رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- الأمير الوالد كان يتطلع إلى مكتبة وطنية تليق بقطر وتحفظ التراث وتنفتح على المعرفة المعاصرة
- الشيخة موزا تقوم بدور كبير في متابعة نشاط المكتبة لتنهض بدورها الكبير في خدمة المعرفة وصون التراث وتنمية المجتمع
- ازدهرت الحضارة العربية من خلال دوائر متعددة من الرعاية والترجمة والتأليف والوراقة والمجالس العلمية
- المكتبة تتيح المواد الرقمية والمخطوطات العلمية العربية مع شروح باللغتين العربية والإنجليزية مجاناً للباحثين
- مجالسنا تتلاقى فيها الأجيال وتُروى التجارب وتُناقش شؤون الحياة وتمثل التصور الوجداني لدور المكتبة
- الإتاحة الرقمية توسع رسالة المكتبة وتستدعي العمل على سد الفجوة بين من يملك الوسيلة والمهارة ومن يفتقر إليهما
- من مكتبة الإسكندرية إلى مكتبة قطر الوطنية تمتد رحلة العناية بذاكرة الإنسان وتتسع هذه العناية لتشمل صلته بغيره وشعوره بالانتماء
- ستظل للمكتبة مكانتها ما دام الإنسان يحتاج إلى المعرفة وإلى مكان يلتقي فيه بالإنسان
لم يكن في ذهني أن أكتب عن المكتبات حين جلست صباحًا لإعداد كلمة افتتاحية للنسخة الخامسة من منتدى «المكتبات في الصدارة»، المقرر انعقاده في مكتبة قطر الوطنية يومَي 14 و15 أكتوبر 2026، حول «المكتبات كمؤسسات للتنمية المجتمعية». لكن الموضوع فتح أمامي باب التأمل في تاريخ المكتبات وتجدد رسالتها، وما يدعو الناس إليها في زمن يحملون فيه آلاف الكتب في جهاز صغير.
حين نستحضر مكتبة الإسكندرية القديمة، نستحضر طموحًا إنسانيًا إلى جمع المعرفة ودراستها، وحياةً علمية ارتبطت بالبحث والتعلم. وقبلها كانت مكتبة آشور بانيبال في نينوى، في القرن السابع قبل الميلاد، قد حفظت في ألواحها الطينية نصوصًا مسمارية تشهد على معرفة أهل ذلك العصر واهتماماتهم. تغيرت أوعية الكتابة، وبقيت الحاجة إلى حفظ الذاكرة ونقلها إلى الأجيال.
وفي الحضارة العربية والإسلامية، احتلت الكتب وخزائنها مكانة بارزة. نستحضر بيت الحكمة في بغداد، ومكتبات قرطبة والقاهرة، وخزائن الكتب في المدارس والمساجد وبيوت العلماء. وقد ازدهرت المعرفة من خلال دوائر متعددة من الرعاية والترجمة والتأليف والوراقة والمجالس العلمية؛ وكانت المكتبات جزءًا من هذه الحياة التي جعلت الكتاب موضع عناية، وطلب العلم سبيلًا إلى الارتقاء.
ولعل المتنبي عبَّر عن منزلة الكتاب في وجداننا بقوله:
> أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ
> وخيرُ جليسٍ في الزمانِ كتابُ
وهذا البيت ثابت النسبة إلى المتنبي، ويرد في ديوانه بهذه الصيغة الشائعة. إنها صحبة تتجاوز المسافة والعمر؛ تجلس إلى كتاب، فتسمع صوت إنسان عاش قبلك بقرون، وتدخل معه في حوار قد يغير فهمك لنفسك وللعالم.
ومع انتشار الطباعة وتوسع التعليم، اتسعت إمكانات إتاحة الكتب، وترسخت رسالة المكتبات العامة في خدمة المجتمع. وكلما اتسعت دائرة المستفيدين من المعرفة، اتسعت قدرتهم على التعلم والاختيار والمشاركة.
