رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
برعاية معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية، تنطلق فعاليات معرض سيتي سكيب قطر 2025 بين الثاني عشر والرابع عشر من أكتوبر الجاري في مركز الدوحة للمعارض والمؤتمرات، وسط توقعات بأن يشكل المعرض منصة محورية لعرض الاتجاهات العقارية الجديدة، وجسراً بين المستثمرين والمطورين، ومسرحاً لتوقيع صفقات بمئات الملايين من الريالات القطرية.
منصة لتجاوز الأرقام التقليدية: التقديرات الأولية تشير إلى أن قيمة الصفقات قد تتخطى حاجز الـ 500 مليون ريال قطري، لكن الأهم أن المعرض بات يمثل مؤشراً لقياس صحة السوق العقاري ومستوى الثقة في الاقتصاد الوطني. فالإقبال المتوقع من أكثر من 20 ألف زائر، يمثل بحد ذاته شهادة على متانة المناخ الاستثماري في دولة قطر.
في دوراته السابقة، أثبت سيتي سكيب قطر أنه ليس مجرد حدث للتسويق العقاري، بل ساحة للتفكير في مستقبل العمران. نسخة 2025 ستجمع أكثر من 70 مطوراً محلياً وإقليمياً ودولياً، سيعرضون مشاريع متنوعة تشمل المجمعات السكنية، والفنادق، والمراكز التجارية، والمشاريع السياحية. هذا التنوع يعكس حيوية السوق وتعدد الفرص التي يمكن أن تستقطب رؤوس أموال جديدة من داخل وخارج البلاد.
* من أبرز إضافات هذه النسخة، برنامج المستثمرين الذي يمنح الفعالية بعداً تفاعلياً أعمق. فبدلاً من الاكتفاء بالمعروضات، ستتاح لقاءات مباشرة بين المستثمرين والمطورين وصنّاع القرار. الجلسات الحوارية وورش العمل ستغطي قضايا محورية مثل الابتكار في التصميم، الاستدامة في مشاريع البناء، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة لإدارة الأصول العقارية. هذا البعد المعرفي يعزز من مكانة المعرض كملتقى للأفكار بقدر ما هو ملتقى للصفقات.
*المكاسب المتوقعة لا تنحصر في الصفقات المباشرة، بل تتسع لتشمل تنشيط قطاعات مكملة:
- المقاولات والبنية التحتية التي ستستفيد من المشاريع الجديدة.
- القطاع المالي والمصرفي عبر التمويل العقاري والاستثمارات المشتركة.
- الخدمات المساندة كالهندسة، والاستشارات، والتسويق.
هذه الدينامية تخلق دورة اقتصادية متكاملة تدعم رؤية قطر الوطنية 2030، التي تركز على تنويع مصادر الدخل وتعزيز التنمية المستدامة.
ومن المتوقع أن ينعكس معرض سيتي سكيب قطر 2025 إيجاباً على الاقتصاد الوطني عبر محورين رئيسيين:
1- القطاع العام:
- يتيح المعرض للجهات الحكومية عرض مبادراتها ومشاريعها العمرانية الكبرى، ما يعزز الشفافية في الخطط التنموية.
- يساعد على استقطاب استثمارات أجنبية مباشرة تدعم رؤية قطر الوطنية 2030، وتساهم في تنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط والغاز.
- يوفر قاعدة بيانات جديدة لصناع القرار حول توجهات السوق العقاري واهتمامات المستثمرين.
2- القطاع الخاص:
- يشكل المعرض فرصة حقيقية للمطورين المحليين لإبرام صفقات وشراكات مع مستثمرين إقليميين ودوليين.
- يفتح المجال للشركات الصغيرة والمتوسطة لدخول مشاريع مشتركة مع مؤسسات كبرى، مما يوسع نطاق مشاركتها في التنمية العمرانية.
- يعزز من تنافسية الشركات القطرية عبر الاطلاع على أحدث الابتكارات والتجارب الدولية في التصميم والبناء.
