رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- شهادة شخصية في قائد وأب ومعلم
- جمع بين الاعتزاز بهويته العربية والإسلامية والانفتاح الواعي على العالم
- آمن بأن قوة قطر تكمن في تعدد صداقاتها وصدقها مع شركائها
- رؤيته تقوم على فهم مراكز القوة والتأثير في العالم دون الارتهان لها
- كل لقاء عنده فرصة للدفاع عن مصالح قطر وبناء علاقة تعاون جديدة أو تصحيح فهم
لقد كنت، والحمد الله، شاهدا عن قرب لأدق الصفات الشخصية الحميدة والقدرات القيادية الرائعة لأحد أبرز صُنّاع نهضة دولة قطر الحديثة، وأحد القادة الذين تركوا بصمتهم الواضحة في تاريخ منطقتنا العربية وفي علاقاتها بالعالم.
بالنسبة إليّ، فإن الحديث عن المغفور له بإذن الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، لا ينحصر في سرد إنجازات قائد عظيم، ولا يقتصر على استعراض مرحلة مهمة من تاريخ قطر؛ ولكن حديثي يحمل في داخله جانبًا شخصيًا وإنسانيًا عميقًا، لأنني كنت واحدًا من أبناء قطر الذين أتيحت لهم فرصة العمل في المجال الدبلوماسي في عهده، والتفاعل مع رؤيته وتوجيهاته، وحضور جانب من لقاءاته ومحادثاته مع قادة الدول وكبار المسؤولين الدوليين. واليوم، نحن لا نقف أمام رحيل قائدٍ فحسب، بل أمام محطة وطنية وتاريخية وإنسانية تستدعي التأمل. لقد تزامنت مراحل أساسية من مسيرتي الدبلوماسية مع سنوات حكمه، منذ عملي في واشنطن، ثم أثناء تحملي مسؤولية إدارة الشؤون الأوروبية والأمريكية في وزارة الخارجية، وصولًا إلى عملي سفيرًا لدولة قطر لدى المملكة المتحدة، ثم سفيرًا في فرنسا. وفي هذه المحطات المتعددة، تشرفت بلقاء سموه، وبمتابعة حضوره في الاجتماعات والمباحثات، والاستماع إلى مداخلاته، وملاحظة طريقته في التفكير والحوار والتعامل مع القضايا الوطنية والدولية. ومن خلال تلك التجربة، لم أعرفه قائدًا للدولة فحسب، بل عرفته أبًا لكل أبناء قطر، ومعلّمًا تتجاوز الدروس المستفادة منه حدود السياسة والدبلوماسية إلى معاني القيادة والمسؤولية والإنسانية وخدمة الوطن.
قائدٌ يعرف ما يريد
كان الأمير الوالد، رحمه الله، من القادة الذين يدخلون الاجتماع وهم يعرفون بدقة ما يريدون تحقيقه، ولكنهم في الوقت نفسه يتركون المجال كاملًا للاستماع إلى الآخرين وفهم مواقفهم. لم يكن يتعامل مع اللقاءات الدولية على أنها مناسبات بروتوكولية أو فرص لالتقاط الصور وتبادل المجاملات، بل كان ينظر إلى كل لقاء باعتباره فرصة للدفاع عن مصالح قطر، وبناء علاقة جديدة، أو تصحيح فهم، أو فتح باب للتعاون، أو نقل موقف قطري واضح إلى الطرف الآخر.
وما كان يلفت النظر في حضوره أنه لم يكن يحتاج إلى رفع صوته حتى يفرض احترامه. كانت قوة منطقه، ووضوح عبارته، وثقته بنفسه وبوطنه، هي التي تمنح كلماته وزنها وتأثيرها. وكان يتحدث عن قطر، مهما كان حجم الدولة التي يجلس مع قائدها، باعتزاز كامل وندية مسؤولة؛ فلا مبالغة، ولا تردد، ولا شعور بالنقص أمام الدول الكبرى. وقد تعلمنا منه أن قيمة الدولة لا تُقاس فقط بمساحتها أو عدد سكانها، وإنما بما تملكه من إرادة، ورؤية، ومصداقية، وقدرة على المبادرة والتأثير.
مدرسة في الاستماع والحوار
من أهم الصفات التي لمستها في الأمير الوالد قدرته الكبيرة على الاستماع.
كان ينصت إلى محاوره باهتمام، ويتركه يعرض وجهة نظره، ويتابع التفاصيل الدقيقة في حديثه، ثم يتدخل في الوقت المناسب بسؤال أو ملاحظة تكشف أنه لم يكن يستمع إلى الكلمات وحدها، بل كان يقرأ ما وراءها من مواقف ومصالح وحسابات.
