رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سألني أحد الأصدقاء ذات يوم "أنت الذي عايشت منذ أكثر من ثلث قرن انطلاقة المجتمع القطري نحو هذه المكانة الرائدة هل لك أن تخبرني عن أكبر إنجاز تحقق في نظرك؟ "فأجبت سائلي دون تردد: "في رأيي المتواضع أعتبر أم المعارك الحضارية التي بوأت قطر منزلة العلا هي معركة التعليم والسعي للتميز وهو ما دعمته صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر صلب المؤسسة القطرية لتنمية المجتمع التي تضم المدينة التعليمية والتي أصبحت منارة مضيئة للريادة في مجالات إنشاء الإنسان القطري والخليجي عموما على قواعد العلم والمعرفة والذكاء والمبادرة والتوق للأفضل".
وعلى صعيد مختلف لو قرأنا الأسباب الحقيقية وراء اندلاع نيران الغضب العربي خلال سنة 2011 وشبوب الحرائق هنا وهناك ضد الأنظمة القديمة القائمة وضد تكلس المجتمعات المدنية وضد تصلب شرايين الأجيال الصاعدة، ولو تأملنا أعماق ما وقع من تغييرات سياسية وتعليمية لم تكن موفقة ومن أحلام أجهضت لاكتشفنا أن أصل الداء العربي في أغلب المجتمعات العربية إنما يكمن في تعليم فاشل وتربية خاطئة أو مفقودة ومؤسسات تعليمية عقيمة، وبالطبع إلى جانب فساد بعض الأنظمة السياسية بلا شك، حيث انفجرت غضبات الشباب العاطل المهمش بعد سنوات قضاها على مقاعد الدراسة من الجد والكد بعد أن باع الوالدان ما يعز عليهما لكي يتخرج الابن أو الابنة ويبتسم لهما الحظ بعمل شريف يليق بالشهادات المتحصل عليها. فإذا بالخريج والخريجة من الجامعات يجدان نفسيهما على قارعة طريق الحياة ولا أمل أو بصيص أمل بعمل أو وظيفة. وتمضي السنوات وتأكل كراسي المقاهي حياة الشاب كما تأكل غرف المنزل وأرصفة الشوارع حياة الشابة وتنفتح أمامهما أبواب أخرى، فإما الهجرة السرية أو الانحراف، أو الصبر على عمل لا يتلاءم مع الكفاءة والشهادات وبالطبع في كل الحالات يكون اليأس من المجتمع الجائر ثم الثورة عليه أملا في حصول المعجزة مع نظام بديل رغم أنه غير مأمون.
ونعلم جميعا ما انحرفت إليه جميع الانتفاضات من خيبات أمل الشباب بل ومن تعميق الهوة بينهم وبين مجتمعات بلا دولة وبلا رؤية وطنية توافقية ترفع النخبة فوق الأحزاب والقبائل وما آلت إليه بعض بلداننا من انتشار الإرهاب فذبلت براعم أزهار ما خلناه ربيعا عربيا في زحمة الأشواك، فتساءلت جماهير العرب أين الوعد الحق؟
وهل لليوم الكالح من غد مشرق وأليس الصبح بقريب؟ ولم أشهد بعد تلك الانكسارات تفكيرا جديا وموضوعيا في أسباب هزيمة العقل العربي أي الإشارة الصريحة الى برامج التربية والتعليم، لأنها هي التي هندست لنا الخيبات وصنعت الأزمات، فالشباب الذي خرج للشوارع بصفة تلقائية إنما هب لينادي بالشغل والكرامة والحرية ولكن أساسا بالشغل الذي هو الضامن للكرامة وللحرية وبما أنني بحكم مسيرتي العسيرة في الحياة بدأت حياتي المهنية مدرسا في المدارس الابتدائية الريفية حين انقطعت عن مواصلة تعليمي ثم كنت مدرسا مؤقتا في بعض المعاهد الثانوية ثم انتهيت أستاذا في الجامعة إلى أن أشرفت على رسائل دكتوراه وانتقلت بي تقلبات الدهر من تونس العربية الإفريقية إلى فرنسا المسيحية الأوروبية إلى قطر العربية المسلمة الخليجية إلى كندا الأمريكية الشمالية (ولو عن بعد وضمن التعليم الإلكتروني) فكتب الله لي أن أعايش تجارب الأمم في صناعة الأجيال وهندسة التوازن الاجتماعي الذي لا يكون إلا نتاج تعليم ناجح موفق وتأملت في إشكالية التربية وتجارب الملاءمة بين مخرجات التعليم ومدخلات سوق الشغل وتعمقت في تحليل النماذج الناجحة في بلدان مختلفة الأعراق والأديان والثقافات لأتعرف على أسباب التميز وتسخير مؤسسات التربية من أجل ضمان التقدم الاقتصادي وتلافي الخلل الاجتماعي وتوفير الحظوظ المتكافئة لجميع الشباب دون تمييز، وكل ذلك في كنف الأمن المدني وتواصل حلقات الأجيال وتحقيق نسب عالية من مؤشرات التنمية البشرية والمعرفية والثقافية. ومن بين النماذج التي أعتبرها جديرة بالمتابعة والاستلهام بالنسبة لنا نحن العرب نموذج سنغافورة ذات الثقافة البوذية والهندوسية والبراهمانية والكنفوشية والمسيحية والطاوية وبعض الهنود المسلمين فتجد المعابد لجميع هذه الأديان والمعتقدات لكن اللغة الإنجليزية وهي اللغة الرسمية والأكثر تداولا تجمع كل الملل والنحل إلى جانب مركز التكنولوجيا الخلاقة (كرياتيف تكنولوجي) وسكان سنغافورة الأربعة ملايين من أصول صينية وهندية وأوروبية. كل هذه الفسيفساء جعلت من الشعب السنغافوري وحدة حقيقية صماء بفضل إعلاء الشأن الوطني العام فوق اعتبارات العرق والمعتقد والسياسة فكان التعليم هو الروح الجامعة لمواطنيها.
