رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
وصلت إرسالية لرجل أعمال عن طريق شركة التوصيل السريع بها قطعة غيار صغيرة من أوروبا قيمتها 2 دولار فقط (دولاران)، وطلبت تلك الشركة القيم التالية:
• مبلغ 4 ريالات للجمارك (مع ان الفواتير أصلية وحقيقية ومن أوروبا لكن الإخوة في الجمارك قيموا القطعة بثمانين ريالاً).
• مبلغ 250 ريالاً كرسوم تصديق لوزارة الخارجية.
• مبلغ 10 ريالات فاتورة البيان.
• مبلغ 25 ريالاً رسوم إدارية.
يعني القطعة بقيمة 2 دولار وهي تعادل سبعة ريالات وثلاثين درهماً، لكنها طلعت على التاجر بإجمالي 289 ريالا بالإضافة إلى تكلفة خدمة شركة التوصيل والقيمة الأصلية للقطعة. وسألت أحد الأصدقاء عن البضائع التي يجلبها من الخارج فقال: مرة من المرات طلبت قطع غيار لساعة من سويسرا، وقطع الغيار عبارة عن براغي وواشرات بقيمة 100 ريال للساعة، ولكن قامت الجمارك بتثمينها بقيمة 8000 ريال، ومع أن الفاتورة واضحة إلا أنهم أصروا على قيمة تثمينهم الذي لم يخضع لأي أعراف منطقية، وبعد عدة محاولات خفضت الجمارك القيمه إلى 1000 ريال بالإضافة إلى دفع رسوم وزارة الخارجية التي تفرض تصاعدياً على قيمة البضاعة. سألت صديقي: كيف يتم تغطية هذه الرسوم؟ أجاب: المفروض أن الزبون هو الذي يتحمل كل المصاريف التي تدفع ولكن في مثل هذه الحالات ولأن المبلغ غير منطقي لا نحمل الزبون القيمة بل نتحملها نحن كخدمه للزبون، وفي أحيان كثيرة نحسب بعض الأجزاء من البضاعة برسوم التكلفة أو قريبة منها، علما بأن أسعارنا مشابهة لأسعار دبي لأن الشركات العالمية تفرض علينا سعر البيع كي نكون متساوين في منطقة الخليج.. والمشكلة التي نواجهها هي الطلب المستمر من الجهات الرسمية لخفض الأسعار.. فأسألك يا دكتور كيف نستطيع خفض الأسعار والجهات الحكومية هي التي ترفعها برسومها؟!
وعندها تذكرت خطاب معالي الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية في اللقاء التشاوري الخامس مع رجال الأعمال وغرفة صناعة وتجارة قطر بتاريخ 31 /5 /2011 عندما قال "من الواضح وجود فروق أسعار للسلع والخدمات المتوفرة في الدولة مقارنة مع أسعار ذات السلع والخدمات في الدول المجاورة" وأضاف معاليه "لن تقف الدولة مكتوفة الأيدي ولن تسمح أو تتغاضى عن الممارسات الاحتكارية واستغلال المواطنين".. وبعد هذه المقدمة دعونا نستعرض موضوع الرسوم الجمركية ورسوم تصديق وزارة الخارجية.
أولاً- الرسوم الجمركية: حسب ما أعرفه، فإن الرسوم الجمركية هي حق للدول تطبق في المنافذ الحدودية وبنسب تحددها الدول بحسب نوع وحجم السلع الواردة أو الصادرة. وحدد المشرع القطري الرسوم للبضائع العامة بنسبة 5 % من القيمة الأصلية وهذا لا خلاف عليه. أما الخلاف الرئيسي فهو قيام موظفي الجمارك بتحديد قيمة البضائع المستوردة بقيمة تزيد عن القيمة الأصلية بعشرات المرات.. ألا تعلم الجمارك أن السوق الأوروبي المشترك منع تحرير الفواتير بخلاف قيمتها الأصلية وأن أي شركة تقوم بذلك تتعرض لعقوبات شديدة؟ وهذا ببساطة يعني أنه لا غش في الفواتير الصادرة من أوروبا. وبما أن المقيم الجمركي مقتنع بعمله فإنني أتمنى أن يقوم سعادة المدير العام للإدارة العامة للجمارك بإجبار المقيم على شراء البضاعة كما حدد قيمتها بنفسه. صحيح أن القانون سمح للمستورد بأن يتظلم من قرارات زيادة قيمة البضاعة أمام لجنة القيمة، وسمح له باللجوء إلى القضاء.. ولكن كل هذه الإجراءات ستؤخر خروج البضاعة من الجمارك أو على الأقل ستعطل جزءاً من أموال المستورد كضمان مالي بقيمة الرسوم الجمركية وفقاً لتقدير الدائرة الجمركية.
