رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عبارات قالها صاحب السمو أمير البلاد المفدى أثلجت صدور كل مسلم غيور على دينه وحضارته وثقافته، وذلك في المؤتمر الصحفي المشترك مع المستشار الألماني في شهر مايو الماضي عند زيارته لجمهورية ألمانيا الاتحادية، حينما كان يرد سموه على سؤال احد الصحفيين في كيفية استقبال قطر للجماهير في مونديال قطر 2022، حيث قال "الجميع مرحب به في الدوحة ولن نمنع أحدا من الحضور إلى بلادنا فقطر بلد مضياف وهناك ملايين من الناس يأتون لزيارة بلادنا كل عام وكأس العالم هي فرصة عظيمة للكثيرين للمجيء إلى قطر واكتشاف الثقافة القطرية ولن نمنع أحدا من القدوم والاستمتاع بمشاهدة كرة القدم لكنني أريد أيضا أن يأتي الجميع ويستمتعوا بثقافتنا باعتبارها ثقافة مختلفة رغم أننا كلنا نعيش في عالم واحد ولكننا أيضا نتوقع ونريد احترام ثقافتنا" ومثلت هذه العبارات قاعدة متينة عمل عليها الجميع بقطر على مختلف مستويات التنظيم في كيفية استقبال ضيوف المونديال من مختلف الثقافات والشعوب والحضارات المتنوعة والعمل على منحهم الفرص الكاملة للترفيه والاستمتاع بأوقاتهم.
تعاليمنا الإسلامية خط أحمر
لما كان التفاعل مع الثقافات الأخرى وخاصة تلك البعيدة عنا كل البُعد أمر صعب ومعقد وقد يؤدي الى خلق الكثير من الخلافات والنزاعات التي نحن في غنى عنها، بادرت دولة قطر بوضع أسس وقوانين واضحة لاحترام الآخرين سواء المقيمين او الضيوف للبلاد يجب مراعاتها خاصة ان عاداتنا المحلية النابعة عن ديننا الحنيف والتي لا زال الشعب القطري من الشعوب المتمسكة بها وتمارسها بشكل يومي ولا يمكن لأي مناسبة كانت عابرة أو متكررة ان تؤثر في تغيير منهج حياتنا لأنها أصيلة ونابعة من عقيدتنا التي تربينا عليها وتناقلتها الأجيال منذ مئات السنين وغرزها فينا أجدادنا وأمهاتنا، لذلك كانت تصريحات سمو الأمير والمسؤولين في جميع المحافل تتماشى مع ما ورثناه وترعرعنا عليه، كما نحن المسلمين نحترم قوانين تلك الدول وعاداتها وتقاليدها يجب ان يبادلونا نفس الاحترام والتقدير ولا نطلب منهم أي زيادة على ذلك أو تكليفات إضافية، وكانت نتائج هذه الخطوط الحمراء التي وضعتها اللجنة المنظمة للبطولة في جميع مراحل ومحافل الفعاليات للمونديال مذهلة للجميع حيث التزم جميع الضيوف بهذه القوانين والمحظورات ولم يعتبرها أحد انتقاصا في حقوقه المكفولة له حسب القانون او تقييدا لحريته الشخصية لأن كل هذه العادات المحظورة يعتبرها الكثيرون منهم ضارة بالصحة والتعايش والتعامل مع الآخرين لذلك شرع لنا ديننا الحنيف بعدم تداولها وممارستها، ولم لا وهي صادرة من الذي لا ينطق عن الهوى المرسل من الله هداية ورحمة للعالمين سيد الخلق أجمعين محمد صلى الله عليه وسلم.
