائه إلى أرض الملعب واستكمال المباراة. هذا القرار جسد معنى القائد الحقيقي الذي يعلو باللعبة فوق الانفعال، ويُعيد لكرة القدم وجهها النبيل، مؤكدًا أن الالتزام بالقيم الرياضية أحيانًا أهم من النتيجة نفسها. كلمة أخيرة: يا جماهير المغرب الوفية، دموعكم اليوم تعكس حبكم العميق لمنتخب بلادكم ووقوفكم معه حتى اللحظة الأخيرة يملؤنا فخرًا. لا تحزنوا، فالمستقبل يحمل النجاح الذي تستحقونه، وستظلون دائمًا مصدر الإلهام والأمل لمنتخبكم.
2982
| 20 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري أمام السنغال، جاءت ليلة نصف النهائي لتؤكد أن كرة القدم لا تعترف إلا بالعطاء والقتال على أرض الملعب. قدمت مصر أداءً مشرفًا وأظهرت روحًا قتالية عالية، بينما كتب المغرب فصولًا جديدة من مسيرته القارية، مؤكدًا تأهله إلى النهائي بعد مواجهة ماراثونية مع نيجيريا امتدت إلى الأشواط الإضافية وحسمت بركلات الترجيح. المباراة حملت طابعًا تكتيكيًا معقدًا، اتسم بسرعة الإيقاع والالتحامات القوية، حيث فرض الطرفان ضغطًا متواصلًا طوال 120 دقيقة. المنتخب المغربي تعامل مع هذا الإيقاع بذكاء، فحافظ على تماسكه وتحكم في فترات الضغط العالي دون ارتباك. لم يكن التفوق المغربي قائمًا على الاستحواذ وحده، بل على إدارة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في المباريات الكبرى. تجلّى هذا التوازن في الجمع بين التنظيم الدفاعي والقدرة على الهجوم المنظم. لم يغامر المغرب دون حساب، ولم يتراجع بما يفقده زمام المبادرة. أغلق اللاعبون المساحات وحدّوا من خطورة نيجيريا، وفي المقابل استثمروا فترات امتلاك الكرة لبناء الهجمات بهدوء وصناعة الفرص، ما منحهم أفضلية ذهنية امتدت حتى ركلات الجزاء. في لحظة الحسم، تألق ياسين بونو، الذي تصدى لركلتي جزاء حاسمتين بتركيز وثقة، وهو ما منح المغرب بطاقة العبور إلى النهائي وأثبت حضوره في اللحظات المصيرية. على الصعيد الفني، يواصل وليد الركراكي تقديم نموذج المدرب القارئ للمباريات بإدارة متقنة، ما يعكس مشروعًا قائمًا على الانضباط والواقعية الإيجابية. هذا الأسلوب أسهم في تناغم الفريق، حيث أضاف إبراهيم دياز لمسات فنية ومهارات فردية ساعدت على تنويع الهجمات وصناعة الفرص، بينما برز أشرف حكيمي كقائد ميداني يجمع بين الصلابة والانضباط، مانحًا الفريق القدرة على مواجهة أصعب اللحظات بثقة وهدوء، وخلق الانسجام التكتيكي الذي ساعد المغرب على التقدم نحو ركلات الجزاء بأفضلية ذهنية واضحة. ولا يمكن فصل هذا الإنجاز عن الجمهور المغربي، الذي شكّل سندًا نفسيًا هائلًا، محولًا المدرجات إلى مصدر طاقة ودافع مستمر. كلمة أخيرة: الآن يستعد المغرب لمواجهة السنغال في النهائي، اختبار أخير لنضج هذا المنتخب وقدرته على تحويل الأداء المتزن والطموح المشروع إلى تتويج يليق بطموحات أمة كروية كاملة.
1455
| 16 يناير 2026
في رحلتي من مطار حمد الدولي إلى منزلي، دار بيني وبين سائق الليموزين – وهو عامل من الجنسية الهندية – حوار بسيط في شكله، عميق في مضمونه. بدأته بدافع الفضول: سألته متى قدم إلى قطر؟ فقال: منذ عام 2018 وحتى اليوم. ثم استرسل في الحديث بعفوية وصدق، حتى وجدت أن مجمل ما قاله يمكن اختصاره في ثلاث نقاط أساسية، لكنها كفيلة بأن تقول الكثير عن هذا الوطن. أولًا: أهل قطر… السمعة قبل الكلام تحدث الرجل عن أهل قطر بإعجاب واضح، قائلاً إنهم ناس محترمون، متحضرون، لا تصدر منهم إساءة، ويحترمون الكبير والصغير والغريب قبل القريب. وأضاف عبارة لافتة: أحيانًا يفتعل بعض الناس مشاكل ويقولون إنهم من أهل قطر، لكننا نعرف أن هؤلاء ليسوا قطريين… لأن القطري معروف ولا يقول عن نفسه أنا قطري !، ثم ان أهل قطر معروفون بأخلاقهم. وأكد أنه لا يتحدث عن نفسه فقط، بل عن انطباعٍ عام لدى كثير من العمالة الآسيوية. اعتراف صادق فجّر في صدري شعورًا بالفخر، لأن السمعة الطيبة لا تُصنع بالإعلام، بل بالسلوك اليومي. ثانيًا: الأمن والأمان… سبب البقاء انتقل للحديث عن قطر كدولة، فوصفها بأنها منظمة، نظيفة، هادئة، وآمنة. وقال إنه تلقى عروض عمل في دول عربية وأجنبية، قريبة وبعيدة، لكنه فضّل البقاء في قطر، لا لشيء إلا لأنه يشعر بالأمان والطمأنينة. المدينة – كما قال – هادئة، والقيادة فيها ممتعة، والمسؤولون محترمون. وهنا لا تتحدث لغة الأرقام، بل يتكلم الإحساس. ثالثًا: الشرطة… القانون يحمي الجميع أما النقطة الأهم – في رأيه – فكانت حديثه عن تعامل رجال الشرطة. قال إن الشرطة في قطر تحترم الجميع، مهما كانت الوظيفة أو الجنسية، وإنها حريفة في أخذ الحقوق. وأضاف: إذا حدثت أي مشكلة، أنصح أي شخص بالذهاب إلى مركز الشرطة… الشرطة في قطر تستمع بهدوء واحترام، وتأخذ الحق وفق القانون، سواء كان الخصم مواطنًا أو غير مواطن. كلام يحسب لوزارة الداخلية، ويؤكد أن العدالة حين تُمارس بعدل، تصبح مصدر أمان لا خوف. خلاصة الحوار هذه النقاط الثلاث – كما قال السائق – هي ما جعله يحب العيش في قطر، ويشعر بالأمان، ويستمتع بالحياة فيها. أما بالنسبة لي، فقد كان هذا الحديث البسيط ردًا عمليًا، هادئًا، صادقًا، على كثير من التقارير والادعاءات التي تتحدث باسم حقوق الإنسان، بينما الحقيقة ينطق بها من عاش التجربة. تحية لقطر شعبًا، وتحية لوزارة الداخلية، وتحية لكل سلوكٍ يومي يصنع صورة وطن… دون ضجيج.
774
| 15 يناير 2026