رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

وجيدة القحطاني

• ناشطة اجتماعية

مساحة إعلانية

مقالات

144

وجيدة القحطاني

خطاب سمو الأمير.. الحكمة والصلابة

24 سبتمبر 2026 , 12:00ص

لم تكن كلمة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، مجرد عرض لما واجهته دولة قطر من تحديات خلال الفترة الأخيرة، وإنما قدم تصورًا متكاملًا لكيفية حماية الدولة لمقومات حياتها الطبيعية، والحفاظ على مسار التنمية، في ظل ظروف إقليمية بالغة التعقيد. فقد أكد سموه أن قطر عززت صمودها دفاعًا عن سيادتها وأرضها وشعبها، بالتوازي مع استمرارها في العمل الدبلوماسي، وتصميم خطط اقتصادية مرنة، والتمسك بمشروعاتها التنموية رغم الكلفة الباهظة التي فرضتها الحرب الأخيرة في المنطقة.

ويكشف هذا الطرح عن رؤية تعتبر أن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على مواجهة الأزمات لحظة وقوعها، وإنما بمدى استعدادها المسبق لها، وبقدرتها على حماية حياة مواطنيها والمقيمين على أرضها، وضمان استمرار المؤسسات والخدمات والتنمية. ومن هنا جاء تأكيد سمو الأمير أن خيار قطر عند كل منعطف وفي كل أزمة يقوم على الجمع بين الثبات والمرونة، وإعلاء مصلحة الوطن وشعبه والمقيمين فيه.

وفي هذه الرؤية، لا تبدو المرونة نقيضًا للثبات، بل وسيلة لحماية الثوابت والحفاظ عليها. فسمو الأمير شدد على أن كرامة الوطن لا تقايض، وأن الحكمة والصلابة وجهان لعملة واحدة، بما يعكس نهجًا يقوم على الجمع بين حماية السيادة والقدرة على التعامل الواقعي مع المتغيرات، دون التخلي عن مسار التنمية أو مقومات الحياة الطبيعية.

ولعل أبرز ما يلفت في كلمة سموه هو الربط المباشر بين الصمود والاستثمار في الإنسان. فقد أكد أن التجارب والتحديات أثبتت أن الصمود لا يأتي بصورة مفاجئة، وإنما هو حصيلة ما يسبقه من تخطيط واستعداد واستثمار في الإنسان وفي القدرات الوطنية. ولذلك عملت دولة قطر، وفق ما أوضحه سموه، على مدى سنوات على دراسة المخاطر وتأمين سلاسل الإمداد وتعزيز قدرات المؤسسات الوطنية وبناء احتياطيات استراتيجية وإقامة شراكات دولية موثوقة.

وهنا يبرز البعد الاجتماعي في مفهوم الصمود الذي طرحه سمو الأمير؛ فالدولة التي تستعد للأزمات هي التي تضع في مقدمة أولوياتها حماية المجتمع واستمرار الحياة اليومية، وعدم السماح للظروف الاستثنائية بأن تعطل مسيرة التنمية أو تمس قدرة مؤسساتها على أداء أدوارها. ومن ثم يصبح تأمين الاحتياجات الأساسية وتعزيز المؤسسات وبناء الاحتياطيات جزءًا من منظومة حماية المجتمع، وليس مجرد إجراءات اقتصادية أو إدارية.

كما وضع سمو الأمير التنمية في سياق أوسع، حين أكد إدراك دولة قطر للتكامل بين السلم والأمن والتنمية وحقوق الإنسان وسيادة القانون، ومواصلة الاستثمار في التنمية والتعليم والصحة والأمن والتنويع الاقتصادي بما يتماشى مع رؤية قطر الوطنية 2030. ويعني ذلك أن التنمية في التصور الذي قدمه سموه ليست مسارًا منفصلًا عن الاستقرار، وإنما عنصر أساسي من عناصر قدرة المجتمع والدولة على مواجهة الأزمات والاستمرار في بناء المستقبل.

ويحتل التعليم والصحة، في هذا الإطار، موقعًا مهمًا ضمن منظومة الاستثمار في الإنسان، إلى جانب بناء القدرات الوطنية وتعزيز المؤسسات. فالحفاظ على مسار التنمية في أوقات الأزمات يعني، وفق مضمون الكلمة، عدم النظر إلى الإنفاق على الإنسان باعتباره أمرًا يمكن تأجيله، وإنما باعتباره جزءًا من الاستعداد للمستقبل ومن بناء القدرة الوطنية على الصمود.

ولم يغفل سمو الأمير البعد التاريخي لهذا النهج، حين أشار إلى الجذور التي غرسها قادة قطر، من المؤسس الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني إلى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمير البلاد بين عامي 1995 و2013، الذي غادر هذا العام، وحرص سموه على توجيه الشكر للجمعية العامة للأمم المتحدة لعقد جلسة خاصة تكريمًا لذكراه وتقديرًا لإرثه.