المونديال فرصة لعكس سماحة ديننا الحنيف
عندما نسمع الحديث عن الثقافات، فإنّ أول ما يتبادر إلى أذهاننا هو العرق أو السلالة التي ينتمي إليها الفرد، غير أنّ الثقافة في واقع الأمر تمتدّ لأبعد من ذلك بكثير، جميعنا جزء من مجموعات ثقافية مختلفة، ومن المهمّ أن نعي بأن هوّيتنا الثقافية تتطور وتتغّير بتغير الظروف من حولنا أو بتغير القيم والمعتقدات التي نتعرض لها، لذلك نبعت ثقافتنا من معتقد ديني أصيل وهو الدين الإسلامي، ويجب الا يتردد أي مسلم في إظهار ثقافته للآخرين ليتعرفوا عليها لأنهم جاءوا الينا وهم يتشوقون لمعرفة كيف نعيش مع أنفسنا ونتعايش مع الآخرين وماهي الثقافات والمعتقدات التي تربطنا مع بعض في بلادنا، لذلك كان من أولويات اللجنة المنظمة هي اظهار هذه الثقافات والعادات ونجحنا بشكل كبير في إظهار الكثير منها سواء من خلال الفعاليات المصاحبة للمونديال أو بإطلاق بعض المبادرات الفعالة من بعض الشباب والشابات القطريين في عرض هذه الثقافة بأشكال متنوعة وبصورة صحيحة مما أذهل وأدهش الكثيرين وتبين ذلك من اللقاءات التي أعدتها وسائل الاعلام المختلفة مع المشجعين والكثير منهم ذكر بانه كان يضع صورة مختلفة عن الشعوب العربية والإسلامية وكيف تعيش وعكست وسائل الاعلام عندهم كثير من الآثار السلبية عن دولة قطر وكيفية تعاملها مع الأجانب ولكنهم تعجبوا من المعاملة الراقبة التي قوبلوا بها في مختلف المواقع والترحيب الحار ومارسوا حياتهم الطبيعية بحرية شخصية من غير أي مضايقات او قيود.
التحضير الجيد للبطولة من أهم أسباب نجاحنا
كان للتحضيرات المسبقة الجيدة منذ سنوات السبب الأساسي في نجاحنا بإقامة بطولة استثنائية أشاد بها الجميع سواء الحضور او المتابعين عبر الشاشات، وكان للبرامج والفعاليات التلفزيونية والميدانية الأثر الكبير في استمتاع الجميع بأيام وذكرى لن ينسوها لسنوات طويلة قادمة، وقد حرصت قيادتنا الحكيمة في إقامة الكثير من المنتديات والندوات والورشات التدريبية للقائمين والمنظمين وتأهيل الشباب القطري حتى وصل الى مرحلة القدرة على القيام بهذه المهمة على أكمل وجه وكانوا فخرا لنا جميعاً، وفي كيفية تشغيل الإمكانيات اللوجستية التي تم تحضيرها خصيصا للمونديال مما أظهر الوجه الحضاري والتطور العلمي في التعامل مع الجماهير والضيوف والمنتخبات مما كان له الأثر الكبير في عكس رقي وحضارة ديننا الحنيف الذي تمسكنا به ونحن نستقبل شعوبا وثقافات مختلفة تمارس بعض العادات التي نهت عنها شريعتنا السمحة، وهذا ما سوف ينقله ضيوف المونديال الى بلادهم حين يرجعون اليها مما يجعل مونديال قطر مرآة حقيقية لعكس حضارتنا الإسلامية لبقية الشعوب والديانات والحضارات.
