رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في صغرنا كنا نستمع إلى أغنية دائماً ما كانت تتردد على مسامعنا وتصدح بها القنوات التلفزيونية والإذاعات الخليجية، حتى أصبحت تلك الأغنية مشهورة جداً في حينها، تقول في مطلعها "يا نواخذ أخذوني معاكم، ثم اطرحوا بي على مرسى المحبين".
تمثل كلمات تلك الأغنية قمة التطفل والاتكالية، فهي تصور العاشق الهائم وهو يطلب من "النواخذ" - وهي تسمية تطلق محلياً على ربابنة السفن-، أن يأخذوه معهم في رحلتهم الطويلة والمشوبة بالعمل الجاد والتعب والكدح الشاق، ليطرحوا به في طريقهم على مرسى المحبين ليتعاطى الحب ويطارح الغرام وينهل من معين العشق الناضب، وبالرغم من أن تلك الصورة فكاهية في ظاهرها، فإنها تجسد الواقع وتلامسه بشكل أو بآخر.
تتبلور تلك الصورة في كثير من المجالات التي يتطفل عليها البعض لينهلوا من معينها، ويغرفوا من فوائدها دون أن يكونوا جزءاً منها، وكأن لسان حالهم يقول "يا نواخذ أخذوني معاكم"، ومن المؤسف حقاً أن تلك الظاهرة تنشط في عالمنا العربي في مجال التخصصات الإنسانية والأدب والثقافة والفن، ظناً من المتطفلين أن "النواخذ" في تلك المجالات لن يفلحوا في كشف هوية العاشق الولهان، وفي الوقت الذي لا تخلو فيه مجالات أخرى كالتخصصات العلمية الدقيقة من المتطفلين، إلا أن ذلك التطفل محدود التأثير ويجد من يحاربه على كل حال.
مؤخراً صدر قرار بإلغاء فعاليات معرض الكتاب لهذا العام، بسبب تداعيات جائحة كورونا، وقد أحبط هذا القرار الكثيرين وأثار امتعاضهم، ولكن الظروف الراهنة كانت أقوى من التمنيات والتطلعات،
ولو توقفنا قليلاً لتقييم تجربة معارض الكتاب، نجد أنها تجربة ثرية تقدم فائدة للقارئ العربي وتعزز رصيد المكتبة العربية وتثري المسيرة الثقافية، إلا أن أي تجربة لا تخلو بطبيعة الحال من جانب سلبي، لابد من الوقوف عليه وعدم إغفاله، فبزيارة خاطفة لأي معرض كتاب، تصطدم بأنه أصبح يعج بدور الكتب التي لا تبيع إلا دفاتر التلوين والقرطاسية، ورفوف بعضها الآخر امتلأ عن بكرة أبيه "بالروايات الواتسابية".. وأعني بها تلك الروايات التي يغلب على لغتها لغة الواتساب والمحادثات، فالكل أصبح يتجرأ على الرواية وأصبح الكل راوياً يذيل روايته بتوقيعه وإهدائه للمعجبين، روايات تفتقر لأبسط قواعد الكتابة الروائية.. فلا حبكة درامية ولا لغة سليمة، مجرد كلام مبعثر أشبه بالسيناريو منه للرواية.