وبذلك، فإن مردود المعرض يتجاوز توقيع العقود المباشرة ليشمل تعزيز بيئة الاستثمار ككل، وتوليد فرص عمل جديدة، ودعم التنوع الاقتصادي في الدولة.
مردود استراتيجي على الاقتصاد الوطني والمجتمع: معرض سيتي سكيب قطر 2025 لا يُنتظر أن يقتصر أثره على إبرام عقود عقارية أو استثمارات مباشرة فحسب، بل يُتوقع أن تكون له نتائج استراتيجية أوسع تشمل:
1- تعزيز الاقتصاد الوطني:
- توسيع قاعدة الاستثمارات غير النفطية، عبر مشاريع عمرانية وسكنية وتجارية تشكل روافد مستدامة للاقتصاد.
- خلق دورة اقتصادية تشمل التمويل، المقاولات، الخدمات، النقل، والضيافة.
- استقطاب خبرات دولية جديدة تسهم في نقل التكنولوجيا والمعرفة إلى السوق القطري.
2- المجتمع والتنمية الحضرية:
- توفير وحدات سكنية حديثة تواكب النمو السكاني وتحسن جودة الحياة.
- مشاريع تجارية وترفيهية تعزز من نمط الحياة العصري في المدن القطرية.
- دعم الابتكار في التصميم والبناء المستدام، بما يحقق توازناً بين التنمية والحفاظ على البيئة.
3- المكانة الدولية لقطر:
- ترسيخ صورة الدولة كوجهة استثمارية آمنة وبيئة مستقرة للأعمال.
- تعزيز حضور قطر على خريطة المعارض العقارية العالمية، بما يعكس نجاحها في تنظيم فعاليات كبرى.
- إظهار التزام الدولة بتحقيق أهداف رؤية قطر الوطنية 2030 في تنويع الاقتصاد وبناء مدن عصرية مستدامة.
آفاق مستقبلية: يأتي انعقاد المعرض في وقت تسعى فيه قطر إلى ترسيخ مكانتها كوجهة عالمية للاستثمار، خصوصاً بعد النجاحات الاقتصادية والتنموية التي تحققت خلال السنوات الماضية. ومن المتوقع أن تخرج نسخة هذا العام بتوصيات عملية تساهم في صياغة استراتيجيات جديدة للقطاع، وربما إطلاق مبادرات مشتركة بين القطاعين العام والخاص لدعم الابتكار في التطوير العقاري.
إن سيتي سكيب قطر 2025 ليس مجرد منصة للتعريف بالمشاريع العقارية، بل هو حدث يعكس نبض الاقتصاد القطري، ويجسد طموحاته في بناء مستقبل أكثر ازدهاراً وتنوعاً. التوقعات المرتبطة بالمعرض من حيث الصفقات والزوار ليست سوى انعكاس لثقة المستثمرين، أما الإنجاز الحقيقي فهو أن يتحول الحدث إلى جسر طويل الأمد بين قطر والعالم، يرسخ موقعها كوجهة آمنة وواعدة للاستثمار العقاري.
شفرة النفط.. كيف تُصنع الثروات قبل نقطة التحول؟
بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم القيادية، تدور خلف الكواليس العالمية رحى معركة من نوع آخر.... اقرأ المزيد
537
| 12 مايو 2026
ستبقى هي القضية الأولى
بات يقينا لديَّ أنه مهما انشغلنا بقضايانا العربية واستجدت أخرى فإن قضية فلسطين هي القضية الأزلية الثابتة لدينا... اقرأ المزيد
141
| 12 مايو 2026
الاستشارة بين جدران الثقافة.. لماذا نحتاج وسيطاً ذكياً؟
تُنفق الحكومات والمؤسسات الكبرى مبالغ طائلة على الاستشارات الإدارية في الخليج، ثم تجد نفسها أمام تقارير مُحكمة الإخراج،... اقرأ المزيد
210
| 12 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4539
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
4146
| 07 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
1326
| 12 مايو 2026