كسرة أخيرة
هناك واجبات علينا كشعب قطري يستضيف البطولة يجب القيام بها رغم عدم تقصير البعض في ذلك ولكن نريد المزيد منها وتقديمها بصورة جيدة ومنتقاة لكي تعكس جمال وسماحة حضارتنا وثقافاتنا وعاداتنا، منها انتهاز فرصة هذه البطولة لتعزيز التبادل الثقافي والحضاري بين الشعوب، كاستقبال المشجعين في مجالسنا والتعريف بعاداتنا وتقاليدنا، ونشر فيديوهات المشجعين عبر منصات التواصل الذي يحاولون ان يمارسوا بعض عاداتنا المحلية لعكسها للشعوب الأخرى، تقديم المعاملة الحسنة والخاصة للأسر في مناطق الدوحة، خاصة ان الكثير من المشجعين في البطولة أكدوا ان الشعب القطري قدم نموذجا مثاليا للتعايش والتقارب والتعرف على جوانب مختلفة من ثقافات مختلف الشعوب وأكدوا كذلك بان المونديال نقل الصورة الصحيحة عن العرب والمسلمين لكافة دول العالم سواء على مستوى الأخلاق وحسن الاستقبال او جانب كرم الضيافة واحترام السيدات والتعامل الخاص مع الأسر وكبار السن والعجزة، ونفخر جميعنا بأن بلادنا قدمت إجراءات وفعاليات وتنظيما يعتبر فخراً ليس للقطريين فقط وانما فخرا لكل العرب والمسلمين، وما حققناه حتى الآن من تفاعل جماهيري واسع وحضور فعّال يؤكد التخطيط المسبق لأدق التفاصيل سواء من جانب الإقامة والضيافة والترفيه او جانب تخصيص مناطق للمشجعين في مختلف أنحاء البلاد والأماكن السياحية.
قصيدة رثاء
ماذا يخطُ يراعي اليومَ من كمدٍ إنّ المُصابَ جليلٌ أثقلَ الكَمِدا كيف السبيلُ لنظمٍ يرتقي سببًاكيف السبيلُ لنظمٍ... اقرأ المزيد
237
| 15 يوليو 2026
وصايا لا تشيخ...
«الإنسان هو الثروة الحقيقية لهذا الوطن». — من كلمات الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه... اقرأ المزيد
207
| 15 يوليو 2026
الغروب الذي أبقى الضوء.. رحل مؤسس نهج الوساطة وبقي أثر سموه رحمه الله
في سيرة القادة، يسهل إحصاء ما شيدوه، ويصعب تقدير ما غيروه في موقع الدولة ومعناها. ومن هنا يبدو... اقرأ المزيد
198
| 15 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في رحيل الرجال العظام لا تُطوى صفحة من تاريخ البشرية، بل يُفتح فصلٌ جديد في ذاكرة الأمم. وحين يترجل قائد بحجم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه، فإن الحديث لا يكون عن سيرة رجلٍ فحسب، بل عن قصة وطن أعاد تعريف نفسه بطريقة مختلفة، وعن إرثٍ تجاوز جميع الحدود والجغرافيا ليترك أثره في الإنسان أينما كان. رحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وبقيت بصماته شاهدة على مرحلةٍ صنعت الفارق في تاريخ قطر الحديث والمنطقة والعالم. لقد كان رحمه الله من أولئك القادة الذين لا يكتفون بإدارة الحاضر، بل يغامرون بصناعة المستقبل. وحين تسلم زمام المسؤولية والقيادة عام 1995، كانت قطر دولة واعدة، لكنه رأى فيها ما هو أبعد من ذلك بكثير، رأى وطناً قادراً على أن يكون رقماً مهماً وصعباً في الاقتصاد والسياسة والإعلام والتعليم والتنمية الإنسانية ونصرة المظلوم وصوتاً للحرية. ومن الإنصاف للتاريخ أن يُقال إن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله لم يبنِ مشاريع إسمنت وحديد فقط، بل بنى ما هو أهم، بنى الفكرة. فكرة أن الدولة الصغيرة في مساحتها يمكن أن تكون كبيرة في تأثيرها، وأن الثروة الحقيقية ليست في الغاز والنفط وحدهما، بل في الإنسان والعلم والمعرفة والاستثمار في العنصر البشري. ولذلك شهدت قطر في عهده نهضة تعليمية غير مسبوقة وتحولت إلى مركز عالمي للجامعات والبحوث والابتكار، فصارت المعرفة جزءاً من مشروعها الوطني لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات. ولم يقتصر اهتمامه بالتعليم على أبناء وطنه فحسب، بل امتد أثره إلى آلاف المدارس والمبادرات التعليمية حول العالم. فقد آمن بأن التعليم هو الطريق الأقصر لمكافحة الفقر والجهل وفتح آفاق المستقبل أمام الشعوب، فدعمت