ومن المؤسف حقاً أننا نجد بعض كتّاب تلك النوعية من الروايات، تُعقد على شرفهم الندوات والملتقيات وجلسات القراءة، ويحظون بإشادة وتقدير "الراسخين" في الأدب والنقد، الأمر الذي يكشف لنا جلياً أن دائرة التطفل تتسع لتشمل الكثير من أولئك الراسخين أيضاً، فكيف تنطلي على بعض النقاد والأدباء الكثير من الكتابات الهشة والسطحية مع ما يشوبها من سوء اللغة وسخافة المصطلحات، ناهيك عن السرقات الأدبية وانتحال النصوص والاقتباس دون الإشارة للمصدر الأصلي!، وهو ما ينكشف جلياً وبسهولة لمجرد قراءة سريعة لبعضها. وباعتقادي فإن تلك الروايات والنصوص لم تكن لتمر على بعض المختصين إلا أن يكونوا هم أنفسهم مجرد لاعبي خفة يد وفانتازيا استطاعوا أن يقحموا أنفسهم في المجال دون أن يلحظهم أحد، وبذلك تستمر العملية في التكرار وسط حلقة مفرغة، وعلينا نحن تحمل تجرع السطحية والهشاشة، وان يبقى المثقفون والأدباء والكتاب الحقيقيون ينوؤون بأنفسهم عن هذه الفوضى العارمة.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: أليس من المفترض أن تكون هناك معايير صارمة لحماية مجالات هامة كالمجالات الأدبية والثقافية والفنية من تطفل المتطفلين؟، وألا يترك الحبل على الغارب أمام المتنطعين للتسلق على جهود الآخرين أو استغفال أفراد المجتمع وإبراز أنفسهم على الساحة والحصول على ما لا يستحقونه، وكيف تمر تجاوزاتهم من هشاشة النصوص والسطو على حقوق أدبية لمؤلفين آخرين دون إجراء أو تدقيق في المحتوى، فالخطوط الحمراء تنشط في جوانب ولكنها تخفت تماماً في جوانب أخرى حساسة ومهمة.
تعاني كثير من المهن والمجالات والتخصصات من ذلك التطفل، وأمام هذا الوضع ينبغي ألا يكون التعطش للإنتاج الأدبي والثقافي مسوغاً لقبول الهشاشة والضعف ودعم المتطفلين، تحت حجة البحث عمن يملأ الفراغ فقط، وبعيداً عن المناداة بتضييق الخناق أو تقليص الأفق أمام حرية الفكر الإبداع، فإنه من الضرورة بمكان وضع معايير صارمة ورقابة تحد من العشوائية والادعاء، والأمر منسحب على مجالات ومهن أخرى وليس محصوراً في الجانب الثقافي والإنتاج الأدبي فقط، فالعمل الصحافي التقليدي هو الآخر أصبح ينظر له من قبل البعض، وبكل أسف كشيء من الماضي القاحل، لا يتماشى مع روح التطور وعصر التكنولوجيا!.
وللحديث عن هذا الجانب المتعلق بالصحافة التقليدية وهو حديث ذو شجون، تبرز معه آفة التطفل بشكل جلي، فالفكرة المتبلورة عن المجال الصحافي التقليدي هي فكرة مخلة جداً، فالاعتقاد بأن المنصات الحديثة والتقنيات الإلكترونية أصبحت بديلاً للصحافة الورقية هو أمر صحيح ولا غبار عليه، إلا أن ما يجهله كثيرون هو أن استخدام المنصات الحديثة والاستغناء عن الوسائل التقليدية، لا يعني بأي حال من الأحوال أنه بات بالإمكان الاستغناء عن العمل الصحافي في جوهره، أو الاستعاضة عنه بالعشوائية والتخلي عن المعايير الأخلاقية التي تنظم الصحافة، وسوء الفهم هذا أمر مستشر في عالمنا العربي بشكل كبير للأسف.
في الواقع فإن التطورات التكنولوجية الحديثة أسهمت في تسهيل تطفل البعض على العمل الصحافي، دون أن يلزموا أنفسهم أو يلزمهم أحد عناء التقيد بأي معايير، فما أن يذهب الصحافي "التقليدي" لتغطية إحدى الفعاليات أو الأحداث المهمة إلا ويجد "صحافيي السوشال ميديا" يحثون الخطى أمامه يصولون ويجولون وهم ينقلون الحدث، وقد يستأثرون باهتمام ومكانة تتجاوز الدور الذي يقومون به، وهذا ما جعل البعض يجد ضالته فيهم، وأصبح لا يستغني عنهم في تغطية الأحداث، لأنهم يحققون له ما يصبو إليه من شهرة وانتشار كونهم يحظون بمتابعة الكثيرين، دون الأخذ بالاعتبار الجمهور المستهدف وطبيعة الفئة التي يستحوذ على اهتمامها ذلك "الصحافي"، الذي نحل لنفسه مسمى "إعلامي" للتخفف من الالتزام الذي ينظم مهنة الصحافة!، ليذهب بعد أن ينجز عمله الصحافي ويحصل على أجره الكبير نظير جهوده التي بذلها، ليقدم لمتابعيه المتعطشين والمستوعبين لكل شيء إعلانات تجارية لمطاهم ومقاه وغيرها من مرافق الترفيه والمتعة.