وقد أدركت من خلال متابعتي للقاءاته أن الاستماع عنده لم يكن صمتًا، بل كان جزءًا أساسيًا من القيادة. كان يمنحه القدرة على فهم الشخص الذي أمامه، ومعرفة أولوياته، والتمييز بين ما يقوله صراحة وما يريد الوصول إليه ضمنًا. وكان يمتلك قدرة لافتة على الانتقال من التفاصيل إلى الصورة الكبرى. فقد يبدأ النقاش حول قضية محددة، لكنه سرعان ما يضعها في إطارها الإقليمي والدولي، ويربطها بمستقبل العلاقات أو بتوازنات المنطقة أو بالمصلحة بعيدة المدى لدولة قطر.
ومن هذه اللقاءات تعلمت أن الدبلوماسية الحقيقية لا تقوم على كثرة الكلام، بل على دقة الكلمة، وحسن التوقيت، والقدرة على فهم الآخر من دون التنازل عن الثوابت والمصالح الوطنية.
الحوار معه كان مساحةً للتعلّم
لم يكن الحوار مع الأمير الوالد مجرد عرض للمعلومات أو تقديم لتقرير رسمي. كان حواره يدفع من يجلس أمامه إلى التفكير بصورة أعمق.
كان يسأل أسئلة مباشرة، قد تبدو بسيطة في صياغتها، لكنها تذهب إلى جوهر الموضوع: ماذا تريد هذه الدولة؟ ما مصلحتها الحقيقية؟ كيف تنظر إلى قطر؟ ماذا يمكن أن يحدث بعد سنوات؟ وما البدائل المتاحة أمامنا؟
وكانت أسئلته تعلّم المسؤول ألا يكتفي بما هو مكتوب في التقارير، وألا ينظر إلى الأحداث بمعزل عن سياقها التاريخي والسياسي والاقتصادي.
كما كان يمنح من يعملون معه فرصة التعبير عن آرائهم. وكان يستطيع التمييز بين الرأي القائم على المعرفة والتحليل، والرأي الذي يسعى صاحبه إلى مجاراة ما يعتقد أن القائد يريد سماعه. ولهذا كان القرب منه مسؤولية بقدر ما كان شرفًا؛ لأنه كان يتوقع من المسؤول أن يكون مستعدًا، مطّلعًا، صريحًا، وأن يعرض رأيه بأمانة، حتى إن كان مختلفًا، ما دام يصدر عن اجتهاد مخلص ومصلحة وطنية. وهذه من أهم الدروس التي بقيت معي طوال مسيرتي: أن القائد الحقيقي لا يريد من معاونيه أن يرددوا رأيه، بل يريد منهم أن يساعدوه على رؤية القضية من جميع جوانبها.
في لندن… قطر تتحدث بثقة جديدة
خلال فترة عملي سفيرًا لدولة قطر في لندن، كنت شاهدًا على مرحلة مهمة من تطور العلاقات القطرية البريطانية، وعلى الحضور المتزايد لدولة قطر في المملكة المتحدة سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا. وكانت زيارات الأمير الوالد ولقاءاته مع القيادة البريطانية والمسؤولين والمؤسسات المختلفة تعكس رؤية واضحة لبناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد، لا علاقة مؤقتة تحكمها مناسبة عابرة. لقد كان يدرك مكانة لندن السياسية والاقتصادية والإعلامية، كما كان يعرف طبيعة المؤسسات البريطانية وأهمية التعامل معها بعمق واستمرارية. ولذلك لم تكن العلاقات في نظره مقتصرة على الحكومات، بل كانت تشمل البرلمان والقطاع الاقتصادي والجامعات ومراكز الفكر والإعلام والمجتمع بمختلف مؤسساته. وفي لقاءاته في لندن، رأيت كيف كان يجمع بين الاعتزاز بهويته العربية والخليجية والقطرية، وبين الانفتاح الواعي على العالم. لم يكن يرى تناقضًا بين الأصالة والحداثة، ولا بين المحافظة على القيم الوطنية وبناء علاقات واسعة مع الدول والمجتمعات الأخرى. وكان حضوره يبعث فينا، نحن العاملين في السلك الدبلوماسي، شعورًا كبيرًا بالمسؤولية؛ لأننا كنا نمثل دولة بدأت تتقدم بثبات إلى موقع جديد، وأصبح مطلوبًا منا أن نكون على مستوى تلك الرؤية وذلك الطموح.
في إدارة الشؤون الأوروبية والأمريكية
وعندما كنت أتولى مسؤولية إدارة الشؤون الأوروبية والأمريكية في وزارة الخارجية، كان العالم يمر بتحولات سياسية وأمنية واقتصادية متسارعة، وكانت قطر تعمل على توسيع شبكة علاقاتها الدولية وتعزيز استقلال قرارها وحضورها.
