رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. هلا السعيد

مساحة إعلانية

مقالات

339

د. هلا السعيد

وجوه مختلفة.. وحياة واحدة

12 أغسطس 2025 , 12:00ص

حين نفتح وسائل التواصل، نشاهد عالمين متناقضين ينبضان في اللحظة ذاتها، هناك من يرقص ويغني ويسافر ويتنزه، كأن الدنيا فرشت له أجنحتها، وفي المقابل وجوه مثقلة بالهموم، وأرواح محاصرة بالجوع والحروب والمرض والفقد. في غزة، تحت الحرب والحصار، أناس يقاومون الجوع والبرد والخوف، يبحثون في الركام عن لقمة أو غطاء، أطفال ينامون على الأرض، وأمهات يخبئن دموعهن ليقوين على يوم جديد من القصف.

في ليالي غزة المظلمة، حين ينقطع التيار الكهربائي، لا يضيء البيوت سوى نور الشموع الخافتة، وأحيانًا لا شيء سوى ظلمة تتنفس الخوف. أصوات الطائرات في السماء تذكرهم بأن النهار لم يجلب الأمان، وأن الليل قد يحمل ما هو أقسى. في الشوارع، طوابير طويلة أمام شاحنات المياه، أطفال يمدون أيديهم لعلهم يحصلون على قنينة تكفيهم ليوم أو يومين. هناك، تُقاس الحياة بجرعة ماء ورغيف خبز. 

وفي الجهة الأخرى من الشاشة، عالم مختلف تمامًا: أعراس فاخرة كقصور ألف ليلة وليلة، سيارات فارهة، موائد عامرة بألوان الطعام، فساتين تتلألأ تحت أضواء لا تنطفئ، وكاميرات تلاحق كل لقطة بفخر. مقاطع مصورة لزفاف ضخم، أضواء تملأ السماء، موسيقى تصدح كأنها تنافس أصوات الرياح، وحلويات لا تُحصى. كل شيء يوثق وينشر وكأنه إنجاز يستحق التصفيق. هنا، تُقاس الحياة بطول موكب الزفاف وعدد الأطباق على المائدة. لا أحد يعترض على الفرح… الفرح حق، لكن الإسراف وسط مشاهد الدم والدمار جرح في الضمير. أن تحتفل أمر، وأن تتباهى وسط أنين الجائعين والمشردين أمر آخر. 

نحن لا نُحاسب على المال الذي ننفقه فقط، بل على الإنسانية التي نفقدها حين نغلق أعيننا عن معاناة الآخرين. قد نبرر لأنفسنا بأن الفرح حق، لكن… هل يحق أن نغرق في البذخ بينما من حولنا يفتقدون أبسط مقومات الحياة؟ الحياة لا تمنحنا العدالة، لكنها تمنحنا الاختيار… أن نعيش بإنسانية، أو نمضي بقلوب مغلقة. الفجوة بين العالمين تجرح القلب، وتتركنا نتساءل: كيف يمكن للحياة أن تجمع بين كل هذا الفرح وكل هذا الألم؟ لكن الحقيقة أن كل إنسان يواجه مصيره بطريقته؛ بعضنا يبتسم رغم الجراح، وبعضنا تغلبه دموعه، وبعضنا يهرب لحظات عبر ضحكة أو صورة جميلة، وآخرون يختبئون خلف صمت طويل.

 إن أردنا أن نصبح أكثر إنسانية وسط هذا التناقض، علينا أن نرى العالم بعيون غيرنا، لا بعيوننا فقط. لنستمع بتعاطف، ونتشارك بما نستطيع، ولو بكلمة طيبة أو دعاء. لنمد أيدينا لمبادرات صغيرة تصنع فرقًا، ولنكن ممتنين لما نملكه، حذرين من إصدار الأحكام، فربما المبتسم أمامنا يخفي وراء ابتسامته معركة لا نعرفها. ربما لا نستطيع إيقاف الحروب أو إنهاء الجوع، لكن يمكننا أن نختار أن نكون أقل قسوة في فرحنا، وأكثر رحمة في عيشنا. يمكننا أن نخفف من التباهي، وأن نتذكر أن في كل لقمة زائدة أو زهرة إضافية في زفاف، روحًا في مكان ما كانت ستدعو لنا لو وصلتها يد العون. 

الفرح جميل، لكنه أجمل حين يكون دافئًا، متواضعًا، يترك في القلب ذكرى طيبة لا غصّة. الحياة لا تتوقف لتوزع الحظوظ بعدل، لكنها تمنحنا دائمًا خيارًا صغيرًا: كيف سنعيش اللحظة القادمة؟ نغني رغم الألم، أو نحزن رغم النور… وفي النهاية، نحن من نكتب قصتنا، فإما أن تكون مبللة بالرحمة، أو جافة كحجارة الطريق. وعندما نتذكر أن الفرح يكتمل حين نتقاسمه، وأن الألم يخف حين نحمله معًا، يصبح العالم أكثر دفئًا… حتى وإن بقيت فيه الفجوات.

مساحة إعلانية