رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لست بصدد الكتابة، عن فيلم «حياة الماعز»، الذي استحوذ على مساحة واسعة، من الهرج والمرج، لأنه يحمل في ظاهره دفاعاً مزيفاً عن «حقوق الإنسان»، استناداً إلى حالة فردية فوضوية شيطانية إجرامية استبدادية استعلائية لا تخلو معظم المجتمعات، التي تدعي أنها «ديمقراطية» من أشكالها وإشكالياتها.
ولن أخوض مع الخائضين في سلوك هذه الشخصية المريضة، بداء العداء للآخرين التي تدور أفعالها غير القانونية في حلقة مفزعة من العنف والقسوة والسادية وإثارة الكراهية ضد الإنسان الآخر، والاستخفاف بحياته وحقوقه وحريته وكرامته.
ولكن مع حلول الذكرى السنوية الأولى للحرب الوحشية، التي تشنها الحكومة اليمينية الصهيونية على الشعب الفلسطيني، أكتب عن «الحالة الماعزية»، التي تحاول إسرائيل أن تفرضها على الفلسطينيين، وتمارس خلالها كل أنواع الجرائم ضد الإنسانية.
أكتب عن حرب الإبادة الجماعية والاعتداءات الهمجية والانتهاكات الحقوقية والممارسات العنصرية والسياسات القمعية، التي تطبقها إسرائيل على الفلسطينيين في قطاع غزة، والمداهمات العسكرية التي تستهدف الإنسان الفلسطيني في مخيمات وبلدات الضفة الغربية المحتلة.
أكتب عن معنى أن تكون إنساناً فلسطينياً تعيش محاصراً ومستهدفاً في وطن محتل، في إطار وضع مختل، تحاول إسرائيل أن تفرض عليك «حياة الماعز»، لتعيش على هامش الدنيا بلا حقوق وبلا سيادة وبلا حرية وبلا دولة وبلا استقلال، وسط «ظروف ماعزية» صعبة، ينظر لك الغرب في إطارها أنك «إرهابي»، لمجرد أنك تقاوم الاحتلال وتسعى لتغيير الاختلال وتمارس حقك المشروع في النضال.
أكتب عن العدوان الوحشي الهمجي البربري الصهيوني على أهلنا في غزة، الذي دخل عامه الثاني، وما زالت إسرائيل ترتكب خلالها جرائم إبادة جماعية ضد الفلسطينيين، وتستخدم في سبيل ذلك كل أذرعها العسكرية وكل وسائلها الإجرامية وكل أدواتها الشيطانية، والاستيطانية والدموية والاستخباراتية والتهويدية والتهديدية بشكل يتنافى مع القيم الإنسانية والمواثيق الدولية والقواعد الحقوقية والمبادئ القانونية.
أكتب عن الغارات الصهيونية المتواصلة والاعتداءات الإسرائيلية المتصلة على مختلف المناطق والبلدات والقرى و«الضيعات» اللبنانية، وتأثيرها الكارثي على الشعب اللبناني، دون احترام سيادة «بلد الأرز»، ودون التزام إسرائيل بسلامة شعبه وشعابه وتشعباته الشعبية.
أكتب عن «الهدهد»، الذي قامت إسرائيل باصطياده، بعد اختراق الدائرة المغلقة المحيطة به، عبر العملاء الذين يعملون لصالح «الموساد»، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى إسناد، لأنها مسنودة بالوقائع التي يعرفها الأشهاد، وخصوصاً أن الاختراقات الاستخباراتية الإسرائيلية، أصبحت وتيرتها في لبنان أكثر وأكبر وأخطر من المعتاد.
أكتب عن مأساة اللبنانيين الذين يتألمون من بشاعة العمليات العدوانية الصهيونية المسعورة، وكارثة الفلسطينيين الذين يحترقون بنيران الحرب المستعرة.
أكتب عن المنطقة التي تتأرجح في هذه اللحظة الحرجة على حد السكين، حيث لا تهدأ فيها الأوضاع ولا تستكين.
أكتب عن العدوان الوحشي الصهيوني الذي ينتقل من ساحة عربية إلى أخرى، ومن مدينة فلسطينية إلى بلدة لبنانية، محاولاً توسيع دائرة الحرب وإشعال الحرائق في المنطقة والتعامل مع حواضرها وكأنها «حظائر»، لا تختلف حياة الساكنين فيها المسكونين بحبها، عن «حياة الماعز».
أكتب عن أحداث «المقصب الآلي» الإسرائيلي الذي يستهدف الإنسان الفلسطيني واللبناني، بدعم وتشجيع وإسناد وتغطية وتدمير وتدبير وتمرير وتبرير من «الكفيل الأمريكي».