وفي تلك المرحلة، كان توجيه الأمير الوالد واضحًا: ومن خلال المسؤولين الكرام في الوزاره أن نبني علاقات متوازنة مع الجميع، وأن نفهم الدول من الداخل، وأن نتعامل مع كل دولة وفق خصوصيتها، وألا نحصر العلاقات الخارجية في إطار واحد أو في شريك واحد. كان يؤمن بأن قوة قطر تكمن في تعدد صداقاتها، وفي قدرتها على التحدث مع أطراف مختلفة، وفي صدقها مع شركائها، وفي عدم تحويل الاختلاف السياسي إلى خصومة دائمة. وقد ساهم هذا النهج في بناء مكانة دبلوماسية مميزة لقطر، وجعلها لاحقًا قادرة على أداء أدوار الوساطة، وفتح قنوات الحوار، والمساهمة في معالجة أزمات وملفات معقدة.
من واشنطن إلى باريس
ومن خلال عملي في واشنطن، ثم لاحقًا في باريس، أدركت بصورة أوضح أهمية الأسس التي وضعها الأمير الوالد للسياسة الخارجية القطرية.
كانت رؤيته تقوم على فهم مراكز القوة والتأثير في العالم، ولكن من دون الارتهان لها. كان حريصًا على إقامة علاقات متينة مع الدول الكبرى، مع المحافظة في الوقت ذاته على استقلال القرار القطري وعلى الحق في تبني الموقف الذي يخدم مصالح الدولة وقناعاتها. وفي فرنسا، كما في بريطانيا والولايات المتحدة، كانت صورة قطر قد تغيرت كثيرًا عمّا كانت عليه في بداية المسيرة. أصبحت دولة معروفة بمبادراتها، واستثماراتها، ودبلوماسيتها، ومشاريعها التعليمية والثقافية، وقدرتها على الحضور في القضايا الإقليمية والدولية. وكان هذا التحول ثمرة رؤية طويلة، لم تُبنَ على ردود الأفعال، بل على عمل متراكم استمر سنوات، وقاده الأمير الوالد بإصرار وثقة وصبر.
أبٌ لكل أبناء قطر
على الرغم من مكانته السياسية وهيبة موقعه، كان الأمير الوالد قريبًا من أبناء قطر، يتعامل معهم بروح الأب الذي يريد لهم النجاح، ويشعر بالمسؤولية عن حاضرهم ومستقبلهم. كان يؤمن بالشباب القطري، ويمنحهم الفرص والمسؤوليات. ولم يكن ينتظر حتى يكتمل كل شيء في تجربتهم قبل أن يثق بهم، بل كان يعلم أن الخبرة تُبنى بالممارسة، وأن الإنسان ينضج عندما يشعر بأن وطنه يثق به.
وقد استفاد أبناء جيلي والأجيال التي جاءت بعدنا من هذه الثقة. فُتحت أمام القطريين مجالات واسعة في الدبلوماسية والاقتصاد والتعليم والإدارة والإعلام والثقافة، وأصبح المواطن شريكًا حقيقيًا في مشروع بناء الدولة. وكان يشعر أبناء قطر بأنه واحد منهم، وأن نجاح أي قطري هو نجاح للوطن كله. وهذه العلاقة الأبوية لم تكن خطابًا رسميًا، بل كانت تظهر في اهتمامه بالناس، وفي معرفته بأحوالهم، وفي حرصه على تمكينهم، وفي نظرته إلى المواطن بوصفه غاية التنمية ووسيلتها في آن واحد.
الإنسان أولًا
كان الأمير الوالد يؤمن بأن الثروة الحقيقية لدولة قطر ليست النفط ولا الغاز، وإنما الإنسان القطري.
ومن هذا الإيمان بدأت رحلة البناء الكبرى في التعليم والصحة والثقافة والبحث العلمي وإعداد الأجيال. لم يكن ينظر إلى الإنجاز بمنظار الحاضر وحده، بل كان يخطط لعقود قادمة، ويضع أسس دولة تستطيع أن تستمر وتزدهر مهما تغيرت الظروف.
وقد تجسدت هذه الرؤية في إنشاء المؤسسات التعليمية والبحثية واستقطاب الجامعات العالمية، وفي توسيع الخدمات الصحية، وفي دعم الثقافة والإعلام والرياضة، وفي تأسيس اقتصاد قوي واستثمارات استراتيجية تحفظ حقوق الأجيال القادمة. وفي عهده شهدت قطر نهضة اقتصادية واجتماعية وثقافية واسعة، وأصبحت حاضرة عربيًا ودوليًا بصورة لم تكن تتناسب فقط مع حجمها الجغرافي، بل مع حجم رؤيتها وإرادتها وطموح قيادتها.
كما شكّل إطلاق شبكة الجزيرة تحولًا كبيرًا في الإعلام العربي، ورسّخ حضور قطر في الفضاء الدولي. وأولى سموه الثقافة والفنون والبحث العلمي والرياضة اهتمامًا مبكرًا، إدراكًا منه لقيمة القوة الناعمة في بناء مكانة الدول وتعزيز تأثيرها. وكان الفوز بحق استضافة كأس العالم FIFA قطر 2022 ثمرة من ثمار الرؤية التي انطلقت في عهده، قبل أن تتحول، في عهد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، إلى إنجاز عربي وعالمي استثنائي أثبت قدرة قطر على تحويل الطموح إلى واقع.
