رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عبدالرحمن هاشم السيد

مساحة إعلانية

مقالات

1827

عبدالرحمن هاشم السيد

أعمال المقاولات بين المدنية والتجارية

12 ديسمبر 2024 , 02:00ص

عرفت المادة (682) من القانون المدني القطري المقاولة بأنها "عقد يلتزم بمقتضاه أحد الطرفين أن يصنع شيئًا أو أن يؤدي عملًا للطرف الآخر لقاء أجر، دون أن يكون تابعًا لهذا الطرف أو نائبًا عنه". يتضح لنا من هذا النص أن المقاول يتعهد بأن يصنع شيئًا أو أن يؤدي عملًا، وفي نهاية المطاف يعد صنع الشيء عملًا يقوم به الصانع، فهو إذًا يلتزم دائمًا بتأدية عمل، والعمل الذي يقوم به يختلف باختلاف نوع المقاولة، فتتباين أنواع المقاولة وتتنوع. على إثر ذلك تنقسم المقاولة من حيث طبيعة العمل إلى عمل مجرد غير متصل بشيء، كنقل الأشخاص أو الرسم أو أعمال المحامي والمحاسب، وقد يكون العمل متصلًا ومقترنًا بشيء، سواء كان هذا الشيء موجودًا أم لا، كالنجار الذي يصنع الأثاث من الخشب أو يرممه، والحائك الذي يخيط الثوب من القماش أو يرقعه، وما إلى ذلك. وتنقسم المقاولة من حيث حجم العمل إلى مقاولة صغيرة وكبيرة، ومثالًا على الأولى أعمال النجار والخياط والمحاسب والسباك، أما الثاني فمثل مقاولات تشييد الملاعب ومجمعات التسوق الضخمة والمشاريع الكبرى كالطائرات والبواخر، كما تتعدد المقاولة من حيث جنس العمل؛ فهناك مقاولات معروفة لانتشارها، خاصة إذا قلنا كلمة "مقاولات" انصرف الذهن إلى مقاولات البناء إلا أنه هناك مقاولات لها وضعها الخاص واستقلاليتها عن القواعد العامة.

وللمشرع القطري موقف مغاير، ووجهة نظر خاصة عن التشريعات العربية المقارنة بالنسبة إلى أعمال المقاولة؛ حيث نصت المادة (4/6) من القانون التجاري القطري على أنه "تعد، بوجه خاص، أعمالًا تجارية، الأعمال الآتية: 6- مقاولات الأعمال. وعليه نجد أن هذا النص ليس له مثيل في أقرانه من التشريعات العربية، والمقصود بالمقاولات في متن المادة مفهوم المقاولة الذي جاء به القانون المدني القطري. ووفقًا لنص المادة، تعد جميع أعمال المقاولات التي يتعهد بها الشخص من الأعمال التجارية؛ لأن النص جاء عامًا، وتطبيقًا لقاعدة المطلق يجري على إطلاقه، ونأخذ بعين الاعتبار أن المشرع صنف هذا الأعمال مع الأعمال التجارية المنفردة؛ أي أن الصبغة التجارية تكون ملازمة لها، وبغض النظر عن صفة القائم عليها؛ سواء كان تاجرًا أم غير تاجر، وسواء وقعت مرة واحدة أم بشكل متكرر.

لكن يرى جانب من الفقه القطري أن هذه الأعمال ليست أعمالًا تجارية منفردة؛ بل إن استخدام المشرع للفظ "مقاولات الأعمال" يدل على قيام الشخص بهذه الأعمال بصفة دائمة وبشكل متكرر وليس مرة واحدة وبشكل متفرد، وفقًا لمظاهر ملموسة وواضحة، مما يؤدي لوصولها إلى حد الاحتراف، ويكون الاحتراف هو الأساس لإضفاء الصبغة التجارية لهذه الأعمال. وكان من المفترض أن تنظَّم هذه الاعمال في المادة (5) من القانون التجاري القطري التي جاءت بالأعمال التجارية بطريق الاحتراف. واستثناء من القاعدة العامة، التي تقضي بأن أعمال المقاولة تعد أعمالًا تجارية بغض النظر عن صفة القائم وسواء تمت بصفة منفردة أم بطريق الاحتراف، فإن المشرع اشترط نوعًا معينًا من أعمال المقاولات لا يكتسب الصفة التجارية إلا إذا تم ممارسته بطريقة الاحتراف، وهي المقاولات المتعلقة بالتشييد والإنشاءات، وهذا ما نصت عليه المادة (5/16) بقولها "تعد أعمالًا تجارية الأعمال الآتية إذا تمت على وجه الاحتراف: 16- الأعمال المتعلقة بمقاولات التشييد والإنشاءات وترميمها وهدمها". وتكمن الغاية من إدراج هذا الأعمال ضمن الأعمال التجارية في حماية أفراد المجتمع من المقاولين، بانصياعهم جبرًا لقواعد القانون التجاري التي تفرض ثمة التزامات على أي شخص يكتسب صفة التجار كمسك الدفاتر التجارية، والخضوع إلى نظام الإفلاس، وغيرها من القواعد. وهذه الغاية تظهر جليًا في مقاولات التشييد والبناء؛ فقد أصبحت مرتعًا حقيقيًا لفرص الاستثمار والاستغلال التجاري.

وتجدر الإشارة إلى أن المهن الحرة تدخل في نطاق أعمال المقاولات بمعناها الواسع، والنص كما تقدم جاء مطلقًا، فيفترض أن تكون المهن الحرة من قبيل الأعمال التجارية، لكن المشرع القطري قد استثناها بنص خاص، والخاص يقيد العام. خلاصة الأمر، تعتبر أعمال المقاولات أعمالًا تجارية ولو تمت مرة واحدة. واستثناء من ذلك، تعد أعمال التشييد والإنشاء والبناء أعمالًا مدنية لو تمت مرة واحدة، وإذا مارس المقاول هذه الأعمال على وجه الاحتراف عدت تجارية، ودخلت نطاق القانون التجاري، وبناء عليه تخضع لقواعده، كأن يكتسب المقاول صفة التاجر، وما إلى ذلك. أما بالنسبة إلى المهن الحرة فالأصل العام أنها أعمال مدنية إلا أنها تخرج من دائرة القانون المدني في بعض الفروض وتدخل ميدان القانون التجاري، وسبق أن أشرنا لذلك في مقال سابق.

مساحة إعلانية