قطر في عهده برامج ومشروعات تعليمية وصلت إلى ملايين الأطفال والشباب في مناطق عديدة من العالم، ومنحت فرصة التعلم لمن حُرموا منها بسبب الحروب أو الفقر أو النزوح. وهكذا تحولت رسالة التعليم من مشروع وطني إلى رسالة إنسانية عابرة للحدود، كان أثرها ممتداً في حياة أجيال كاملة ستبقى شاهدة على هذا العطاء. وفي الجانب الإنساني لم يكن حضوره مقتصراً على حدود وطنه. فقد امتدت يد قطر إلى مناطق الأزمات والكوارث، حاملةً الغذاء والدواء والتعليم والأمل. وساهمت في دعم الشعوب المنكوبة ورعاية اللاجئين، وتمويل المبادرات التنموية حول العالم، حتى أصبحت المساعدات الإنسانية القطرية عنواناً معروفاً في كثير من بقاع الأرض. لقد آمن رحمه الله بأن قيمة الدول تُقاس أيضاً بما تمنحه للإنسانية من خير ورحمة. أما في الإعلام فقد ارتبط اسمه بتحولٍ تاريخي غيّر المشهد الإعلامي العربي بشكل خاص والعالمي بشكل عام، حين انطلقت تجربة إعلامية جعلت من حرية الرأي والنقاش مساحةً أوسع مما عرفته المنطقة من قبل، فكان لذلك أثره العميق في تشكيل الوعي العام وإيصال الصوت الذي كان لا يجد طريقاً للوصول. واقتصادياً قاد مشروعاً استراتيجياً جعل قطر من أبرز القوى الاقتصادية العالمية في مجال الغاز الطبيعي المسال، وفتح أبواب الاستثمار الدولي على مصراعيها، حتى أصبحت الدوحة اسماً حاضراً في كبريات الأسواق والمؤسسات المالية العالمية. ولم يكن ذلك مجرد نجاح اقتصادي، بل كان بناءً طويل الأمد لأجيالٍ قادمة. وفي ميدان السياسة والدبلوماسية والوساطات رسخ نهجاً جعل من الحوار والوساطة وسيلةً لحل النزاعات وتقريب وجهات النظر. فغدت قطر لاعباً مؤثراً في ملفات إقليمية ودولية معقدة، واستحقت مكانةً تفوق الجميع وتفوق حجم الدول جغرافياً. ومن المواقف التي ستبقى علامة فارقة في مسيرته السياسية قراره التاريخي بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، في خطوة جسدت إيماناً راسخاً بتجدد القيادة واستمرارية الدولة، وقدمت نموذجاً حضارياً نادراً للتداول السلس للمسؤولية، مؤكدةً أن بناء الدول لا يكتمل بصناعة الإنجازات فحسب، بل بضمان استدامتها وانتقالها بأمان وثقة إلى الأجيال اللاحقة. كما أدرك مبكراً رحمه الله أن الرياضة لغة عالمية توحد الشعوب، فكان من مهندسي المسار الذي أوصل قطر إلى استضافة كأس العالم 2022، الحدث الذي لم يكن بطولة رياضية فحسب، بل رسالة حضارية عرّفت العالم بالثقافة الإسلامية والعربية والخليجية وقدرة المنطقة على تنظيم أكبر الأحداث الدولية. واليوم ونحن نودع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فإننا لا نرثي رجلاً غاب جسده، بل نستحضر إرثاً سيبقى حياً في التعليم الذي أُسس، والمستشفيات التي شُيدت، والفرص التي خُلقت، والوساطات التي أوقفت النزاعات وإزهاق الأرواح، والأفكار التي ألهمت أجيالاً كاملة. رحل القائد لكن أثره باقٍ. ورحل الإنسان لكن ما زرعه في وطنه وفي وجدان شعبه وفي صفحات التاريخ سيظل ينبض بالحياة. فبعض الرجال تنتهي أعمارهم لكن أعمالهم تواصل السير نيابةً عنهم. والوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني واحد من أولئك الذين كتبوا أسماءهم لا بالحبر بل بالأثر. رحم الله الفقيد بواسع رحمته وجزاه عن قطر وأمتها والإنسانية خير الجزاء. فكما جاء في الحديث الشريف: (خيرُ الناس أنفعهم للناس)، وأنا أشهد أمام الله بذلك. وجاء في الحديث أيضاً: (إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ يُنتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له). وأشهد كذلك أمام الله بما رأيت بعيني أنه قدم لهذا الدين وللإنسانية الشيء الكثير من صدقاتٍ ومساعداتٍ وعلومٍ ومراكز ومساجد، وبهذا كلنا نكون أبناءً له ندعو له جميعاً. أما عنوان المقال فهو جزء من حديثه رحمه الله في لقاء تلفزيوني يصف فيه قطر للعالم.