ثانياً- رسوم تصديق وزارة الخارجية: عندما صدر قانون رقم (4) لسنة 1992 بشأن فرض رسوم مقابل التصديق على المحررات في وزارة الخارجية وبعثاتها الدبلوماسية والقنصلية، كانت هناك أسباب وجيهة لقيام وزارة الخارجية بالبحث عن مصادر تمويلية لنشاطها، حيث سجلت أسعار النفط الخام أدنى مستوياتها خلال 1991 و1992 وبلغت ما بين 14 — 15 دولاراً للبرميل. أما الآن ومع تسجيل فائض سنوى كبير لميزانية الدولة فإن المسببات، من وجهة نظري، قد انتهت. إنه لمن العجيب أن جمهورية مصر العربية ذات الموارد الطبيعية القليلة بالنسبة لعدد سكانها وأن خزينة الدولة شبه فارغة وأنها من الدول التي تتلقى المساعدات الدولية، قد حددت رسوم التصديق على المستندات التجارية بكافة أشكالها وأنواعها بمبلغ 25 جنيهاً مصرياً أما رسوم التصديق على كافة المستندات غير التجارية فتبلغ 11 جنيهاً.
إن مثل هذه السياسة المالية للحكومة القطرية من طرق تحديد قيمة البضاعة بشكل غير منصف ومن رسوم تصديق وزارة الخارجية غير المبررة، يعطي انطباعاً غير حقيقي بأن خزينة الدولة فارغة وفي نفس الوقت فإنها ستؤدي إلى تفاقم أزمة الأسعار بدلا من حلها، والى زيادة في معدلات ارتفاعها.. وعليه فسوف تستمر معدلات غلاء المعيشة والفقر بمستويات عالية نسبياً مما سينعكس مرة أخرى على النشاط الاقتصادي والمناخ الاستثماري وستعمل على خفض الاستهلاك الخاص وإنقاص الاشباعات الفردية والكلية عن طريق انخفاض القوة الشرائية بسبب ارتفاع الأسعار. ويعتقد كثير من الاقتصاديين الماليين أن الضرائب أو الرسوم يجب أن ينظر إليها من زاويتها الوظيفية الاقتصادية وأن على الدول أن تقلل من إيراداتها الضريبية إذا أريد تحقيق نوع من الاستقرار في مستوى الأسعار العام.
وفي الختام نقول هل من المعقول أن يتم استيراد قطعة غيار بقيمة دولارين، فيدفع المستهلك بسبب الرسوم الحكومية أكثر من 289 ريالا لنفس القطعة، إضافة إلى تكلفة خدمات شركات التوصيل السريع وغيرها؟!!
والله من وراء القصد..
المتقاعدون ولائحتهم التنفيذية
البيت يتطلب صيانة مستعجلة، وهذا يتطلب مبلغاً نقدياً، والمعاش التقاعدي وللأسف لا يتبقى منه شيء، وحلاً لهذه المشكلة... اقرأ المزيد
16244
| 23 أغسطس 2020
المتقاعد وحقوقه المهدورة
تكلمنا في المقالات الثلاث الأخيرة عن حقوق المتقاعد، وذكرنا في المقالة الأولى "المتقاعدون" (انظر الشرق 7/6/2020)، وركزنا فيها... اقرأ المزيد
10186
| 26 يوليو 2020
المتقاعدون وبدل السكن
عندما تدخل أي مجلس من مجالس أهل قطر ستسمع شكاوي المتقاعدين عما يكابدونه من مشقات المعيشة، ويتصدر شكاويهم... اقرأ المزيد
18186
| 12 يوليو 2020
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4677
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3318
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026