شجاعة القرار وبُعد النظر
من الصفات التي ميّزت الأمير الوالد شجاعته في اتخاذ القرار.
كان يعرف أن القرارات الكبرى لا تحظى دائمًا بالإجماع عند اتخاذها، وأن بعض الرؤى لا يفهمها الناس بصورة كاملة إلا بعد مرور السنوات وظهور نتائجها.
لقد اتخذ قرارات غيّرت مسار الدولة، وفتح أبوابًا جديدة أمام قطر، ودفعها إلى التفكير خارج حدود المألوف. وكان مستعدًا لتحمل مسؤولية قراراته والدفاع عنها، وهي صفة أساسية في كل قيادة تاريخية. ومن أعظم قراراته وأكثرها حكمة قراره بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في انتقال سلس ومستقر للقيادة، جسّد ثقته بالمستقبل، وحرصه على استمرارية الدولة، وإيمانه بقدرة الجيل الجديد على مواصلة المسيرة. لقد كان يستطيع أن يبقى في موقعه، لكنه اختار ما رآه أصلح لقطر، مقدّمًا نموذجًا في القيادة التي تعرف متى تبدأ ومتى تسلّم الأمانة.
خير خلف لخير سلف
ومنذ تولي حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني مقاليد الحكم، أثبت أنه خير خلف لخير سلف. فقد حافظ سموه على الأسس التي أرساها الأمير الوالد، وطوّرها بما يتناسب مع مرحلة جديدة وتحديات أكثر تعقيدًا. وقاد قطر بحكمة وثبات خلال الحصار، فخرجت الدولة من تلك المحنة أكثر قوة واعتمادًا على الذات وتماسكًا بين قيادتها وشعبها. وفي عهده تواصلت التنمية، وتوسعت المشاريع الوطنية، وتعزز الأمن الاقتصادي والغذائي، وارتفعت مكانة قطر عالميًا، ونجحت الدولة في تنظيم كأس العالم، وواصلت القيام بأدوار دبلوماسية وإنسانية ووساطات دولية مؤثرة.
ومن يقرأ مسيرة قطر في العهدين يدرك أننا أمام مشروع وطني متكامل: وضع الأمير الوالد أسسه، ثم حمل صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الأمانة، وحافظ على جوهر المشروع، وأضاف إليه رؤيته وإنجازاته، وقاده بثبات نحو مرحلة جديدة من النضج والقوة.
ما تعلمته منه
بعد عقود من العمل الدبلوماسي، أستطيع أن أقول إن الأمير الوالد كان بالنسبة لنا مدرسةً متكاملة في القيادة وخدمة الوطن.
تعلمنا منه أن الرؤية أهم من الانشغال بردود الأفعال، وأن القائد يجب أن ينظر إلى ما وراء الحدث وإلى ما بعد السنوات. وتعلمنا منه أن الاستماع ليس علامة تردد أو ضعف، بل أداة من أدوات القوة والفهم واتخاذ القرار. وتعلمنا أن احترام المحاور لا يعني الموافقة عليه، وأن الاختلاف يمكن أن يُدار بثبات وأدب ووضوح. وتعلمنا أن الدولة الصغيرة تستطيع أن تصنع لنفسها مكانة كبيرة متى امتلكت رؤية مستقلة، ومؤسسات قوية، وقيادة تثق بشعبها. وتعلمنا أن المسؤولية ليست امتيازًا، بل أمانة، وأن تمثيل الوطن في الخارج لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بالعمل والانضباط والمعرفة وحسن السلوك.
كما تعلمنا منه أن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما ينجزه في سنوات حكمه، بل بما يتركه بعده من مؤسسات، ورجال، وقيم، وثقة، وقدرة على الاستمرار.
إرثٌ باقٍ في الوطن والإنسان
إن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، لم يترك خلفه مجرد ذكريات، ولم يترك إنجازات مادية فحسب، بل ترك وطنًا مختلفًا، ومؤسسات راسخة، وأجيالًا واثقة بقدراتها، ودولة تعرف مكانها في العالم وتدرك مسؤولياتها تجاه شعبها وأمتها والإنسانية. لقد غيّر تاريخ وطنه لأنه غيّر أولًا طريقة تفكير أبناء وطنه في أنفسهم وفي مستقبلهم. جعل القطري يؤمن بأن بلاده قادرة على الوصول إلى أبعد الآفاق، وأن الطموح ليس مرتبطًا بحجم الجغرافيا، بل بحجم الإرادة.
