رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يتهددك خطر عظيم إذا استلطفك الناس، فالإنسان أناني بطبيعته ومؤثر لمصلحته بفطرته، فإذا ما آنس فيك لطفاً، أو خفة ظل، أو مروءة، أو أريحية، سارع إلى صداقتك، وألح في التقرب إليك، والاستئثار بك، فيغنم منك جليساً مريحاً، وسميراً ودوداً، وإلفاً مألوفاً، وتخسر وقتك الثمين فتسكبه طواعيةً واختياراً لترطيب جلسات أصدقائك الجافة، وتجهد عقلك ولسانك وفكرك وراحة بدنك من أجل سعادتهم وهم بذلك مغتبطون وعليه حراص.
فتنبه –أرشدك الله إلى القصد وعصمك من الغفلة- إلى هذا المنزلق الخطر، واجعل من شخصك المحبوب المطيع المهذب اللطيف شخصاً آخر مثيراً للملل، مستفزاً، ثقيلاً، سمجاً، حتى تكسب نفسك، وتوفر جهدك، وتفوز بوقتك.
وما عليك إن أردت أن تكون مملاً إلا أن تتخذ " التناحة " لك منهجا، وتقاطع من يتحدث، مرة بعد مرة، بمداخلات مغرقة في التفاهة، فيبغضك المتحدثون، ويرون في حضورك مصدراً عظيماً من مصادر التوتر والقلق والتنكيد.
ثم عليك إذا رأيت اثنين يتساران أن تقتحم عليهما ما يحاولانه من خلوة، وتسأل وتلح في السؤال عما يصل إلى أذنيك من حديثهما ذاك الذي يتساران به، ولا تستح إذا ما جبهك أحدهما أو كلاهما بكلمة نابية، أو لوم عنيف، أو ذم قاسٍ. وعليك الاستمرار في تقحم سرهما ومحاولة فك غوامضه، وتفسير كوامنه.
واعلم – وفقك الله للخير ووفق الخير إليك- أنك لن تدرك من بغيتك كل ما تريد أو بعض ما تريد إلا إذا أخذت نفسك بكثير من الصبر والجلد، ووطنتها على مغالبة الغضب ومدافعة الثورة إذا ما سبك أحد الجالسين، أو سخر منك، أو طلب إليك أن تفارق جلستهم.
فإن حدث شيء من ذلك معك، فتقبله قبولاً حسنا، وأيقن في داخل نفسك، أن ما يوجه إليك من سب وشتم وطرد وسخرية، إنما هي دلائل انتصارك، وعلائم فوزك، وأنك عما قليل بالغ من هدفك – وهو إملال الجالسين- بعض ما تريد.
واعلم – نور الله بصيرتك- أن من أسباب انتصارك أن تتبنى الرأي الضعيف، وتنتصر للفكرة البغيضة، وتدافع عن السخف بقوة وحماسة. فإذا هاجم أحدهم مثلاً مطرباً فذّاً مثل "شعبولا"، أو أغنية رصينة خالدة مثل "المصريين أهمه" أو سياسياً لامعاً من أولئك الجاثمين على الصدور منذ أربعين عاماً، فما عليك إلا الانتصاب لتدفع هذا الهجوم بقوة وحدة، فهذا المطرب الفذ، وذلك السياسي الثقيل، وتلك الأغنية الراقية، علامات مميزة في تاريخنا العربي الحديث!! وأدلة بارزة على أننا بناة حضارة طريفة وأبناء حضارة تليدة. وأن ما يسمونه " المرحلة التي تجتازها [ المحروسة ] أمتنا " هي بالفعل مرحلة لها خصوصيتها الحضرية [ نسبة إلى الحضري ]!
ولكي تكون مملاً عظيماً، عوِّد نفسك ما تفعله حكومتك من الخوض فيما لا تفقه من الأمور، ووطنها على الجدل العقيم، فإذا اشتعل حوار بين فريقين من جلسائك حول كرة القدم التي لا تفقه فيها شيئاً، فخض مع الخائضين، واعمد إلى أبغض اللاعبين إلى نفوس القوم فامتدحه ما استطعت، وتخير أسوأ مواقفه الرياضية التي يمقتونها لتتخذ منه دليلاً على عبقريته الرياضية. ولا تبال بما يتناثر على وجهك من بصاق القوم – إن وصل الملل إلى حد البصق على وجهك- بل قابل هذا السلوك (وهو كما تعلم سلوك مشين) بصدر رحب، ونفس متسامحة، وضحكة صفراء فاقع لونها تصيب مرارة جلسائك في مقتل.