3726
| 14 يوليو 2026
عندما ترتفع المخاطر الجيوسياسية، لا تحتاج التجارة العالمية إلى إغلاق الممرات البحرية حتى ترتفع تكاليف الشحن. فمجرد عودة التوترات كفيل بزيادة أقساط التأمين وارتفاع ما يُعرف بعلاوة المخاطر، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة نقل البضائع، حتى لو استمرت السفن في العبور بصورة طبيعية. وهذا ما نشهده اليوم مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، حيث بقيت الملاحة مستمرة، بينما لم تعد تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها السابقة. فالمشكلة اليوم لم تعد تتمثل في احتمال إغلاق المضيق بقدر ما تتمثل في استمرار حالة عدم اليقين، وما تفرضه من تكاليف إضافية تنتقل تدريجياً عبر سلاسل الإمداد إلى المستوردين، ثم إلى الأسواق، وصولاً إلى المستهلك النهائي. وفي قطر، لا يقتصر أثر هذه الزيادات على شركات الاستيراد، بل يمتد إلى قطاعات واسعة تعتمد على الواردات، مثل مواد البناء والتشطيب، والأثاث، والأجهزة المنزلية، والسيارات وقطع الغيار، وغيرها من السلع التي تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكلفة المشروعات وتكلفة المعيشة. ومن هنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن الحد من هذه الأعباء إلى أن تستعيد أسواق النقل البحري والتأمين استقرارها الكامل؟ قبل الإجابة، من المهم التفريق بين نوعين من الحلول. فهناك حلول استراتيجية بعيدة المدى، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز الأمن اللوجستي، وتقليل الاعتماد على أي ممر بحري واحد، وهي خيارات ضرورية لكنها تحتاج إلى سنوات من التخطيط والاستثمار. أما المرحلة الحالية، فتتطلب إجراءات تشغيلية سريعة ومؤقتة تحد من ارتفاع التكلفة وتحافظ على انسياب الواردات. ولعل أسرع هذه الإجراءات يتمثل في تشغيل ميناء حمد، والجمارك، والجهات الرقابية على مدار الساعة خلال الفترة الحالية. فكل يوم إضافي تقضيه الحاوية داخل الميناء يعني ارتفاعاً في تكاليف التخزين والتمويل، وتأخيراً في وصول البضائع إلى الأسواق. ولذلك، فإن تسريع دورة الإفراج عن الشحنات يعد من أكثر الوسائل فعالية في خفض التكلفة. ويأتي بعد ذلك تخفيض رسوم المناولة والخدمات المينائية بصورة مؤقتة لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، حتى تستعيد أسواق النقل البحري توازنها. كما يمكن إعفاء الحاويات التي تأخرت بسبب اضطرابات الملاحة من رسوم الأرضيات والتخزين، لأن هذه الرسوم ترتبت نتيجة ظروف استثنائية لم يكن المستورد