أما بالنسبة إليّ، فستظل السنوات التي تشرفت خلالها بالعمل في ظل قيادته، واللقاءات التي حضرتها، والحوارات التي استمعت إليها، والتوجيهات التي تلقيتها، من أغنى تجارب حياتي المهنية والإنسانية. لقد كنت في حضرة قائد، لكنني كنت أيضًا في حضرة معلّم. وكل لقاء معه كان يضيف إلى الإنسان فهمًا جديدًا لمعنى القيادة، وكل حوار كان يفتح أمامه نافذة أوسع على العالم، وكل موقف كان يؤكد أن خدمة قطر أمانة تتطلب الإخلاص والشجاعة والمعرفة والوفاء. رحم الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمةً واسعة، وجزاه عن قطر وشعبها خير الجزاء، وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وقد ترحل الشخصيات العظيمة، لكن آثارها لا ترحل، وقد يغيب الرجال، بينما تبقى أعمالهم ومواقفهم وسيرتهم حاضرة في ذاكرة الأوطان، وشاهدة عليهم جيلاً بعد جيل.
سيبقى اسمه حاضرًا في تاريخ قطر، وستبقى سيرته في وجدان أبنائها، وسيبقى أثره شاهدًا على قائد أحب وطنه، ووثق بشعبه، وبنى للمستقبل، وترك الأمانة في يد قائد أمين، حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى.
حفظ الله سمو الأمير، وسدّد خطاه، ووفقه لمواصلة مسيرة البناء والنهضة، وأدام على قطر نعمة الأمن والعزة والاستقرار، لتبقى كما أرادها الأمير الوالد: وطنًا شامخًا، مستقل الإرادة، واثقًا بأبنائه، مؤثرًا بين الأمم.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في رحيل الرجال العظام لا تُطوى صفحة من تاريخ البشرية، بل يُفتح فصلٌ جديد في ذاكرة الأمم. وحين يترجل قائد بحجم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه، فإن الحديث لا يكون عن سيرة رجلٍ فحسب، بل عن قصة وطن أعاد تعريف نفسه بطريقة مختلفة، وعن إرثٍ تجاوز جميع الحدود والجغرافيا ليترك أثره في الإنسان أينما كان. رحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وبقيت بصماته شاهدة على مرحلةٍ صنعت الفارق في تاريخ قطر الحديث والمنطقة والعالم. لقد كان رحمه الله من أولئك القادة الذين لا يكتفون بإدارة الحاضر، بل يغامرون بصناعة المستقبل. وحين تسلم زمام المسؤولية والقيادة عام 1995، كانت قطر دولة واعدة، لكنه رأى فيها ما هو أبعد من ذلك بكثير، رأى وطناً قادراً على أن يكون رقماً مهماً وصعباً في الاقتصاد والسياسة والإعلام والتعليم والتنمية الإنسانية ونصرة المظلوم وصوتاً للحرية. ومن الإنصاف للتاريخ أن يُقال إن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله لم يبنِ مشاريع إسمنت وحديد فقط، بل بنى ما هو أهم، بنى الفكرة. فكرة أن الدولة الصغيرة في مساحتها يمكن أن تكون كبيرة في تأثيرها، وأن الثروة الحقيقية ليست في الغاز والنفط وحدهما، بل في الإنسان والعلم والمعرفة والاستثمار في العنصر البشري. ولذلك شهدت قطر في عهده نهضة تعليمية غير مسبوقة وتحولت إلى مركز عالمي للجامعات والبحوث والابتكار، فصارت المعرفة جزءاً من مشروعها الوطني لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات. ولم يقتصر اهتمامه بالتعليم على أبناء وطنه فحسب، بل امتد أثره إلى آلاف المدارس والمبادرات التعليمية حول العالم. فقد آمن بأن التعليم هو الطريق الأقصر لمكافحة الفقر والجهل وفتح آفاق المستقبل أمام الشعوب، فدعمت قطر في عهده برامج ومشروعات تعليمية وصلت إلى ملايين الأطفال والشباب في مناطق عديدة من العالم، ومنحت فرصة التعلم لمن حُرموا منها بسبب الحروب أو الفقر أو النزوح. وهكذا تحولت رسالة التعليم من مشروع وطني إلى رسالة إنسانية عابرة للحدود، كان أثرها