لقد أدى هذا الوضع إلى عزوف الكثيرين عن إتباع السبل المنظمة لولوج أي مجال، وطالما بقي الباب مفتوحاً على مصراعيه، سيجد البعض أن سبل التطفل على المجال أسهل من اتباع المعايير والقواعد السليمة التي تنظم المهن والتخصصات، ومع غياب إجراءات صارمة لتنظيم وتطبيق تلك القواعد، فإننا سنواجه لا محالة فوضى تكتسح مجالات مهمة وتضعف مخرجاتها.
وأمام هذه المعطيات تبرز أهمية إعادة النظر في التعامل مع الواقع بجدية أكبر، ووضع معايير أكثر تنظيماً لمختلف المجالات، وعدم التهاون في إجازة النصوص والروايات، وعدم السماح بطباعتها وتوزيعها دون التدقيق في محتواها، كما ينبغي أن يكون هناك تنظيم لمختلف المجالات ووضع معايير وتعريف لها وتصنيف العاملين فيها وإجازتهم، حتى لا يأتي علينا يوم نذهب فيه إلى معرض الكتاب لتلوين وجوه أطفالنا وشراء القهوة والتصوير مع المشاهير، وشراء رواية أو كتاب لا تساوي قيمته الورق المطبوع عليه، ولا يقدم محتواه أي فائدة تذكر، بل إنه قد يسهم في تسطيح الفكر والانحدار بذائقة القارئ العربي، ليدندن بينه وبين نفسه ويردد هو الآخر "يا نواخذ أخذوني معاكم ... هيلا هيلا".
حروب ما بعد الحرب!
الحرب هي القتال والصراع ومحاولة إلحاق الأذى بالعدو أو الطرف المقابل بكافة الوسائل المتاحة: الميدانية العسكرية والسياسية والاقتصادية... اقرأ المزيد
138
| 13 فبراير 2026
لعل وساطة الخير القطرية تطفئ فتيل المخاطر
جاء في تحليل نشرته (نيويورك تايمز) سؤال مهم وهو: هل تميل واشنطن تدريجيا نحو حل دبلوماسي تجاه إيران... اقرأ المزيد
111
| 13 فبراير 2026
ما أصعب الفراق
إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإن على فراقك يا عبدالعزيز لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا... اقرأ المزيد
93
| 13 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
15159
| 08 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1629
| 10 فبراير 2026
لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع مرور الوقت، ولا مجرد فصل جديد في صراع اعتدنا على تكراره. ما جرى كان لحظة فاصلة، كشفت الكثير مما كنا نفضّل تجاهله، ووضعت الجميع أمام واقع لم يعد من السهل الهروب منه. بعد الطوفان، لم تعد اللغة القديمة صالحة للاستخدام. لم يعد من الممكن ترديد العبارات نفسها، أو التظاهر بأن الصورة غير مكتملة. الصورة كانت واضحة، وربما كانت هذه أوضح لحظة شهدها هذا الجيل. أول ما سقط بعد الطوفان هو وهم الجهل. لم يعد أحد يستطيع الادعاء بأنه لا يعرف، أو أن الأمور بها لبس. كما سقطت فكرة النظام الدولي العادل. القانون الذي يعمل بانتقائية، وحقوق الإنسان التي تُفعّل حين تخدم المصالح وتُعطَّل حين تكون ضدها. والأهم انتهت اخطر كذبة كنا نكررها "ما باليد حيلة". وسقط