وإذا سألتني – وقاك الله عمى البصيرة- عن أعظم أبواب الملل أثراً، فسأجيبك بأنه الرغي والإزباد، فما عليك إلا أن تبدأ الحوار بموضوع تافه، أو قصة سبق أن حكيتها لأصحابك خمسين مرة، أو معلومة عديمة القيمة، ثم تأخذ في شرح الواضح وتفسير مالا يحتاج إلى تفسير، وتستشهد في كلامك – من باب حرق الدم- بأسماء ومصطلحات أجنبية تخترعها اختراعاً إن لم تمطرك بها ذاكرتك لحظتئذ.
ومن باب التلطف وتخفيف حدة الخلاف، عليك أن تستعين ببعض النكت بشرط أن تكون من السخف والقدم والبرود بحيث لا تضحك حتى الأبله، فإذا ما انتهيت من روايتها، ففجر ضحكة عالية، مجلجلة، طويلة، صاخبة، هادرة، مدوية، متصلة لا تكاد تنقطع، ولا بأس إن صحبت تلك الضحكة مصافحة قسرية منك لأقرب مجالسيك. على أن تكون مصافحة قاسية عنيفة مؤلمة تنقصف لها أصابعه أو تكاد.
ومن تراث المملين العظام مبدأ معروف هو "خالف تعرف" فإذا هاجم القوم التدخين فحدثهم عن مزاياه، فمثلاً إذا تحدثوا عن خطره الصحي، فشككهم في مصادرهم، وأنها ليست علمية وإنما هي من الصحف تنشر ذلك دون مرجع موثوق بصحته، كيف وقد أثبتت التحاليل أن في النيكوتين شيئاً قل أو كثر من البروتين!! وهل يكون خطره الصحي على ذي المرة السوي هو نفس الخطر على ضعيف البنية المتهاوي؟ وإذا تحدثوا عن حرمته الشرعية فما عليك إلا أن "تقلوظ" العمة على دماغك الكثيفة الأحراش، "وتلغوص" في أدلتهم تفنيداً وتضعيفاً مستدلاً بآراء من أباحوا التدخين من قدامى العلماء كالشيخ عبد الغني النابلسي وغيره، حينئذ ستظفر من جلسائك –أعداء التدخين- بقدر كبير من الاحتقار والشعور بالملل منك ومن اليوم الذي عرفوك فيه.
فإذا كان جلساؤك ممن يدخنون، فأفرغ عليهم جعبة مضاره الصحية منسوبة إلى مصادر طبية تختلق أسماءها بوقار شديد، ثم اتل عليهم ما تحفظ من فتاوى التحريم والكراهة التي تحفظها.
فالمهم – في الحالين- أن يسلم لك مبدأ "خالف تعرف"!!
وأما فصل الخطاب في حديث الإملال – حفظ الله عليك عقلك وحماك من ارتفاع الضغط- فهو أن تعيد على جلسائك ما علق بذهنك مما تداول من الفكر الجديد والقديم والوسيط في مؤتمرات الأحزاب المصرية (بلا استثناء) فإن للقوم في مؤتمراتهم حديثا شائقا ممتعا يضحك الثكالى عن التنمية و- عدم المؤاخذة – " التعمير " وحقوق الإنسان والصحة والتعليم وفرص العمل.
فأعد على جلسائك – بحماسة محمومة – إيمانك بصدق القوم، وتفاؤلك بما يسمونه "مستأبل المنطأة " [ مستقبل المنطقة ] في ظل السلام والرخاء والكويز العزيز [ أنت مش كويز النهارده والحمد لله؟ ]
ولست أدري أنجح هذا المقال في رفع ضغطك أم لا؟ أتمنى ألا أكون قد أطلت أوخانني " التعمير "!!
فلنبدأ بتربية المعلم قبل التلميذ!!
إن عملية بناء الفرد في أي مجتمع من المجتمعات ليست بالعملية السهلة المُيسرة ولا تقوم بها جهة واحدة... اقرأ المزيد
1340
| 08 يناير 2016
التربية الثقافية للطفل
تخضع شخصية الإنسان خلال مراحل نموها المتعاقبة لعدد كبير من العوامل الوراثية والبيئية، وتبدأ هذه العوامل تأثيرها من... اقرأ المزيد
7919
| 28 ديسمبر 2015
التخطيط لبرنامج تدريبي ناجح
لكي نخطط لوضع وتنفيذ برنامج تدريبي ناجح ، يجب أن نبدأ بتحديد دقيق لأهداف هذا البرنامج بتغطية الجوانب... اقرأ المزيد
4224
| 30 نوفمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3027
| 24 سبتمبر 2026