ممتداً في حياة أجيال كاملة ستبقى شاهدة على هذا العطاء. وفي الجانب الإنساني لم يكن حضوره مقتصراً على حدود وطنه. فقد امتدت يد قطر إلى مناطق الأزمات والكوارث، حاملةً الغذاء والدواء والتعليم والأمل. وساهمت في دعم الشعوب المنكوبة ورعاية اللاجئين، وتمويل المبادرات التنموية حول العالم، حتى أصبحت المساعدات الإنسانية القطرية عنواناً معروفاً في كثير من بقاع الأرض. لقد آمن رحمه الله بأن قيمة الدول تُقاس أيضاً بما تمنحه للإنسانية من خير ورحمة. أما في الإعلام فقد ارتبط اسمه بتحولٍ تاريخي غيّر المشهد الإعلامي العربي بشكل خاص والعالمي بشكل عام، حين انطلقت تجربة إعلامية جعلت من حرية الرأي والنقاش مساحةً أوسع مما عرفته المنطقة من قبل، فكان لذلك أثره العميق في تشكيل الوعي العام وإيصال الصوت الذي كان لا يجد طريقاً للوصول. واقتصادياً قاد مشروعاً استراتيجياً جعل قطر من أبرز القوى الاقتصادية العالمية في مجال الغاز الطبيعي المسال، وفتح أبواب الاستثمار الدولي على مصراعيها، حتى أصبحت الدوحة اسماً حاضراً في كبريات الأسواق والمؤسسات المالية العالمية. ولم يكن ذلك مجرد نجاح اقتصادي، بل كان بناءً طويل الأمد لأجيالٍ قادمة. وفي ميدان السياسة والدبلوماسية والوساطات رسخ نهجاً جعل من الحوار والوساطة وسيلةً لحل النزاعات وتقريب وجهات النظر. فغدت قطر لاعباً مؤثراً في ملفات إقليمية ودولية معقدة، واستحقت مكانةً تفوق الجميع وتفوق حجم الدول جغرافياً. ومن المواقف التي ستبقى علامة فارقة في مسيرته السياسية قراره التاريخي بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، في خطوة جسدت إيماناً راسخاً بتجدد القيادة واستمرارية الدولة، وقدمت نموذجاً حضارياً نادراً للتداول السلس للمسؤولية، مؤكدةً أن بناء الدول لا يكتمل بصناعة الإنجازات فحسب، بل بضمان استدامتها وانتقالها بأمان وثقة إلى الأجيال اللاحقة. كما أدرك مبكراً رحمه الله أن الرياضة لغة عالمية توحد الشعوب، فكان من مهندسي المسار الذي أوصل قطر إلى استضافة كأس العالم 2022، الحدث الذي لم يكن بطولة رياضية فحسب، بل رسالة حضارية عرّفت العالم بالثقافة الإسلامية والعربية والخليجية وقدرة المنطقة على تنظيم أكبر الأحداث الدولية. واليوم ونحن نودع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فإننا لا نرثي رجلاً غاب جسده، بل نستحضر إرثاً سيبقى حياً في التعليم الذي أُسس، والمستشفيات التي شُيدت، والفرص التي خُلقت، والوساطات التي أوقفت النزاعات وإزهاق الأرواح، والأفكار التي ألهمت أجيالاً كاملة. رحل القائد لكن أثره باقٍ. ورحل الإنسان لكن ما زرعه في وطنه وفي وجدان شعبه وفي صفحات التاريخ سيظل ينبض بالحياة. فبعض الرجال تنتهي أعمارهم لكن أعمالهم تواصل السير نيابةً عنهم. والوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني واحد من أولئك الذين كتبوا أسماءهم لا بالحبر بل بالأثر. رحم الله الفقيد بواسع رحمته وجزاه عن قطر وأمتها والإنسانية خير الجزاء. فكما جاء في الحديث الشريف: (خيرُ الناس أنفعهم للناس)، وأنا أشهد أمام الله بذلك. وجاء في الحديث أيضاً: (إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ يُنتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له). وأشهد كذلك أمام الله بما رأيت بعيني أنه قدم لهذا الدين وللإنسانية الشيء الكثير من صدقاتٍ ومساعداتٍ وعلومٍ ومراكز ومساجد، وبهذا كلنا نكون أبناءً له ندعو له جميعاً. أما عنوان المقال فهو جزء من حديثه رحمه الله في لقاء تلفزيوني يصف فيه قطر للعالم.
