رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد القديدي

د. أحمد القديدي

مساحة إعلانية

مقالات

183

د. أحمد القديدي

ثلاث سنوات على طوفان الأقصى... وقطر في قلب الوساطة

09 أكتوبر 2026 , 12:00ص

من السابع من أكتوبر 2023 إلى السابع من أكتوبر 2026، لم تتغير غزة وحدها، بل تغيَّر الشرق الأوسط، وتغيرت صورة إسرائيل في العالم، وتبدلت مواقف قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. وبينما كانت دائرة الحرب تتسع وتتجاوز حدود غزة، اختارت قطر طريقًا آخر، أن تبقي باب السياسة مفتوحًا حين أغلقت الأبواب، وأن تتمسك بالوساطة والحوار حتى عندما وصلت صواريخ إسرائيل إلى الدوحة نفسها.

ثلاث سنوات مرّت على «طوفان الأقصى» التي شكلت زلزالًا سياسيًا وأمنيًا غيّر مسار المنطقة. ثلاث سنوات تبدلت خلالها الوجوه والخرائط والتحالفات، استشهد قادة، وسقط عشرات الآلاف من المدنيين، ودُمِّر جزء هائل من قطاع غزة، واتسعت المواجهة إلى لبنان واليمن وإيران وسوريا، وعادت القضية الفلسطينية لتفرض نفسها بقوة على الأجندة الدولية. وفي الذكرى الثالثة، تبدو غزة منهكة إلى حد يصعب وصفه. عشرات الآلاف من الفلسطينيين استشهدوا، وأعداد هائلة أصيبت أو نزحت، وتحولت أحياء كاملة إلى ركام، فيما بقي مستقبل القطاع وإعادة إعماره والتسوية السياسية أسئلة مفتوحة. فوفق تقرير لوكالة (رويترز) نشر يوم الأربعاء 7 أكتوبر 2026، تجاوز عدد الفلسطينيين الذين استشهدوا في العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023، 74 ألف شخص، بينهم ما لا يقل عن 1400 استشهدوا خلال العام الذي أعقب اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025. لكن السؤال بعد ثلاث سنوات لم يعد فقط: ماذا حدث لغزة؟ بل أصبح أيضًا: ماذا فعلت غزة بالعالم؟

منذ اللحظات الأولى للحرب، كان موقف دولة قطر واضحًا في أولوية وقف نزيف الدم وحماية المدنيين، ورفض التهجير وتصفية القضية الفلسطينية بالقوة، والتأكيد أن الحل السياسي العادل هو الطريق الوحيد إلى أمن مستدام. ولم يكن ذلك موقفًا ولد مع أحداث السابع من أكتوبر، بل امتدادًا لنهج سياسي رسَّخه حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، وجعل من الحوار والوساطة وحل النزاعات بالطرق السلمية إحدى ركائز السياسة الخارجية القطرية.

ومن هنا لم تدخل قطر أزمة غزة باحثة عن دور، فقد كان دورها الدبلوماسي والإنساني قائمًا قبل الحرب، لكن السابع من أكتوبر جعل هذا الدور أكثر أهمية، ووضع الدوحة أمام واحد من أصعب اختبارات الوساطة في تاريخ المنطقة الحديث، وتبعا لتوجيهات سمو الأمير، قاد معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، جهودًا دبلوماسية مكثفة بالتنسيق مع مصر والولايات المتحدة وشركاء دوليين وإقليميين، في محاولة لوقف الحرب، وإطلاق الرهائن والأسرى، وإدخال المساعدات الإنسانية، ومنع اتساع المواجهة إقليميًا، حيث أصبحت الدوحة المكان الذي تمر عبره الرسائل عندما يستحيل اللقاء بين أصحابها، والطاولة التي يعود إليها المتخاصمون بعدما تستنفد ساحات الحرب خياراتها. ومن هدنة نوفمبر 2023 وتبادل الرهائن والأسرى، إلى جولات التفاوض الطويلة والمتعثرة، بقيت قطر حاضرة في كل لحظة تقريبًا اقترب فيها الطرفان من اتفاق، وجاءت محطة يناير 2025 لتؤكد ثقل هذا الدور، عندما أعلن معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني من الدوحة نجاح الوساطة القطرية– المصرية– الأمريكية في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى والرهائن، بعد شهور طويلة من الاجتماعات والمفاوضات والاتصالات. ولم تنظر قطر إلى الاتفاق باعتباره نهاية لدورها، بل بداية لمسؤولية أكبر تتمثل في تثبيت وقف إطلاق النار وتحويل الهدنة إلى مسار سياسي مستدام يمنع عودة الحرب نهائيا.