مسؤولاً عنها. ومن الأفكار التي تستحق الدراسة أيضاً تشجيع المستوردين على حجز سعات الشحن بصورة جماعية. ولا يعني ذلك توحيد البضائع أو الموردين، وإنما توحيد القوة التفاوضية مع شركات الملاحة. فكلما ارتفع حجم الحجوزات، زادت القدرة على الحصول على أسعار أفضل، وأولوية في الحجز، وشروط نقل أكثر مرونة، وهو ما يفيد على وجه الخصوص الشركات الصغيرة والمتوسطة. كما قد ينعكس ذلك إيجاباً على تكلفة التأمين نتيجة تحسن شروط التفاوض. أما التأمين البحري، فقد أصبح يمثل جزءاً متزايداً من تكلفة الاستيراد. ومن هنا، يمكن لشركات التأمين المحلية أن تؤدي دوراً أكبر عبر التفاوض الجماعي مع شركات إعادة التأمين العالمية للحصول على شروط أكثر ملاءمة، مستفيدة من متانة الاقتصاد القطري واستقرار بيئته التشغيلية، بدلاً من تفاوض كل مستورد بصورة منفردة. ومن المناسب كذلك تشكيل فريق عمل لوجستي مؤقت يضم وزارة التجارة والصناعة، والجمارك، وميناء حمد، وغرفة تجارة وصناعة قطر، إلى جانب ممثلين عن شركات الملاحة والتأمين، لمتابعة تطورات سلاسل الإمداد بصورة يومية، والتدخل السريع لمعالجة أي اختناقات تشغيلية قبل أن تتحول إلى أعباء اقتصادية أكبر. وجميع هذه المقترحات يجمعها هدف واحد؛ فهي إجراءات استثنائية لمعالجة ظرف استثنائي، وليست تغييرات دائمة في السياسة الاقتصادية، وتنتهي تلقائياً عندما تعود تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها الطبيعية. أما الحلول الاستراتيجية، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، فهي تستحق نقاشاً مستقلاً، لأنها تعالج جذور المشكلة، بينما تعالج الإجراءات السابقة آثارها المباشرة. لقد أثبتت قطر في أكثر من مناسبة قدرتها على التعامل بكفاءة مع التحديات اللوجستية، بفضل بنيتها التحتية المتطورة ومؤسساتها القادرة على اتخاذ القرار بسرعة. واليوم، لا يحتاج الاقتصاد إلى برامج دعم واسعة، بقدر ما يحتاج إلى إجراءات تشغيلية ذكية ومؤقتة تخفف تكلفة وصول السلع إلى السوق المحلية، وتحافظ على تنافسية الشركات، وتحد من انتقال الضغوط التضخمية إلى المستهلك. فكل ريال يُوفَّر في تكلفة النقل أو التخزين أو التأمين ينعكس في النهاية على تكلفة المعيشة، ويعزز قدرة الاقتصاد على تجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر، إلى أن تستعيد أسواق الشحن العالمية استقرارها الكامل. فالتعامل مع الأزمات لا يكون بردود الفعل فقط، بل بالاستعداد لها، وتقليل كلفتها، وتحويل التحديات إلى فرص لتعزيز كفاءة الاقتصاد ومرونته.