ويكتسب استحضار هذه المسيرة أهمية خاصة في سياق حديث سمو الأمير عن الصمود؛ إذ يضع السياسات والممارسات الراهنة في إطار نهج ممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ الدولة. وقد أكدت الأمم المتحدة، خلال جلسة تكريم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في سبتمبر الجاري، أن إرثه ارتبط بالتحول في الداخل والحوار والدبلوماسية في الخارج، مع تأكيد أهمية التنمية المرتكزة على كرامة الإنسان.

ومن اللافت كذلك أن سمو الأمير لم يقدم الصمود باعتباره انغلاقًا على الذات، بل ربطه باستمرار الجهود الدبلوماسية وبالشراكات الدولية الموثوقة. فالدولة، كما أوضح، عززت قدراتها الوطنية وتأمين سلاسل الإمداد والاحتياطيات الاستراتيجية، وفي الوقت نفسه واصلت بذل كل ما في وسعها لتدارك الأوضاع بالجهود الدبلوماسية.

وهذا الجمع بين الاستعداد الداخلي والانفتاح على التعاون الخارجي يعكس فهمًا للصمود باعتباره قدرة متكاملة؛ تبدأ من الداخل عبر بناء الإنسان والمؤسسات والاقتصاد، وتمتد إلى الخارج من خلال العلاقات والشراكات والجهود الرامية إلى التعامل مع الأزمات بالوسائل الدبلوماسية.

كما أن حديث سمو الأمير عن الشعب والمقيمين على أرض قطر يضع الإنسان في مركز هذه الرؤية، باعتباره جزءًا أساسيًا من معادلة الاستقرار والتنمية. فالدفاع عن الوطن، وفق ما جاء في الكلمة، لا ينفصل عن الدفاع عن مقومات الحياة الطبيعية، ولا عن استمرار المشروعات التنموية التي تمس حاضر المجتمع ومستقبله.

وفي ظل الأزمات التي تشهدها المنطقة، تبدو الرسالة الأساسية في كلمة سمو الأمير واضحة: إن مواجهة التحديات لا تعني تعليق التنمية، كما أن مواصلة التنمية لا تعني تجاهل المخاطر. وإنما يكمن التحدي في القدرة على الجمع بين الأمرين؛ الاستعداد لمواجهة الظروف الاستثنائية، والاستمرار في بناء القدرات التي تجعل المجتمع أكثر قدرة على التعامل معها.

ومن هذا المنظور، يصبح الصمود مشروعًا مستمرًا وليس رد فعل مؤقتًا، يبدأ بالتخطيط والاستعداد، ويمر بالاستثمار في الإنسان، وتعزيز المؤسسات وتأمين الاحتياجات الأساسية، ويستند إلى اقتصاد مرن وشراكات موثوقة، مع استمرار العمل من أجل السلام والاستقرار عبر الجهود الدبلوماسية.

وتأتي رؤية قطر الوطنية 2030 في هذا السياق باعتبارها الإطار الذي يربط بين التنمية وبناء القدرات الوطنية، بما يجعل الإنسان محورًا أساسيًا في مسيرة الدولة. وقد أكد سمو الأمير أن مواصلة الاستثمار في التنمية والتعليم والصحة والأمن والتنويع الاقتصادي تأتي في إطار هذه الرؤية.

وبذلك حملت كلمة سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام الأمم المتحدة رسالة تتجاوز توصيف الظروف الراهنة إلى التأكيد على منهج في التعامل معها: ثبات في حماية السيادة والمصالح الوطنية، ومرونة في إدارة الأزمات، واستعداد يقوم على التخطيط، واستثمار مستمر في الإنسان والقدرات الوطنية، وتمسك بمسار التنمية.

إنها معادلة يختصرها مضمون الكلمة في أن صمود الوطن لا يبدأ عند اندلاع الأزمة، بل يُبنى قبلها بسنوات؛ عبر مجتمع قادر، ومؤسسات مستعدة، واقتصاد مرن، وتنمية لا تتوقف، وإنسان يأتي في قلب كل هذه الجهود.

اقرأ المزيد

جلد الذات.. عندما يتحول الناقد الداخلي إلى عدو للحياة جلد الذات.. عندما يتحول الناقد الداخلي إلى عدو للحياة

لا يوجد إنسان لم يخطئ، فالكمال ليس من صفات البشر، وإنما هو من صفات الخالق سبحانه وتعالى. ومع... اقرأ المزيد

426

| 11 أغسطس 2026

النجاح يبدأ بفكرة... والفكرة تحتاج إلى مؤمن بها النجاح يبدأ بفكرة... والفكرة تحتاج إلى مؤمن بها

"ابتعد عن السلبيين... لأنهم يملكون مشكلة لكل حل".. حكمة قالها ألبرت أينشتاين، ومعناها يحمل دلالة عميقة؛ فالأشخاص السلبيون... اقرأ المزيد

363

| 28 يوليو 2026

الأمير الوالد.. حين يبكي الوطن أباه الأمير الوالد.. حين يبكي الوطن أباه

هناك رجال يرحلون بأجسادهم، لكنهم يبقون في تفاصيل الحياة اليومية لشعوبهم. وهناك قادة لا تُقاس مكانتهم بعدد السنوات... اقرأ المزيد

522

| 18 يوليو 2026

مساحة إعلانية