وفي ثقافتنا التي بدأ كتابها الكريم بأمر القراءة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، تظل المعرفة أمانةً تتصل بكرامة الإنسان وقدرته على إعمار حياته. وحين نبني طريقًا نصل مكانًا بمكان؛ وحين نبني مكتبة نصل إنسانًا بإنسان، وجيلًا بجيل، وسؤالًا بما يفتح له سبيلًا.
مكتبة قطر الوطنية: ذاكرةٌ ولدت كبيرة
كانت أمامي، في الحاضر، صورة أعرفها وأعيشها: مكتبة قطر الوطنية، بما تشهده من إقبال، وما يجتمع فيها من أعمار واهتمامات ولغات. ووفقًا للمعلومات المنشورة على موقعها، افتتح مبنى المكتبة أبوابه للجمهور عام 2017، ثم دُشّنت المكتبة رسميًا في 16 أبريل 2018 بحضور صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر. وتحظى المكتبة بدعمه ورعايته الكريمة، بما يعزز مكانتها ويعينها على أداء رسالتها الوطنية والثقافية، ويجسّد إيمان القيادة بدور المعرفة في بناء الإنسان وصناعة مستقبل الوطن.
وقد سبقت افتتاح هذا الصرح رؤيةٌ وإعدادٌ وجهودٌ امتدت سنوات طويلة. وبحسب شهادتي الشخصية، حين توليت وزارة الإعلام والثقافة عام 1992، كان مستقبل المكتبة الوطنية من الموضوعات التي شغلتني مبكرًا. وفي لقاءاتي الأولى مع سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الأمير الوالد، كان يحدثني عن التطلع إلى مكتبة وطنية حديثة تليق بقطر، تجمع حفظ التراث بالانفتاح على المعرفة المعاصرة. وهذه التفاصيل، بما فيها السنة والحوارات المشار إليها، ترد هنا بوصفها شهادة الكاتب الشخصية.
وكان يرى أن المكتبة التراثية ينبغي أن تكون في صلب المشروع، ولذلك وجّهني إلى شراء مكتبة الشيخ حسن بن محمد آل ثاني، التي أصبحت ركنًا أساسيًا من أركان المجموعة التراثية، ودرةً من درر مكتبة قطر الوطنية. وهذه الرواية، بما تتضمنه من دور شخصي في عملية الاقتناء، منقولة عن شهادة الكاتب.
وامتدت الرؤية إلى إتاحة مصادر تاريخنا المحفوظة خارج البلاد. ووفقًا للمعلومات المنشورة عن الشراكة بين مؤسسة قطر ومكتبة قطر الوطنية والمكتبة البريطانية، أُطلقت مكتبة قطر الرقمية في أكتوبر 2014، بعد بدء الشراكة عام 2012. وأتاحت المنصة وثائق وسجلات وخرائط تتصل بتاريخ قطر والخليج، وفي مقدمتها مواد من سجلات مكتب الهند، إلى جانب مختارات من المخطوطات العلمية العربية، مع شروح باللغتين العربية والإنجليزية.
وأستحضر في هذا السياق، بوصفه جزءًا من شهادتي الشخصية، مرافقتي لصاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر في زيارة إلى المكتبة البريطانية في لندن، وما حملته تلك التجربة من اهتمام بمصادر تاريخ المنطقة وإتاحتها. أما إتاحة المواد الرقمية للباحثين مجانًا، فهي من خصائص مكتبة قطر الرقمية كما تبيّنها المعلومات المنشورة عنها.
وقد تشرفت بعضوية مجلس إدارة مكتبة قطر الوطنية، وبرئاسة اللجنة التنفيذية منذ عام 2014، وفقًا لشهادتي الشخصية. ومن خلال هذه العضوية، عرفت عن قرب حجم الجهود التي بذلتها صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر لبناء هذا الصرح، وما أولته من وقت وعناية ومتابعة ليبلغ هذه المكانة. ولا تزال سموها تتابع نشاط المكتبة، وتحرص على أن تنهض بدورها الكبير في خدمة المعرفة وصون التراث وتنمية المجتمع.