لكن أكثر محطات السنوات الثلاث دلالة وخطورة جاءت في سبتمبر 2025، عندما امتدت الحرب التي حاولت قطر إخمادها إلى أراضيها، ونفذت إسرائيل ضربة في الدوحة استهدفت قيادات من حركة حماس كانت منخرطة في مسار التفاوض، كان الحدث أكبر من مجرد ضربة عسكرية، فقد مسَّ جوهر فكرة الوساطة نفسها. فإذا كان المفاوض يمكن أن يصبح هدفًا وهو موجود في عاصمة الوسيط، فأين يمكن للدبلوماسية أن تعمل؟ وكيف يمكن مطالبة الدول بالوساطة إذا لم تعد حتى ساحات التفاوض بمنأى عن الحرب؟

ومع ذلك، لم تتخلَّ قطر عن مسؤوليتها، ولم تسمح للاعتداء على سيادتها بأن يلغي إصرارها على إنهاء الحرب. بل واصلت الدوحة جهودها السياسية والإنسانية، وحافظت على قنوات الاتصال، وتمسكت بضرورة الوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار، وهنا تكمن إحدى أهم دلالات الدور القطري خلال السنوات الثلاث، فالقوة في العلاقات الدولية لا تقاس دائمًا بعدد الصواريخ والدبابات، بل تقاس أيضًا بالقدرة على جمع الخصوم، وامتلاك ثقة الأطراف، والحفاظ على قناة للحوار عندما يصبح الحديث بين المتحاربين شبه مستحيل. وقد استطاعت قطر أن تجعل من الوساطة أحد أبرز مصادر قوتها السياسية والدبلوماسية.

وبالتوازي مع هذه الجهود، كانت صورة إسرائيل في العالم تشهد تحولًا كبيرًا. ففي الأسابيع الأولى بعد السابع من أكتوبر، حظيت حكومة (نتنياهو) بدعم غربي واسع تحت عنوان حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، لكن استمرار الحرب وحجم الدمار والضحايا والنزوح والجوع في غزة غيَّر تدريجيًا طبيعة النقاش في الغرب. وانتقلت الانتقادات من الشوارع والجامعات إلى وسائل الإعلام والبرلمانات والحكومات والمؤسسات الدولية، وأصبحت سياسات حكومة (نتنياهو) موضع مساءلة حتى في دول تعد تاريخيًا من أقرب حلفاء إسرائيل. وامتد هذا التحول إلى المؤسسات القضائية الدولية، إذ أصبحت الحرب في غزة موضوعًا أمام محكمة العدل الدولية في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، فيما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي توقيف بحق (نتنياهو) و(يوآف غالانت) على خلفية اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كما خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة، وهو استنتاج ترفضه إسرائيل، فيما لم تصدر محكمة العدل الدولية حتى السابع من أكتوبر 2026 حكمًا نهائيًا في موضوع دعوى الإبادة. ولم يبق التغيير في المجال القانوني وحده، فقد اتخذت دول غربية بارزة في 2025، من بينها إسبانيا وبريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا، خطوة ذات دلالة سياسية كبيرة باعترافها بدولة فلسطين، فيما كشفت استطلاعات الرأي عن تراجع واضح في صورة إسرائيل والثقة بحكومة (نتنياهو) في العديد من المجتمعات الغربية، ولا سيما في أوروبا وبين الأجيال الشابة.

ورغم الاتهامات الموجهة إلى حكومة (نتنياهو) بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في قطاع غزة، واستمرار الإجراءات القضائية الدولية بشأنها، فإن قتل الفلسطينيين لم يتوقف حتى السابع من أكتوبر 2026. ففي الوقت الذي أحيا فيه الإسرائيليون الذكرى بإقامة مراسم وتجمعات تذكارية، تواصلت الهجمات الإسرائيلية، حيث أفادت تقارير باستشهاد أربعة فلسطينيين في غارات على غزة، من بينهم متطوع في الدفاع المدني، واستشهاد فلسطيني آخر في الضفة الغربية في واقعة شارك فيها مستوطنون وجنود إسرائيليون.

وهكذا عادت القضية الفلسطينية، التي تصور البعض قبل أكتوبر 2023 أنه يمكن تجاوزها أو تأجيلها في إطار إعادة ترتيب الشرق الأوسط، إلى قلب السياسة الدولية. وأثبتت السنوات الثلاث أن فلسطين لا يمكن إخراجها من معادلة أمن المنطقة، وأن أي مشروع إقليمي يتجاهل الحقوق السياسية المشروعة للشعب الفلسطيني سيبقى معرضًا للانفجار. وهنا تبرز مرة أخرى أهمية الرؤية التي تمسكت بها قطر منذ البداية، لا حل عسكريًا دائمًا لهذه القضية، ولا أمن لطرف يقوم على انعدام أمن الطرف الآخر، ولا استقرار للمنطقة من دون أفق سياسي عادل للفلسطينيين، يتمثل، حسب تعبير الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، في الاعتراف بحق الفلسطينيين في دولة مستقلة ذات سيادة عاصمتها القدس الشرقية.

مساحة إعلانية