1638
| 11 يوليو 2026
لعل أسوأ ما قدمته بطولة كأس العالم الحالية هو بروز الحالة البالوجونية، نسبةً للاعب المنتخب الأمريكي: فولارين بالوجون. وهي حالةٌ تقوم على التعامل مع الاتحاد الدولي لكرة القدم وكأنه دولة في القرون الوسطى يحكمها فرد كما يشاء دون اهتمام بقوانين أو أعراف أو مشاعر ومصالح وآمال الآخرين. فرغم ما كانت تتعرض له الفيفا سابقاً من انتقادات، إلا أنها ظلت محافظةً على الحد الأدنى لمظهرها كمنظمةٍ ترعى رياضة كرة القدم دولياً، وحرصت دائمًا على أن تكون الحكم العادل في الخلافات بشأن اللعبة ومبارياتها. ولم يكن أحدٌ يتوقع أن تبلغ التجاوزات حد الاستهانة العلنية بقوانين اللعبة وأخلاقياتها كما فعل رئيسها جياني إنفانتينو. كان على إنفانتينو، قبيل انطلاق البطولة، التأكيد على أن الرياضة هي النقطة التي تتوقف عندها التأثيرات السياسية، وهي المظلة التي تلتقي تحتها الشعوب وتتنافس بنديةٍ. ولكنه صمت عن التجاوزات بحق الحكام والإعلاميين والإداريين الذين منعوا من دخول الولايات المتحدة. وكان هذا الصمت ثم تبرير ما حدث بحجج واهية هو السبب في الانهيار النسبي لشعبية البطولة دوليًا، لأن معظم عشاق اللعبة أدركوا أن طعنةً أصابتها في صميم أخلاقياتها التي تجمعهم. يجب علينا القول إن الفيفا في عهد إنفانتينو أصبحت مظهراً للفردية الديكتاتورية في مجال كرة القدم، فكان إلغاء البطاقة الحمراء التي تلقاها المهاجم الأمريكي فولارين بالوجون أمام البوسنة، وإسقاط عقوبة الإيقاف عنه ليشارك في مباراة بلجيكا هو المظهر الأبرز لتلك الفردية. ومناقشة ذلك كمخالفةٍ قانونيةٍ هو أمرٌ يبعث على الملل والشعور بعدم احترام عقولنا، لأن رئاسة الفيفا هي الجهة التي ارتكبت المخالفة. ورغم الاحتجاجات الدولية، لم يقم إنفانتينو بتبرير الأمر أو تقنينه، وكأن قراره لا يمكن لأحد مناقشته أو الاعتراض عليه. ثم جاءت مباراة مصر والأرجنتين لتخبرنا بأن هناك مسارات غير رياضية أدخل فيها إنفانتينو كرة القدم، والتي تتمثل في جماعات ضغط اقتصادية تعمل في مجال المراهنات الدولية، وتعتمد على وجوب استمرار منتخبات بعينها في المنافسة بغضِّ النظر عن خسارتها الفعلية لو خضعت مبارياتها لتحكيم نزيه غير خاضع لإملاءات إنفانتينو الخاضع بدوره لجهات لها مصالح عظمى في عدم نزاهة التحكيم. المخالفات علنيةٌ وكثيرةٌ جدًا، وليست المشكلة في السكوت أو عدم السكوت عنها، وإنما هي أن الشكوى ترفع للفيفا، وتكون على الحكام، ولا توجد آلية تخضع رئاسة الفيفا نفسها للمحاسبة القانونية. ومع وقوفنا مع الاتحاد المصري في شكواه، وانتظارنا لما ستسفر عنه مطالبات أعضاء في البرلمان الأوروبي بالتحقيق مع إنفانتينو، لكننا، للأسف، ندرك جيداً أن الحالة البالوجونية ستستمر، ولا يمكن التحكم فيها. الحل، ليس في الشكوى وإنما في العمل على توسيع دور المحكمة الرياضية الدولية ليشمل النظر والحكم في الخلافات مع الفيفا والشكاوى ضدها. وهذا الأمر ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو واجبٌ على المختصين القانونيين في الرياضة لمنع استفحال الحالة البالوجونية التي تهدد لعبة الجماهير الأولى في العالم. كلمة أخيرة: البالوجونية، ليست سلوكياتٍ فرديةً، وإنما هي منظومةٌ أخلاقيةٌ فاسدةٌ تقتل الروح الرياضية، وتدمر الأمل في كون الرياضة عنصرًا يجمع الشعوب.
1569
| 12 يوليو 2026