رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مها الغيث

mismaha1@hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

147

مها الغيث

الطب تحت أنقاض غزة

09 يوليو 2026 , 01:00ص

رغم أن (المكان) ساحة دم فقد فيه الطب لغته، إلا أن (الزمان) أبى، فبات فيه الصمت مستحيلاً!

لا يحاول هذا الكتاب المثقل بكل ما هو مؤلم، سرد الحرب ضمن طوفان السرديات أو توثيق أحداثها زمنياً، بقدر إصراره على إنقاذ ذاكرتها من التلاشي، وذلك عبر عين طبيب شاب وقلمه، وجد نفسه يستهل مهنته بينما تنهار المستشفيات من حوله ويغيب منها الدواء ويتحول الجوع إلى تشخيص يومي.. وحيث إيقاع الموت أكثر انتظاماً من نبض الحياة.

لقد كُتب الكثير عن العدوان على غزة، غير أن هذا الكتاب يسجل يوميات إنسانها حين جرّده مصير الحرب من كل ما يمنحه معنى الكرامة. تمتد اليوميات التي جاءت بعنوان (Diary of a Young Doctor: Notes from the Genocide in Gaza – يوميات طبيب شاب: مذكرات من الإبادة الجماعية في غزة) عبر أشهر الحرب الطويلة والتي تبدأ بعد عودة كاتبها إلى غزة بأيام قليلة من اندلاع الحرب، حيث تتوالى التدوينات وفق تاريخ الأحداث اليومية، وحيث كل يوم يفتح نافذة على زاوية أشد من الحياة، داخل القطاع الصحي المنهار.

فمن هذا الذي "نقل إلينا -بهذا القدر من القوة- ذلك العار الذي لا يُحتمل: عار أن نكون في مأمن أو متواطئين أو صامتين، بينما تُقتل غزة وتُجوَّع وتُدمَّر" كما تقول إحدى إشادات الكتاب؟ إنه (عز الدين شهاب)، وُلد في جباليا شمال قطاع غزة عام 1995، ودرس الطب في جامعة أصفهان للعلوم الطبية في إيران، ثم عاد إلى غزة قبل خمسة أيام من السابع من أكتوبر 2023، فما لبث أن احتفلت به عائلته حتى ألفى نفسه وسط أعتى الكوارث الإنسانية في القرن الحادي والعشرين. ومنذ تلك الظروف الاستثنائية، يواصل عمله طبيباً بلا مقابل تقريباً، وهو يصرّ في الآن نفسه على توثيق الحياة اليومية داخل القطاع في يوميات تحولت لاحقاً إلى هذا الكتاب.

يروي د. عز الدين شهاب ابتداءً عودته بعد تسع سنوات من دراسة الطب خارج أرض الوطن محمّلاً بالطموحات، قبل أن يفقد خلال أيام عشرات من أفراد عائلته.. لحظة تبدلت بها ماهية الحياة في نظره، فلم يعد منشغلاً ببناء مستقبله المهني أكثر من محاولته إبقاء الأحياء أحياءً لساعات إضافية.

ينتقل في يومياته بعد ذلك بين المستشفيات التي تتعرض للحصار أو للتدمير، وغرف العمليات التي تواصل عملها رغم نقص الكهرباء والوقود والأدوية، والطواقم الطبية التي تضطر إلى اتخاذ قرارات قاسية بسبب محدودية الإمكانات، وبقية تفاصيل الحياة اليومية داخل المؤسسات الصحية التي يظهر فيها كل سرير وكل ضماد وكل جرعة دواء، كمورد نادر يخضع لحسابات قاسية!.