ولا تكتمل الصورة دون الإشادة بدور سعادة الشيخة هند بنت حمد آل ثاني، رئيسة مجلس أمناء مكتبة قطر الوطنية، التي تواصل بحيويتها وتقديرها العميق لرسالة المكتبة بذل أقصى الجهد لتعزيز دورها وترسيخ مكانتها. وفي عنايتها بهذا الصرح امتدادٌ لدور والدتها صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، أطال الله عمرها، وتجديدٌ للرؤية التي قامت عليها المكتبة، لتظل مواكبةً لعصرها، مستجيبةً لحاجات مجتمعها.
وتتعزز العناية بالذاكرة الوطنية بدار الوثائق القطرية، التي تضطلع بدورها في جمع الوثائق والمحفوظات وتنظيمها وصونها وإتاحتها، جنبًا إلى جنب مع مكتبة قطر الوطنية، في تكامل يخدم تاريخ البلاد وثقافتها. وتؤكد المعلومات الرسمية المنشورة أن دار الوثائق القطرية أُنشئت لتتولى حفظ الوثائق الوطنية وإدارتها. فبهذه المؤسسات تتضافر جهود حفظ الذاكرة، وتيسير المعرفة، ونقل الأمانة إلى الأجيال.
المكتبة بوصفها مجلسًا اجتماعيًّا
أقرب صورة إلى وجداننا العربي لفهم الدور الاجتماعي للمكتبة هي صورة المجلس. ففي مجالسنا تتلاقى الأجيال، وتُروى التجارب، وتُناقش شؤون الحياة، وتنشأ أواصر الثقة والمودة. وقد عرفنا مجالس كانت مدارس للحياة، نتعلم فيها من خبرة الكبار، ومن أدب الحديث والإصغاء إلى اختلاف الآراء. وهذا الدور في نقل المعرفة بين الأجيال حاضر أيضًا في وصف اليونسكو للمجلس بوصفه فضاءً ثقافيًا واجتماعيًّا.
وفي المكتبة المعاصرة تتسع هذه الروح؛ تجتمع الخبرة الحاضرة بخبرات حفظتها الكتب، وينفتح الحديث على البحث، ويجد السؤال مصادر تعينه على الجواب. ويلتقي فيها أشخاص لم تجمعهم معرفة سابقة، فتجمعهم اهتمامات مشتركة، وتنشأ بينهم صلات تبدأ بكتاب أو فكرة أو نشاط.
ومن هنا أفهم «رأس المال الاجتماعي» الذي يتناوله المنتدى: ما يتكون بين الناس من ثقة وروابط واستعداد للتعاون. وهذه ثروة تنمو حين تتوافر أماكن يشعر فيها الإنسان بالترحيب، ويجد فيها مجالًا للمشاركة والانتماء.
وفي مكتبة قطر الوطنية أرى هذا المعنى حاضرًا. وتؤكد المعلومات المنشورة عن مبنى المكتبة أن تصميمه وضعه المعماري ريم كولهاس ومكتب «أو إم إيه». أما وصف الإقبال وتنوع رواد المكتبة، فهو قائم على مشاهداتي الشخصية وتجربتي المباشرة. وقد أصبحت المكتبة، بتصميمها الفريد وحداثة تجهيزاتها وخدماتها التي قلّ أن تجتمع في مكان واحد، وجهةً للمثقفين والعائلات واليافعين والأطفال. ويتيح تصميمها المفتوح فضاءً للتعلم وتبادل الأفكار، تجتمع فيه العناية بالتراث مع مساحات الدراسة ومحطات الإبداع.
ويكفي أن يتأمل المرء بهو المكتبة الجميل ليرى هذه الحيوية؛ عائلات جاءت لتقضي وقتًا يجمع المتعة بالفائدة، وأفواج من طلبة المدارس وزوار المؤسسات، وأطفال ويافعون تستوقفهم مساحات الاكتشاف والتعلم. وفي حركة القادمين وتنوع اهتماماتهم تبدو المكتبة ملتقى تنبض فيه الحياة؛ يقصدها الأصدقاء للقاء، ويجد فيها كل جيل ما يدعوه إلى العودة. وفي وجوه الضيوف أرى البهجة والسرور، وألمس ما يتركه المكان في نفوسهم من انطباع طيب؛ وأرى ذلك أيضًا لدى الزوار الدائمين، كأن الألفة تزيد المكان جاذبيةً، وتمنح كل زيارة متعتها. فالوجود في المكتبة يبعث في النفس شعورًا بالراحة والانتماء، يتجدد كلما عاد المرء إليها. وهذه أوصاف انطباعية وشهادة مشاهدة، لا إحصاءات رسمية عن أعداد الزوار أو أنماط الاستخدام.