والنموذج الثاني هو الماليزي تلك البلاد ذات الأغلبية الساحقة من المسلمين وذات ال28 مليون ساكن وهي تحتل المرتبة الثالثة في القارة الآسيوية من حيث حيوية اقتصادها والمرتبة الثالثة والعشرين عالميا بمعدل نمو سنوي لم ينزل دون الـ6,5 طوال العقدين الأخيرين وأصبحت ماليزيا كعبة القاصدين للتجارة الدولية والسياحة الطبية وتوفر جامعات راقية في شتى مجالات العلوم والتكنولوجيا. أما النماذج الأخرى فهي من بلدان أوروبا الشمالية الاسكندنافية مثل فنلندا والسويد والنرويج والدانمارك وهي البلدان الأقل نسبة عاطلين من مجموع السكان (النسبة تتراوح في هذه البلدان الثلاث بين 2,5% و4,5 % مقابل 15% في فرنسا و19% في أسبانيا واليونان إلى آخر قائمة البلدان الأوروبية المصنعة ولم تحد عن هذه النسب العالية من البطالة سوى ألمانيا لأسباب عديدة).
وإذا اتفقنا على أن بطالة الشباب العربي هي بيت الداء في المجتمعات العربية بل وقنبلتها الموقوتة وهي التي كانت القشة التي قسمت ظهر بعيرنا العربي فالمتهم الرئيسي لدينا هو التعليم وخياراته الفاسدة منذ استقلال شعوبنا عن الاستعمار ثم إذا اتفقنا على أن التطرف الديني أو العلماني هو الذي فرخ الإرهاب فالمتهم الأول أيضا هو التعليم. أما الحلول فهي التي استلهمها من تجارب البلدان التي ذكرتها والتي مهما كانت الاختلافات بينها فقد أسست تعليمها على ما يسمى المدرسة المفتوحة (أوبن سكول) أي أن المدرسة لم تعد مؤسسة مركزية واحدة موحدة البرامج تسقط عليها برامجها التربوية من فوق بل تحولت إلى مؤسسة محلية يتكون مجلس إدارتها من أرباب الصناعة والمزارعين من القرية أو المدينة ذاتها التي فيها المدرسة إلى جانب برنامج وطني مشترك ينمي في الأجيال شعور الانتماء إلى وطن واحد.
فالمدرسة المفتوحة على محيطها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي المحلي وبيئتها الطبيعية هي التي تصنع جيلا لا يغادر قريته ولا مدينته بل ينشأ على معرفتها ومحبتها والرغبة في العيش فيها وبالتفاعل اليومي بين المدرسة والحياة الاقتصادية من حولها لا يتعب الخريج في إيجاد موطن شغل. أما المركزية السخيفة البالية في مؤسساتنا التعليمية العربية فإنها تحفر الخنادق بين الإنسان وأرضه وتدفعه للهجرة وتباعد بينه وبين الكرامة والشغل والحرية. فلنعد النظر بعمق وجرأة في مصنع أجيالنا قبل أن يهب الإعصار! وهذا ما قامت به القيادة القطرية الرائدة حين بدأت بالمدرسة وأنشأت أجيالا من المواطنين الواعين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
8391
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4845
| 05 أغسطس 2026
منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، لم يتوقف عن سؤال محوري يتكرر بصور مختلفة: أين نقف؟ وعلى أي أرض نسير؟ قد يبدو السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة التي حيّرت الفلاسفة، وأربكت العلماء، وأشعلت الجدل بين الحضارات. والأعجب من ذلك أن هذا الاستفهام ما زال حتى اليوم يثير انقساماً فكرياً واسعاً، رغم كل ما بلغته البشرية من تقدم هائل في علوم الفضاء والاستشعار عن بُعد. فهل الأرض كرة كاملة؟ أم أنها مفلطحة عند القطبين وأقرب إلى الشكل البيضاوي؟ أم أن هناك من يرى أنها ليست كذلك أصلًا، وإنما هي سطح واسع لم نفهم تمام كنهه بعد؟ إن المتأمل المنصف لا يستهين بأي سؤال، ولا يقدس رأياً لمجرد شيوعه؛ فتاريخ العلم كله قائم على مراجعة المسلّمات. لقد كان الناس يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض ثم تبدلت الصورة، وظنوا أن الذرة أصغر جزء في الكون حتى انقسمت إلى عالم أعجب، وكانوا يرون الزمن ثابتاً حتى جاء أينشتاين ليجعله قابلاً للتمدد والانكماش. وهذا يدلك على أن العلم ليس كتاباً أُغلق، بل رحلة استكشاف لا تنتهي. النموذج العلمي السائد تتبنى المؤسسات العلمية في العالم أن الأرض ليست كرة تامة، بل جسم مفلطح قليلًا عند القطبين ومنتفخ عند خط الاستواء، وهو ما يُعرف في الفيزياء بـ "القطع الناقص الدوراني" ويستند هذا النموذج إلى صور الأقمار الصناعية، وحسابات الجاذبية، وملاحة الطائرات والسفن، والقياسات الدقيقة مما جعله الأكثر قبولاً في المجتمع العلمي. لماذا يستمر الجدل؟ في المقابل، ترى فئة أخرى أن كثيراً مما يُقدَّم للناس يعتمد على الثقة بالمؤسسات أكثر من اعتماده على التجربة الشخصية المباشرة. ويطرح أصحاب هذا الاتجاه أسئلة من قبيل: كيف يشعر الإنسان بوجود دوران الأرض؟ ولماذا يبدو الأفق مستقيماً؟ وهل تعكس جميع الصور الفضائية الواقع كما هو؟ قد يختلف الباحث مع هذه التساؤلات أو يوافقها، لكنها تبقى جزءاً من حركة الفكر الإنساني التي لا يجوز مصادرتها بالسخرية؛ فالعلم الحقيقي لا يخاف من السؤال. المقاربة القرآنية ومن اللافت أن القرآن الكريم لم يجعل الشكل الهندسي للأرض قضية إيمانية، ولم يربط الهداية بأبعادها؛ بل وجَّه الإنسان إلى ما هو أعظم وأشمل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. دعا القرآن إلى التفكر في التكوين، ولم يفرض نموذجاً هندسياً محدداً. ولهذا نجد ألفاظاً مثل "مدّ الأرض"، "دحاها"، و"سطحت"، وهي تعابير تناولها المفسرون بطرائق متعددة دون أن يجعلوا منها سبباً للتنازع أو الخلاف. عالم الأراضين السبع… أبعاد تتجاوز الإدراك ومما يزيد الأمر ذهولاً وتأملاً، أن النص القرآني لم يقف عند حدود هذه الأرض التي نعيش عليها ونقيس أبعادها، بل أشار إلى أبعاد وعوالم أخرى بوضوح في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. إن هذا التماثل بين السماوات والأراضين يفتح الباب أمام أسئلة أكثر عمقاً وأشد إبصاراً: هل أرضنا هذه مجرد طبقة واحدة من منظومة أعظم؟ وهل الأراضين الأُخرى طبقات جيولوجية داخلية، أم أبعاد كونية موازية لا نراها بأعيننا ولا تدركها مراصدنا؟ لقد أشار المفسرون الأوائل - كابن عباس رضي الله عنهما - إلى أن في كل أرض خلقاً وعوالم لا نعرف حقيقتها. واليوم، تقترب الفيزياء النظرية الحديثة من هذا المفهوم حين تتحدث عن "الأبعاد المتعددة" و"الأكوان الموازية"، مما يثبت أن محاولة حصر "الأرض" في شكل هندسي مجرد (كرة أو سطح) قد يكون تبسيطاً قاصراً لواقع كوني معقد جداً لم نكتشف منه إلا القشور. هل الحقيقة أكبر مما نتصور؟ يخبرنا التاريخ أن الإنسان كثيراً ما ظن أنه وصل إلى نهاية المعرفة، ثم اكتشف أنه كان في بدايتها فقط. فلعل أجيال القرن القادم سيبتسمون لبعض نقاشاتنا اليوم كما نبتسم نحن لنظريات القرون الوسطى، وربما يكتشف العلم مستقبلاً أن توصيف الأرض أعقد بكثير من مجرد حصرها في كلمات مثل "كرة" أو "بيضة" أو "سطح"؛ فالطبيعة لا تُختصر في المصطلحات. إن المشكلة الحقيقية ليست في شكل الأرض، بل في شكل العقول؛ فهناك من يحوّل الرأي العلمي إلى عقيدة جامدة لا تُناقش، وهناك من يتخذ النظرية غير المثبتة يقيناً مطلقاً، وكلا الطرفين يبتعد عن روح البحث العلمي السليم. فالقيمة الكبرى ليست في الوصول إلى الشكل النهائي، بل في بقاء العقل حراً يجمع بين الإيمان، والتواضع، والبرهان.
966
| 06 أغسطس 2026