وبالنسبة لذلك «الوكيل»، المتخصص في صناعة «الويلات»، لشعوب المنطقة، وأقصد تحديداً الولايات المتحدة، فإن كل ما تفعله إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني مباح، في إطار ما تسميه واشنطن «الدفاع عن النفس».
وكل عدوان لها متاح، ويحظى بالقبول والسماح والتعبير الدبلوماسي بالارتياح، سواء كان الهدف مقاتلا مقاوما أو المستهدف مواطنا مسالما.
وهكذا، فإن كل جرائم إسرائيل البشعة، ضد المدنيين الفلسطينيين، والأبرياء اللبنانيين، تدخل في إطار «الدفاع عن النفس» وفقاً للمنطوق الأمريكي الغربي الرسمي الذي يفتقد إلى المنطق.
ويبقى «الزلمة» الفلسطيني هو الإنسان الوحيد في الدنيا الذي ليس له الحق في الدفاع عن نفسه وعن حريته وكرامته، وفقاً لوجهة النظر الغربية الغريبة المنحازة لإسرائيل.
مع إنكار حق الفلسطينيين في الدفاع عن أنفسهم وعن أرضهم المحتلة وعن حقوقهم المغتصبة وعن حريتهم المسلوبة وعن سيادتهم المنزوعة وعن كرامتهم المنتهكة وعن قطاعهم المستهدف وعن مخيماتهم المضروبة وبلداتهم المدمرة و«بياراتهم» المخربة وعن طموحاتهم المرفوضة بإقامة دولتهم المستقلة، وعاصمتها القدس.
ومع استمرار الحرب الإسرائيلية الوحشية، يبحث الأهالي في قطاع غزة عن أي طعام يسدون به رمقهم، فلا يجدون شيئاً يأكلونه، سوى الشعير المخصص لعلف الحيوانات، والعشب الذي لا تأكله سوى المواشي.
هناك في غزة، تتواصل أزمة الجوع الكارثي، وتتضاعف موجات الوجع النفسي والألم الجسدي بين الأهالي الذين يضطرون إلى تناول طعام لا يصلح للاستخدام الآدمي.
هناك يعيش أهل غزة وأصحابها وسكانها المسكونون بحبها، بين أنياب الفقر ومخالب القهر ويواجهون نقصاً كارثياً في الغذاء والدواء ورشفة الماء، فلا يجدون، وكأنهم في بيداء تبيد ساكنها، لا مسار فيها إلا نحو الموت ولا طريق فيها إلا نحو الهلاك، ولا اتجاه فيها إلا نحو السراب.
وفي سياق ذلك «السراب السياسي»، تتعامل إسرائيل مع مبدأ «حل الدولتين»، الذي يحظى بإجماع دولي، وكأنه نوع من الوهم البصري، الذي لا وجود له وراء الأفق الفلسطيني.
ولهذا نجد حكومة التطرف الصهيوني تتحسس منه ولا تتحمس له، وتحاول من خلال انتهاكاتها وجرائمها واعتداءاتها وأفعالها العدوانية، إظهار أنها غير معنية به وأنها غير مكترثة بتطبيقه.
وما من شك في أن رئيس حكومة التطرف الصهيوني، عندما يواصل عدوانه على قطاع غزة، ولا يلتزم بتنفيذ قرارات القانون الدولي.
وعندما ينتهك بغاراته الوحشية المتواصلة على الشعبين الفلسطيني واللبناني، مواد القانون الدولي.
وعندما لا يعترف بقواعد الحرب، التي ينص عليها القانوني الإنساني الدولي، وفي مقدمتها عدم استهداف المدنيين، وعدم الإضرار بالآمنين، وعدم محاصرتهم وتجويعهم، وتقييد فرصهم في الحصول على المواد الحياتية والمواد الغذائية والإعاشية والدوائية الأساسية، فهذا يعني أن نتنياهو يتصرف، وكأن الأمم المتحدة مجرد «حظيرة».
وها هو يتعامل مع «مجلس الأمن» وكأنه «حضيرة».
والشرعية الدولية، يعتبرها مجرد «حصيرة»، يستطيع أن يدوس عليها، وعلى قراراتها، ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، وآخرها، قرار «الجمعية العامة»، الذي يطالب إسرائيل بإنهاء وجودها غير القانوني في الأراضي المحتلة، الصادر بموافقة 124 دولة، يمثلون أكثر من ثلثي الدول الأعضاء، في المنظمة الأممية.
ولا أنسى القرار الأممي رقم «2735»، الذي يطالب بالوقف الفوري التام والكامل لإطلاق النار في قطاع غزة،
مع إطلاق سراح الأسرى وعودة المدنيين إلى ديارهم، فضلاً عن التوزيع الآمن والفعال للمساعدات الإنسانية على نطاق واسع، في جميع أنحاء القطاع، وفقاً للصفقة المقترحة، التي أعلنها الرئيس بايدن في (31 مايو) الماضي.