وقد غدت كذلك محطة بارزة في زيارات رؤساء الدول وكبار الشخصيات إلى قطر؛ يتعرفون فيها إلى وجه من وجوه البلاد، حيث تتجاور عراقة التراث وحداثة المعرفة، وتمنحهم زيارتها صورة أعمق عن وطن جعل الثقافة والمعرفة جزءًا من رؤيته للمستقبل. وتؤيد ذلك أخبار الزيارات الرسمية المنشورة، ومنها زيارة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني.
وأصبحت هذه الحياة جزءًا من يومي؛ فكثيرًا ما أجلس، قبل التوجه إلى مكتبي وبدء العمل، في مقهى «صفحات» بين رواد المكتبة. أحيي هذا، وأتبادل الرأي مع ذاك، وأستمع إلى سؤال أو ملاحظة. بل إن بعض لقاءاتي الرسمية تجري بين الناس، في فضاء يمنح الحديث ألفة وعفوية. وحين أذهب إلى المكتبة، يغلب عليَّ شعور الاستمتاع بما فيها من معرفة ولقاءات، حتى لا أشعر أنني ذاهب لأداء عمل. أجد نفسي بين الناس والأفكار في ألفةٍ يمضي معها الوقت دون أن أشعر به. وألمس هذه السعادة أيضًا لدى موظفي المكتبة الرائعين، على اختلاف جنسياتهم ولغاتهم؛ أراها في وجوههم، وفي حفاوة استقبالهم، وفي ما يبذلونه من عناية بخدمة روادها. فكأن بهجة المكان تجمع من يقصده ومن يعمل فيه.. وهذه الفقرة شهادة شخصية.
وكثيرًا ما أفاجأ في الردهة بضيوف من شتى أصقاع الأرض، فأقف معهم وأتبادل الحديث. وفي هذه اللقاءات أرى مكتبة تجمع مختلفي اللغات والتجارب، وتفتح المعرفة بينهم باب التعارف. ومنها يستمد حديثي عن دورها الاجتماعي معناه؛ أراه في وجوه الناس، وأسمعه في أحاديثهم، وأشاركهم شيئًا منه. وهذا أيضًا وصف لتجربة الكاتب وملاحظاته الشخصية.
الدور الرقمي وحياةٌ تتجاوز الشاشة
ما الذي يدعو الإنسان إلى زيارة المكتبة حين تتوافر المعلومات على الشاشة؟ أجد الجواب فيما أشهده فيها من حياة، وفيما تمنحه من عون على البحث، وفرصة لاكتساب مهارة، ولقاء بمن يشارك الإنسان اهتمامه. وهذا استنتاج تأملي مستند إلى التجربة.
وقد جال بخاطري ما قد يتعرض له الكتاب الورقي مع سهولة الحصول على الكتب الرقمية، والاستماع إلى الكتب الصوتية في كل مكان وزمان. غير أن تجربتنا في مكتبة قطر الوطنية، وما أشهده من إقبال على قراءة الكتب الورقية واستعارتها من الباحثين والدارسين وعموم القراء، يمنحني ثقةً في بقاء مكانته. ولا أقدّم هنا أرقامًا أو نتيجة إحصائية؛ بل أصف انطباعًا مستندًا إلى المشاهدة الشخصية. فللكتاب الورقي مذاقه الخاص، ولتقليب صفحاته وصحبته متعة يحتفظ بها محبوه؛ وأرى أن الرقمي، مهما اتسعت مزاياه، سيظل يجاوره دون أن يمحو هذه الصلة الحميمة.
