رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

نبراس إبراهيم

مساحة إعلانية

مقالات

489

نبراس إبراهيم

رمضان مدرسةُ الروح وتجديدُ العهد

11 مارس 2026 , 04:35ص

حين يهلُّ رمضان، لا يجيء شهرًا من شهور العام فحسب، بل يجيء وعدًا إلهيًّا يتجدّد، ومدرسةً ربانية تُفتح أبوابها للقلوب قبل الأبدان، وتُستنهض فيها الأرواح للسباق الرباني. إنّه الموسم الذي تتخفّف فيه النفس من أثقالها، وتعود إلى فطرتها الأولى، حيث الصفاء أصلٌ، والتقوى غاية، واليقين زادُ السائرين. لقد أعلن القرآن غاية الصيام في بيانٍ جامعٍ مانع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فالتقوى ليست ثمرةً عابرة، بل هي روحُ المنهج، ولبُّ المدرسة. وفي رمضان يتعلّم المرء كيف يراقب ربَّه في السرّ قبل العلن، وكيف ينتصر على شهوته وهو قادرٌ عليها، فيتحوّل الامتناع عن المباح إلى تمرينٍ على اجتناب المحرّم، ويغدو الجوع رسالةً تذكّر الغافل بضعفه، وتوقظ في القويّ معنى الرحمة. رمضان هو مدرسةُ الروح؛ لأنّه يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وربّه. ففي لياليه تتنزّل السكينة، وتُفتح أبواب السماء، ويقف المؤمن بين يدي مولاه قائمًا خاشعًا، يستعيد معنى العبودية الحقّة. قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. ما أرقّ هذا القرب! وما أعظم هذا الوعد! كأنّ الصائم حين يظمأ ويجوع، إنّما يقرع باب السماء بلسان الحال قبل المقال، فيُقال له: لبيك، إنّي قريب. في هذا الشهر يتجدّد العهد مع القرآن، الكتاب الذي اختار له الله هذا الزمان ليكون مهد نزوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. فليس رمضان زمن امتناعٍ عن الطعام فحسب، بل زمن امتلاءٍ بالوحي. إنّ الأرواح التي تظمأ في النهار، ترتوي في الليل بآياتٍ تتلى، وقلوبٍ تخشع، ودموعٍ تترقرق على محاريب الدعاء. وهنا تتجلّى أعظم دروس المدرسة: أن الحياة بلا قرآن قحطٌ، وأن القلب بلا ذكرٍ موات. وها نحن اليوم على أعتاب العشر الأواخر من هذا الشهر المبارك؛ تلك الليالي التي يشتدّ فيها السباق، وتسمو فيها الأرواح إلى ذرى القرب. إنّها خلاصة الموسم، وزبدة الرحلة، حيث تتجلّى النفحات الربانية، وتُرجى ليلةٌ جعلها الله خيرًا من ألف شهر. في هذه الليالي كان النبي ﷺ يشدّ المئزر، ويحيي الليل، ويوقظ أهله، كأنّ الزمن يضيق، وكأنّ القلب يستشعر أنّ الفرصة الأخيرة قد أقبلت. إنها ليالٍ تُقاس فيها الأعمار لا بالساعات، بل بما يفيض فيها من دموع التائبين، وأنفاس الذاكرين، وسجود المنكسرين بين يدي رب العالمين. رمضان هو مدرسة الأخلاق قبل أن يكون مدرسةً في الشعائر. فيه يتعلّم الصائم الحِلم، ويتمرّن على كظم الغيظ، ويستحضر وصيّة النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن سابَّه أحدٌ أو قاتله فليقل إنّي صائم». إنّه تدريبٌ عمليّ على سموّ الخُلُق، حيث يتحوّل الامتحان اليوميّ إلى فرصةٍ للترقّي، ويتحوّل الاحتكاك بالناس إلى ميدان جهادٍ للنفس. وهكذا يخرج المتخرّج من هذه المدرسة بقلبٍ ألين، ولسانٍ أصدق، ويدٍ أندى. في هذا الشهر الكريم تتجلّى قيم التكافل والتراحم في أبهى صورها، يغدو رمضان مناسبةً لتجديد العهد الاجتماعيّ كذلك؛ عهدِ التراحم والتضامن، وإغاثة المحتاج، وصلة الأرحام. فالمدرسة لا تُخرّج أفرادًا منعزلين، بل تبني أمةً متراحمة، يستشعر غنيُّها مسؤولية الفقير، ويعلم قويُّها أنّ في ماله حقًّا معلومًا للسائل والمحروم. رمضان هو العهدٌ يتجدّد بين العبد وربّه: عهدُ التوبة والإنابة. كم من قلبٍ أثقلته الذنوب، فيناجي خالقه في ليلةٍ مباركة، والدمع منهمر اعترافًا وندمًا، ويهمس: ربّاه، إني قد عدتُ إليك، وأنبت. فيأتيه الجواب من آيةٍ تفيض رجاءً: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. هكذا يتحوّل الشهر إلى ميلادٍ جديد، وتغدو التوبة بدايةَ طريقٍ لا نهايةَ موسم. إنّ رمضان ليس محطةً عابرة في رزنامة العام، بل هو معيار الصدق مع الله. فمن خرج منه وقد ازداد قربًا، وأحكم صلته بالقرآن، وهذّب خُلُقه، وأصلح سريرته، فقد فهم الدرس ونجح في الامتحان. أمّا من ودّعه كما استقبله، فقد حضر الجسد وغابت الروح. فلنجعل من رمضان مدرسةً لا ينتهي أثرها بانتهاء أيامه، ولنجعل من عهده مع الله عهدًا دائمًا لا موسميًّا؛ فإذا انقضى الشهر، بقيت التقوى، وإذا أفل الهلال، بقي النور في القلب. ودائم القول منا: اللهم ردَّنا إليك ردًّا جميلًا.

اقرأ المزيد

alsharq النظام في إيران بين خطاب التبرير وسياسات التصعيد

دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التوتر الأمني مع اتساع رقعة الحرب التي اندلعت في 28 فبراير... اقرأ المزيد

330

| 17 مارس 2026

alsharq وداعاً أيها الراقي المتميز

يوم الأحد الماضي وردنا خبر وفاة مذيع قناة الجزيرة المتألق الراحل جمال ريان، رحمه الله وغفر له، والذي... اقرأ المزيد

411

| 17 مارس 2026

alsharq رمضان ليس موسماً للتسول

يأتي شهر رمضان كل عام محملًا بقيم الرحمة والتكافل الاجتماعي، وهو شهر تتضاعف فيه أعمال الخير، ويحرص الناس... اقرأ المزيد

135

| 17 مارس 2026

مساحة إعلانية