ورغم المقترحات الإيجابية في «الصفقة»، ما زالت إسرائيل تواصل «الصفاقة»، وها هو العدوان الصهيوني ينتقل من جبهة إلى أخرى، ومن جهة إلى غيرها، ليبقى القطاع مشتعلاً والحريق متأججاً والوضع ملتهباً والظلم مستعراً والضيم مسعوراً ضد الفلسطينيين.
وفي سياق هذه الأوضاع العدوانية والأحوال العنصرية المدانة قانونياً وحقوقياً وإنسانياً تتعامل حكومة الاحتلال، مع الفلسطينيين، بمنتهى الاختلال، ليس بصفتهم كائنات إنسانية لهم حقوق وطنية أصلية واجبة النفاذ واستحقاقات قانونية متأصلة واجبة التنفيذ، ولكنها تتعامل معهم وكأنهم «حيوانات بشرية»، وتسعى أن تفرض عليهم «الحالة الماعزية» بالقوة العسكرية.
ولا يحتاج هذا الأمر الثابت إلى إثبات، لأنه مثبوت في تصريحات علنية عنصرية، أطلقها وزير العدوان الصهيوني «غالانت»، وكررها أكثر من مرة قائلاً:
«لقد أمرت بفرض حصار كامل على غزة، لن يكون هناك كهرباء ولا ماء ولا طعام، نحن نقاتل الحيوانات البشرية، ونتصرف وفقاً لذلك»!
ووسط هذا «الواقع الماعزي» الماثل، والظرف السياسي المائل، في قطاع غزة، تبقى جهود وقف الحرب التي دخلت عامها الثاني بلا طائل.
ويبقى الفلسطيني يعاني في قطاعه المحتل من دمار هائل وإجرام غائر، وتجويع قاتل.
ويبقى مصير «المحتجزين» في كلا الطرفين معلقاً عند مواقف أشد المتطرفين، وهم عتاة المجرمين في حكومة الائتلاف الصهيوني، وأقصد أحمقهم الأحمق «بن غفير»، والأخرق «سموتيرتش».
وثالثهم الأخفق «نتنياهو»، الذي يسعى بشتى الوسائل الخبيثة، والمخططات الخسيسة، لإعادة احتلال قطاع غزة وابتلاع الضفة الغربية المحتلة وفرض «الحياة الماعزية» على المنطقة، بقيادة «الراعي» الإسرائيلي ودعم «الكفيل» الأمريكي.
وكل هذا، يدخل في صميم مخططات نتنياهو الشيطانية، الساعي لتغيير العقيدة السياسية للمواطن العربي، المرتكزة على مبدأ «أن فلسطين هي قضيتنا المركزية وأن تحريرها واجب قومي».
لكن تغيير هذا الأمر الأخطر يشكل هدفاً استراتيجياً صهيونياً، في سياق المخطط الأكبر، لتغيير الواقع الحالي في الشرق الأوسط، وإعادة تشكيل المنطقة، ليصبح الإنسان العربي «مطبعاً» ومطيعاً ومطواعاً، وتابعاً للسياسات الصهيونية، على حساب تصفية القضية الفلسطينية وتفكيك ثوابتها ومواصلة انتهاك حقوق الإنسان الفلسطيني المهمش سياسياً والمهشم حقوقياً وإجباره على أن يعيش في وطنه المحتل «حياة الماعز».
بالإضافة إلى إخضاع العالم العربي، ليصبح تحت الهيمنة الإسرائيلية.
ومن يدري، ربما بعد نهاية هذه الحرب الوحشية، تطالب إسرائيل، بالانضمام إلى جامعة الدول العربية.
ونقل مقر «الجامعة» إلى تل أبيب.
وتعيين المتطرف «بن غفير»، أو المتعجرف «سموتيرتش»، أميناً عاماً للجماعة.. عفوا أقصد «الجامعة».
أوبة الروح ومقام الاتساق
ثمة لحظات في مسيرة الوعي يعود فيها المرء إلى كينونة نفسه عودة المسافر الآيب من مسالك نائية غابت... اقرأ المزيد
126
| 26 مايو 2026
قصيدة الحج والحجيج
دَعا الخَلِيلُ مُؤَذِناً مِن بَعدِ أن كَمَلَ البِناء هيا تعالُوا كبِّروا ولتَغنَموا كَرَمَ العَطاء فاللهُ أكبرُ إذ فَدى... اقرأ المزيد
102
| 26 مايو 2026
مبادرة الأضاحي.. ومعاناة المضحين
تبذل حكومة بلادنا الرشيدة جهودا مقدرة ومشكورة، تثبت من خلالها اهتمامها وحرصها على تقديم أفضل وأجود الخدمات للمواطنين... اقرأ المزيد
225
| 26 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
1581
| 23 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1323
| 19 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1116
| 21 مايو 2026