أيضًا خطاب العجز الذي اعتدنا ترديده. ذلك الخطاب الذي يبرّر الصمت بحجة غياب القدرة، ويتعامل مع المأساة وكأنها قدر لا يمكن الاقتراب منه. ان تكون عاجزاً بعد الطوفان فهذا ليس بسبب الاوضاع بل بسبب اختيارك ان تكون عاجزاً. الطوفان لم يخلق قسوة العالم، لكنه كشفها بوضوح. كشف ازدواجية المعايير، وصمت المؤسسات، وبرود الخطاب السياسي أمام مشاهد لا تحتمل البرود. لكنه في الوقت نفسه كشفنا نحن، بطريقة ربما كانت مؤلمة أكثر. كشف سرعة انفعالنا، وسرعة تراجعنا. كشف كيف نغضب، ثم نتعب ثم نعتاد. كيف تتحول المأساة إلى صور، ثم إلى مقاطع، ثم إلى ذكرى بعيدة. كشف عدم قدرتنا على تحمل المناظر المؤلمة التي نراها في غزة عبر الفيديوات.. بينما اهل غزة يعيشون هذه المناظر فعلياً كل يوم ترك الطوفان أثرًا نفسيًا ثقيلًا. تعب عام، شعور بالعجز، وتقلّب مستمر بين الأمل واليأس. هذا التعب لا يُقاس بالأرقام، لكنه ينعكس في طريقة التفكير، وفي قبول الظلم باعتباره جزءًا من المشهد المعتاد. الخطر هنا ليس في الغضب، بل في الاعتياد. أن نصبح أقل دهشة، أقل صدمة. وضوح العدو لا يُعفي من مراجعة الذات. فالطوفان كشف ضعفنا في البناء الطويل، واعتمادنا المفرط على ردود الفعل. الغضب حاضر، لكن تحويله إلى مشروع مستمر، ما زال محدودًا. كما كشف تردّد النخب في تحمّل كلفة المواقف، وارتباك الجمهور بين الرغبة في الحقيقة والخوف من تبعاتها. النخب التي قال عنهم ابوعبيدة رحمه الله: انتم خصومنا امام الله. ما بعد الطوفان ليس مرحلة شعارات ولا خطابات حماسية. هو مرحلة أسئلة ثقيلة: كيف نفهم القوة؟ كيف نبني وعيًا ينهض بنا؟ إما أن يكون الطوفان نقطة تحوّل حقيقية، أو مجرد محطة أخرى في سلسلة صدمات اعتدنا أن نمرّ بها دون أن نتعلّم منها ما يكفي. ما بعد الطوفان يفرض مسؤولية أبعد من الغضب وأثقل من التعاطف. يفرض انتقالًا من حالة المشاهدة إلى موقع الفاعلية، ومن رد الفعل إلى الفعل الواعي طويل النفس. لم يعد السؤال: ماذا نشعر؟ بل ماذا سنفعل بهذا الشعور؟ لأن المشاعر التي لا تتحول إلى وعي، والوعي الذي لا يتحول إلى سلوك، ينتهي بهما الأمر وقودًا لجولة إحباط جديدة. أخطر ما قد يحدث بعد الطوفان ليس أن نُقهر، بل أن نقتنع أن أقصى دورنا هو أن نتألم ثم نعود إلى حياتنا كما كانت، وكأن الدم الذي رأيناه لم يكن اختبارًا أخلاقيًا مباشرًا لنا نحن، قبل أن يكون إدانة للعالم. بعد أن وقف اطلاق النار "الوهمي" حيث ان القصف لازال موجودا والقتل لازال موجودا ولكن الفرق هو ابتعاد الكاميرات عن غزة، بقيت الأسئلة بلا إجابات سهلة، يظل السؤال الأهم قائمًا: هل تغيّر العالم فعلًا، أم أنه كشف فقط حدود قدرتنا على التغيير؟ والأهم من ذلك.. هل تغيّرنا نحن بما يكفي؟ أم أننا ننتظر طوفانًا ودماء اكثر كي نتحرك فعلياً؟
834
| 10 فبراير 2026