رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هديل رشاد

صحفية فلسطينية

مساحة إعلانية

مقالات

813

هديل رشاد

فلسطين تسقط في فوهة الزمن

09 أبريل 2025 , 02:00ص

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي تحت شعار «صحة الأمهات والمواليد»، في دعوة لتعزيز الرعاية الصحية للنساء والأطفال، وضمان بدايات سليمة لحياة واعدة، تقف أمهات فلسطين على هامش هذا المشهد الإنساني، تنزف خارج الأطر والتقارير والاهتمام، وكأنها سقطت في فوهة الزمن، لا تُذكر إلا حين تُذكر المآسي، فأي ازدواجية هذه التي يحتفي فيها العالم برفاه النساء والأطفال، بينما تُباد أمهات فلسطين بصمت، وتُدفن أحلام مواليدها تحت الركام هذا إن كُتب لهم الحياة؟!

وبينما يركز شعار هذا اليوم العالمي على تعزيز «الولادة الآمنة»، فإن النساء في غزة يُجهضن من الخوف، أو ينزفن دون تدخل، أو يفقدن أرحامهن تحت القصف وهنّ محاصرات في مخيمات النزوح، أو في المدارس المكتظة، أو في خيامهن التي لا تستر شيئا، علاوة على نفاد المستلزمات الطبية الضرورية لتحقيق ولادات آمنة لهن، في ظل ما يزيد الطين بلة من شح المستلزمات النسائية التي تحقق لهن أبسط مستويات الرعاية والوقاية من الأمراض خلال فترة الحيض والنفاس، وكله ينطلق من عمل ممنهج من قبل جيش الكيان المحتل، الذي وضع ضمن أهدافه في هذه الحرب المسعورة على قطاع غزة تحديدا القضاء على نسل الإنسان الفلسطيني بشتى الطرق التي تحقق له هذا الهدف المريض الذي يوازي وحشيته وهمجيته.

في غزة وحدها، يوجد أكثر من 50,000 امرأة حامل، من المتوقع أن تلد 5500 منهن الشهر المقبل، في حين تحتاج حوالي 1400 منهن إلى عمليات قيصرية في ظل نظام صحي يستغيث، ومرافق مدمرة، وظروف معيشية لا يقوى عليها بشر!، ووفق منظمة الصحة العالمية، فإن نحو 15% من هؤلاء النساء بحاجة إلى رعاية متقدمة أثناء الولادة، وهي رعاية غير متوفرة في معظم المستشفيات المتوقفة عن العمل بسبب الجنون وجملة الجرائم التي يرتكبها جيش الكيان المحتل دون حسيب أو رقيب، أما وحدات العناية المركزة الخاصة بالمواليد، فقد تحولت إلى نقاط عجز لا يجد فيها الرضيع حتى حاضنة، أو قناع أكسجين، أو عبوة حليب، فهل يُعقل أن يحتفل العالم بـ «بداية صحية لمستقبل واعد» شعار الاحتفال بيوم الصحة العالمي وهناك نساء لا يجدن مأوى للولاد، ورُضع يولدون بلا رعاية، وبلا أدنى حق من حقوق الحياة التي ظلمتهم قبل أن يأتوا إلى هذا العالم مزدوج المعايير؟، أفلا يندى جبين العالم «الحر» خجلاً من هذه الشعارات؟.

ولأطفال غزة نصيب من جملة هذا القهر، فهم الأكثر عرضة للفقد، فقبل اندلاع العدوان الأخير، لم تكن نسبة سوء التغذية في غزة تتجاوز 1% أما اليوم، فقد ارتفعت إلى 15.6% بين الأطفال دون عمر السنتين، خصوصا في شمال القطاع، بحسب تقارير حديثة صادرة عن منظمات الصحة الأممية، فهؤلاء الأطفال لا يجدون حليبا صناعيا، ولا رعاية طبية، ولا حتى فرصة لبداية آمنة للحياة التي اغتالتهم صغاراً.

إن ما يحدث في فلسطين ليس مجرد تقصير، بل هو ازدواجية فجة في معايير الإنسانية، يُحتفى بالأم في جانب من هذا الكوكب، وتُدفن أخرى مع جنينها في الجانب الآخر، تُصرف الموازنات، وتُكتب الاستراتيجيات، وتُمنح الجوائز لمبادرات الصحة والولادة، بينما تُغلق أعين المؤسسات الدولية عن أمهات لا تمهلهن الحرب لرؤية فلذات أكبادهن إما لموتهن أو لموت أطفالهن، وفي يوم كهذا، لا نملك إلا أن نكتب لأجل نساء يُقاسم خبزهن غبار النزوح، وأطفال يولدون تحت هدير الطائرات، نكتب لأن الصمت جريمة، ولأن الأرقام ليست أرقاما، بل وجوها وأسماء، كانوا يستحقون بداية جديدة لو لم تكن فلسطين خارجة عن جغرافيا الرحمة.

فإن كانت الصحة حقا إنسانيا أصيلا، كما تقول منظمة الصحة العالمية، فأين هذا الحق من نساء فلسطين؟ وإن كانت الطفولة جديرة بالحماية والرعاية، فأين هو المجتمع الدولي من آلاف الأطفال الذين قُتلوا، أو تُركوا دون غذاء أو دواء أو حتى حضن أمّ؟ يوم الصحة العالمي ليس مناسبة للاحتفال، بل دعوة لمراجعة الضمير الإنساني، والضمير الذي لا يصرخ من أجل فلسطين، هو ضمير بحاجة لإسعاف عاجل.

ختاما..

فلنتساءل إذًا: هل فلسطين لم تعد على خريطتكم الإنسانية؟ هل سقطت بالفعل في فوهة الزمن؟ أم أن العالم قرر أن يذكرها فقط حين يُراد تقديم نموذج للألم والقهر والفقد؟ ففي يوم الصحة العالمي، لا نطالب بأكثر من الحق ذاته الذي يمنح للآخرين، كالحق في الحياة، حق الأمومة الآمنة وحق الطفولة المحمية، فمن دون فلسطين، لن تكتمل إنسانيتكم، فشعاراتكم كورقة التوت الأخيرة التي سقطت فكشفت عوراتكم.

مساحة إعلانية