فالإتاحة الرقمية توسع رسالة المكتبة، وتستدعي العمل على سد الفجوة بين من يملك الوسيلة والمهارة ومن يفتقر إليهما. قد يجد شاب من يعينه على إعداد طلب للعمل، وأم من يرشدها إلى موارد تعليمية لأبنائها، وكبير السن من يساعده على استخدام خدمة رقمية بثقة. وتتصل بذلك حماية الخصوصية والتحقق من المعلومات، ومع حضور الذكاء الاصطناعي تزداد أهمية السؤال والمراجعة وحسن التقدير. وهذه أمثلة تحليلية وتوصيات عامة.
ويصف بيان الإفلا واليونسكو للمكتبة العامة، في صيغته الإنجليزية، بأنها «قوة حية للتعليم والثقافة والمعلومات». والعبارة الواردة هنا ترجمة عربية مختصرة للمعنى، وليست نقلًا حرفيًا موثقًا لنسخة عربية رسمية. وتظهر هذه القوة في خبرة العاملين وحسن استقبالهم، وفي خدمات تعزز ثقة الإنسان بنفسه، وتعينه على التعلم مدى الحياة، وتطوير عمله، وتحقيق تطلعاته التعليمية والمهنية، والمشاركة الواعية في مجتمعه.
وللغتنا العربية مكانتها في هذه المسؤولية؛ بخدمة مواردها، وتيسير استخدامها، وتعزيز حضورها الرقمي. وتكتمل الرسالة بخدمات تراعي الأشخاص ذوي الإعاقة، وبرامج تصل إلى من تفتقر مجتمعاتهم إلى الموارد، وشراكات مع المدارس والجامعات والمؤسسات المجتمعية توسع دائرة الانتفاع. وهذه مبادئ وتطلعات عامة.
ويظل للقارئ والباحث حقهما في الهدوء والتركيز؛ فالمكتبة الناجحة تحتضن احتياجات متنوعة، وتوفر لكل نشاط مجاله. ويعينها على ذلك الإصغاء إلى الناس، وسؤال نفسها: من يستفيد من خدماتنا؟ ومن لم نصل إليه بعد؟ وأي أثر نتركه في حياتهم؟
وأرجو أن يثمر المنتدى أفكارًا قابلة للعمل وشراكات ممتدة الأثر، تنقل هذه الرسالة إلى خطوات يلمس الناس فائدتها. وينعقد المنتدى في 14 و15 أكتوبر 2026، ويتناول موضوع «المكتبات كمؤسسات للتنمية المجتمعية».
من مكتبة الإسكندرية إلى مكتبة قطر الوطنية، تمتد رحلة العناية بذاكرة الإنسان ومعرفته. واليوم تتسع هذه العناية لتشمل صلته بغيره وشعوره بالانتماء. وقد أوحى إليَّ المنتدى بهذا التأمل، لكن ما أعيشه بين رواد المكتبة يمنحه معناه الأعمق: ستظل للمكتبة مكانتها ما دام الإنسان يحتاج إلى المعرفة، وإلى مكان يلتقي فيه بالإنسان.
لنجعل من الأزمة طريقاً للبناء
-سمو الأمير لخصَ السياسة الخارجية القطريةفي معادلة تجمع القدرة بالحكمة - أهمية الخليج للاقتصاد العالمي لا تكفي لحمايته... اقرأ المزيد
813
| 27 سبتمبر 2026
الأمم المتحدة.. كيف تستعيد ثقة العالم؟
-القضية الفلسطينية المتضررالأكبر من تآكل دور الأمم المتحدة -الإصلاح المؤسسي للمنظمة الدولية يبدأ بمجلس أمن أكثر تمثيلًا للعالم... اقرأ المزيد
495
| 20 سبتمبر 2026
أن تكون ابن عصرك.. تجربتي مع العالم الرقمي بين المعرفة والإنسان
-لا تستطيع وسيلة حديثة أن تلغي العلاقة الحميمة بين القارئ والكتاب -التقنية لم تأخذني من الكتاب بل وسّعت... اقرأ المزيد
579
| 13 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
وزير الدولة - رئيس مكتبة قطر الوطنية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12159
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10302
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3486
| 22 أكتوبر 2026