لا تقتصر تلك اليوميات النازفة على المجتمع الطبي، إذ تتسع لتشمل تفاصيل المجتمع الأكبر، فتبدو العائلات التي تُهجَّر مراراً، والأطفال الذين فقدوا مدارسهم ورفاقهم، والأمهات اللواتي ينتظرن طويلاً في طوابير من أجل كيس دقيق، والمرضى الذين لا يموتون متأثرين بإصابات مباشرة فقط، بل لسوء تغذية أو عدم توفّر علاج أو انعدام أبسط مقومات الرعاية الصحية. وبينما يخصص د. شهاب مساحة واسعة للحديث عن المجاعة التي أصبحت تجربة جماعية يومية، فهو حين ينتقل إلى البنية الصحية، لا يتحدث سوى عن انهيارها تدريجياً، حيث المستشفيات تتعطل الواحد تلو الآخر، والعيادات لا يعود لها وجود، وسيارات الإسعاف تعجز عن الوصول، بينما يعمل الأطباء بما تبقى لديهم من أدوات وخبرات وإصرار وروح.

يولي الطبيب اهتماماً خاصاً بالقصص الفردية التي تقدمها نشرات الأخبار كأرقام مجردة، ففي يومياته، تبدو هنالك طفلة تخاطب صورة والدها الشهيد كل ليلة تعاتبه لأنه لم يأتِ ليأخذها بعد، وأم ترى فيه ملامح ابنها الذي فقدته، وأب يضطر إلى التفكير في إحراق مكتبته كي يطهو الطعام لأطفاله، ونساء يعانين أمراضاً ما كان لها أن تصبح مزمنة لولا شح العلاج، وأسرة تعيش فوق أنقاض منزلها وهي لم تتمكن من انتشال جثامين أفرادها بأسفله.

ويستمر الطبيب يروي أحاديث إنسانية لا تنتهي عذاباتها عن أثر الحرب، في التعليم وفي الذاكرة وفي معنى البيت وفي القدرة على الحلم وفي الإحساس بالزمن، غير أنه مع تقدم الصفحات تتغير نبرة اليوميات، حيث الطبيب وهو يحاول في بداياتها التمسّك بالأمل، تبدأ علامات الإنهاك تتسلل شيئاً فشيئاً وهي تحيل الكتابة إلى فعل أشبه بالمقاومة النفسية، وتغدو اليوميات كالمحاولة الأخيرة في حماية العقل من الانهيار، التي هي بالأحرى محاولة إخبار العالم بما يحدث من قلب الحدث.

ختاماً، قد لا يعني طي غلاف أي كتاب الانتهاء من قراءته بالضرورة، فبعضها يُضعف القدرة على مواصلة القراءة، وهذا الكتاب رغم إرهاقه الذي يكاد يعوق المواصلة، فهو كتاب يبقى مفتوحاً في الوجدان حتى بعد طي صفحته الأخيرة.. وهو إن لم يطالب قارئه بالتعاطف بعد إثارة عواطفه، يفتح أمامه أفقا من التأملات حول الإنسان حين يصبح (البقاء على قيد الحياة) عمله اليومي الشاق، وحول الطب حين تنتزع منه تلك الحياة كامل مقومات ممارسته.

اقرأ المزيد

الشللية.. وقتل الخبرات والتخصص الشللية.. وقتل الخبرات والتخصص

عنوان لم يكن من فراغ، لكنه من واقع يسري سمومه كالسرطان في بعض المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، الاستقالات... اقرأ المزيد

195

| 12 يوليو 2026

الذكاء.. الاصطناعي والعاطفي الذكاء.. الاصطناعي والعاطفي

لقد أشرقت شمسُ الذكاء الاصطناعي على العالم، فكشفتْ عجائبَ لم تكن تخطر على بال، وأزاحتْ ستارَ الوهم عن... اقرأ المزيد

84

| 12 يوليو 2026

بعد عودة التوتر إلى هرمز.. كيف نخفف استمرار ارتفاع تكاليف الشحن؟ بعد عودة التوتر إلى هرمز.. كيف نخفف استمرار ارتفاع تكاليف الشحن؟

عندما ترتفع المخاطر الجيوسياسية، لا تحتاج التجارة العالمية إلى إغلاق الممرات البحرية حتى ترتفع تكاليف الشحن. فمجرد عودة... اقرأ المزيد

963

| 11 يوليو 2026

مساحة إعلانية