5733
| 14 يوليو 2026
لعل أسوأ ما قدمته بطولة كأس العالم الحالية هو بروز الحالة البالوجونية، نسبةً للاعب المنتخب الأمريكي: فولارين بالوجون. وهي حالةٌ تقوم على التعامل مع الاتحاد الدولي لكرة القدم وكأنه دولة في القرون الوسطى يحكمها فرد كما يشاء دون اهتمام بقوانين أو أعراف أو مشاعر ومصالح وآمال الآخرين. فرغم ما كانت تتعرض له الفيفا سابقاً من انتقادات، إلا أنها ظلت محافظةً على الحد الأدنى لمظهرها كمنظمةٍ ترعى رياضة كرة القدم دولياً، وحرصت دائمًا على أن تكون الحكم العادل في الخلافات بشأن اللعبة ومبارياتها. ولم يكن أحدٌ يتوقع أن تبلغ التجاوزات حد الاستهانة العلنية بقوانين اللعبة وأخلاقياتها كما فعل رئيسها جياني إنفانتينو. كان على إنفانتينو، قبيل انطلاق البطولة، التأكيد على أن الرياضة هي النقطة التي تتوقف عندها التأثيرات السياسية، وهي المظلة التي تلتقي تحتها الشعوب وتتنافس بنديةٍ. ولكنه صمت عن التجاوزات بحق الحكام والإعلاميين والإداريين الذين منعوا من دخول الولايات المتحدة. وكان هذا الصمت ثم تبرير ما حدث بحجج واهية هو السبب في الانهيار النسبي لشعبية البطولة دوليًا، لأن معظم عشاق اللعبة أدركوا أن طعنةً أصابتها في صميم أخلاقياتها التي تجمعهم. يجب علينا القول إن الفيفا في عهد إنفانتينو أصبحت مظهراً للفردية الديكتاتورية في مجال كرة القدم، فكان إلغاء البطاقة الحمراء التي تلقاها المهاجم الأمريكي فولارين بالوجون أمام البوسنة، وإسقاط عقوبة الإيقاف عنه ليشارك في مباراة بلجيكا هو المظهر الأبرز لتلك الفردية. ومناقشة ذلك كمخالفةٍ قانونيةٍ هو أمرٌ يبعث على الملل والشعور بعدم احترام عقولنا، لأن رئاسة الفيفا هي الجهة التي ارتكبت المخالفة. ورغم الاحتجاجات الدولية، لم يقم إنفانتينو بتبرير الأمر أو تقنينه، وكأن قراره لا يمكن لأحد مناقشته أو الاعتراض عليه. ثم جاءت مباراة مصر والأرجنتين لتخبرنا بأن هناك مسارات غير رياضية أدخل فيها إنفانتينو كرة القدم، والتي تتمثل في جماعات ضغط اقتصادية تعمل في مجال المراهنات الدولية، وتعتمد على وجوب استمرار منتخبات بعينها في المنافسة بغضِّ النظر عن خسارتها الفعلية لو خضعت مبارياتها لتحكيم نزيه غير خاضع لإملاءات إنفانتينو الخاضع بدوره لجهات لها مصالح عظمى في عدم نزاهة التحكيم. المخالفات علنيةٌ وكثيرةٌ جدًا، وليست المشكلة في السكوت أو عدم السكوت عنها، وإنما هي أن الشكوى ترفع للفيفا، وتكون على الحكام، ولا توجد آلية تخضع رئاسة الفيفا نفسها للمحاسبة القانونية. ومع وقوفنا مع الاتحاد المصري في شكواه، وانتظارنا لما ستسفر عنه مطالبات أعضاء في البرلمان الأوروبي بالتحقيق مع إنفانتينو، لكننا، للأسف، ندرك جيداً أن الحالة البالوجونية ستستمر، ولا يمكن التحكم فيها. الحل، ليس في الشكوى وإنما في العمل على توسيع دور المحكمة الرياضية الدولية ليشمل النظر والحكم في الخلافات مع الفيفا والشكاوى ضدها. وهذا الأمر ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو واجبٌ على المختصين القانونيين في الرياضة لمنع استفحال الحالة البالوجونية التي تهدد لعبة الجماهير الأولى في العالم. كلمة أخيرة: البالوجونية، ليست سلوكياتٍ فرديةً، وإنما هي منظومةٌ أخلاقيةٌ فاسدةٌ تقتل الروح الرياضية، وتدمر الأمل في كون الرياضة عنصرًا يجمع الشعوب.
1821
| 12 يوليو 2026
لم نستيقظ فجر اليوم (أمس) على وقع الضربات الصاروخية المتتالية، بل فزعت قطر عن بكرة أبيها لروح الوطن وسويداء قلبه، ويا للألم عندما يكون نبأ فقد أغلى من عرفته قطر والعروبة والنخوة والمروءة أشد وطئا من صليل المعارك، فقد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني "رحمه الله". كم هو صعب علينا أن نكتبها "رحمه الله" وهو لا يزال حيّا فينا، حيّا بيننا! ما فتئ يوجه ويسدّد، ومثله قليليون فقد فقد كان زعيما أنطق الصامت وأخرس الظالم ونصر المظلوم وأعان المحتاج وأغاث الملهوف، يعرفه كلّ قُطر في العالم شهد نكبة أو أزمة أو ضائقة أو كارثة طبيعية أو إنسانية. زعيم ملهمٌ غيّر بإنجازاته