رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

ialsada63@gmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

9147

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

آن لأبي حنيفة أن يمد قدمه

09 أكتوبر 2024 , 02:00ص

 دخل رجل على أبي حنيفة وكان مادّاً قدميه فاستحى وتربع، فقال الرجل لأبي حنيفة متى يفطر الصائم؟ قال أبو حنيفة: إذا غربت الشمس فقال الرجل وإذا لم تغرب الشمس ! قال: أبو حنيفة «آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه»، لقد علم أبوحنيفة من كلام الرجل أنه ذو منطق سقيم لا يستحق أن يعطى أكبر من قدره، ولا أن يتحمل ألم ركبتيه لأجله، وهي إشارة من إشارات لغة البدن التي تنم عن الرغبة في إنهاء الحديث وقطع الجدل في مسألة لا يمتلك أحد طرفيها مهارات التفكير المنطقي ولا أدواته، المصيبة أن بعض هؤلاء البشر لا يقرأ لغة البدن أيضًا ولا يعرف متى ينهي الجدل.

لقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا في إيصال المعلومات لجميع أفراد المجتمع، وعلى قدر ما لذلك من فوائد في التثقيف والتوعية، إلا أن بعض تلك المعلومات قد تكون ضارة أو كارثية لشريحة كبيرة من الناس، وهذا الضرر يأتي من وجهين: الوجه الأول هو التعاطي الخاطئ للمعلومة بسبب الجهل بمصدرها ومعناها، وبالتالي خلق رأي عام وقناعات تصب في أجندة من يروج لتلك الأخبار، والوجه الآخر هو إمكانية التفاعل معها وإعادة نشرها دون وعي بآثارها، وهنا تكمن الخطورة حيث يكمن التدمير الذاتي للمجتمعات عبر تفكيك لحمتها وتشتيت انتباهها عن قضاياها المصيرية المشتركة، وإشغالها في معارك جانبية تافهة تجتر خلافات الماضي السحيق وتضعها كحجر عثرة أمام وحدة مصيرها ومستقبلها مما يعطي الفرصة لأعدائها لمواصلة العبث والتسلط على مكوناتها وانتهاك سيادتها.

إن مجرد الاطلاع على المعلومات وتراكمها لا تخلق شخصًا مثقفًا أو مفكرًا، فعندما نقول عن شخصٍ ما أنه «مطلع» فهذا لا يعطي دلالة قاطعة على فهمه، فقد ينقل لك خبرًا من لم يصل إلى معناه وغايته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (رب مبلغ أوعى من سامع)، وقس على ذلك ما يتناوله العامة من أخبار وأحداث وتحليلات، فتجد في المجلس الواحد عدة آراء متباينة ومتضاده لذات الموضوع، وقد يكون مصدر الخبر واحد، ولكن الناس تتفاوت في الفهم والتحليل والاستنباط، فالمتابع للأخبار إما أن يكون مدركًا لأبعاد الخبر ودلالاته، أو جاهلًا يعلم بجهله فينقل ما اطلع عليه أو سمعه لمن هو يدرك معناه وغايته، والأخطر أن يكون جاهلًا لا يعلم بجهله، فيتفاعل مع ما اطلع عليه في حدود إدراكه له، ويجادل من خالفه بكل ما أوتي من قوة، المشكلة لا تكمن في الاختلاف في الرأي ولكنها تكمن في ضعف المنطق أو إنعدامه في بعض الآراء، مما يخرجها من دائرة الرأي المعتبر أصلًا، والعجيب أنك تجد تلك الأصوات هي الأعلى والأجرأ.

وقد روي في ذلك عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال»ما جادلت عالما الا وغلبته وما جادلت جاهلا الا وغلبنى»، ولا يقصد الإمام الشافعي أن الجاهل يغلبه بالحجة ولكنه ينسحب من الجدال معه حتى لا يتجرأ عليه فيخدش مكانته ويضعف هيبته، إن ضحالة الفكر وعدم تمييزه بين المهم والأهم وافتقاره لمنظومة الأولويات، تلك الحالة متعارف عليها بـ «أحادية التفكير»، ومن علاماتها أيضًا أن الشخص لا يرى القضية المطروحة إلا من بعد واحد، فهو على أساس ذلك يصدر حكمه ويتمسك برأيه، ولديه الرشاقة الكافية للقفز من موضوع لآخر للخروج من مأزق النقاش الموضوعي حال إحساسه بفقره للمعلومة أو المنطق، لذا بمجرد أن تستوعب بأنك تناقشك «أحادي التفكير» فعليك أن تمد قدميك فلن تكون أفقه من أبي حنيفة.

مساحة إعلانية