وعلاقاته الدولية مفهوم الحجم في عرف الجغرافيا الدولية من المساحة إلى الكتلة والقوة الدبلوماسية وأرسى دور صناعة التاريخ في صياغة الجغرافيا السياسية. زعيم ورّث مآثر ومنظومة قيم بنى عليها قطر (الإنسان) قبل أن يشيّد قطر (العمران) فاستثمر في أبناء قطر ومن فيها قبل أن يعبّد الطرق وما فيها أو يدشّن عصرية قطر ونهضتها الفريدة. لم يكن عهده وعودا على رمال متحرّكة بل جبالا راسخة فمنذ تقلده سدّة الحكم أعلن في زيارته لمنتدى علمي "جورج تاون" واشنطن مسيرة إنشاء الحياة الديمقراطية في الدولة فكان لقطر أول بيت للديمقراطية بعد عام واحد فقط. لم تكن الاستحقاقات التي منحها للشعب خطبا عصماء في محافل تستلهم التصفيق لتحقيق مكاسب برجماتية بل كانت صفحات حيّة لبرامج ومنجزات سجّلها التاريخ بحروف من نور. لن نكرر ما عرفناه وأشبعناه تحليلا في معطيات الشورى والمشاركة الشعبية وحلّ وزارة الإعلام وإنشاء شبكة الجزيرة التي كانت منبرا للشعوب المغلوبة وثورة إعلامية دولية عربية حتى النخاع سحبت البساط عن التدفق الأحادي الغربي حتى أسماها علماء الغرب (ظاهرة الجزيرة) تنافس بعدها المتنافسون، واختصم المختصمون حتى شهدت قطر والفضاء العربي في عهده أيضا ولادة نجم سهيل سات (القمر الصناعي) القطري لضمان السيادة دون انقطاع أو تشويش، كما حلّقت القطرية برؤيته آفاقا رحبة. فوق الإنجازات التي لا تسعها كتب التاريخ كان الوالد حمد الزعيم الإنسان قريبا من كلّ شيء، قريبا في كل شيء بما شهدناه بأم أعيننا، فلم نستوقف منه ولا معه ولا بأمره يوما على كلمة كتبناها ولا مقالا نقديا سطرناه في الإعلام بل كان هو الداعم الحقيقي والملهم الذي ما فتئ يتقبل ما تأتي به الصحافة بصدر رحب. وفي السياسة، شهدت موقفا عروبيا أصيلا لم تسطره الأخبار، فقد كنّا في انتظار سموّه في زيارة في دولة من الدول وكان قبيل الزيارة قد استعر القتل على الفلسطينيين من العدو الإسرائيلي المحتلّ في حرب سميّت عمليتها بـ (عمود السحاب). كنا فرحين بزيارة سموّه وقد وصل وقتها وفد المقدّمة ولم نتوقع أن تتطور الأحداث، فما كان إلا أن أُخطرنا أن الزيارة الأميرية تأجلت وسيعود وفد المقدّمة أدراجه إلى الدوحة، بعدها علمنا سرّ تغير البرنامج، فقد أعلن سمو الأمير الوالد عن عقده وترؤسه لمؤتمر إسلامي استثنائي لنصرة غزة في الدوحة. كرّس نفسه "رحمه الله" للقضية الفلسطينية وأعلن فيها صندوقا لدعم غزّة. أعادت العروبة والحميّة الذاكرة فينا إلى ما تربّى عليه الطفل حمد منذ نعومة أظفاره، فلا تزال صورته في المدرسة الابتدائية وهو يصدح في طابور الصباح دفاعا عن الجزائر عالقة في أذهاننا، ومن شبّ على شيء شاب عليه فما فتئ في الدفاع عن فلسطين وقضيتها حتى وفاته، فكان جديرا به أن أقيم له مجلس عزاء في غزّة وأن نكست الأعلام حدادا عليه في الدول العربية والإسلامية وعدد من دول العالم. هذا ولم يكن الوالد حمد نصيرا للمظلومين خارج وطنه بل كان رحيما عطوفا في شعبه ينطلق في رعيّته راجلا انطلاق الواثق الآمن يشارك بقرب (عدلت فآمنت فنمت) بشرا (يأكل الطعام ويمشي في الأسواق) عرفه أطفال قطر والمقيمون فيها وعجائزها عنوانا للحنان والرحمة. كان واسع الثقافة تسبقه روح المرح يصدق فيه "هم القوم لا يشقى بهم جليسهم" تتمنى أن كان الزمن قد وهبك جلسات وجلسات لتتعلم من معجمه الإنساني والفكري والتاريخي والعروبي. كان ملهما في مشاريعه التي حوّلت قطر إلى منارات علم دولية ومراكز إشعاع وثقافة فوق وضعه قطر الصغيرة حجما في مقدمة الكرة الأرضية ذكرا ونجاحه في تحقيق الوعد بأفضل نسخى عالمية في مونديال 2022. كان عالما فذا يثريك بتنوع معرفته وروعة مبادراته، يقف بأم عينه على كل صغيرة وكبيرة من مشاريع رؤيته ليس قبل ويوم تدشينها فحسب بل على مدار الأعوام. كان يراها كما ترى الأم وليدها ويتقبل كل رأي حولها بسعة صدر ويحفل ويهتم ويقرأ ويردّ دون وسطاء أو حرّاس بوابات، بل ويجعل الحركة النقدية حولها حركة اجتماعية صحيّة ومصدرا للإلهام والمشاركة الشعبية ومقاما للبحث والتقصي والتطوير دون مصاردة أوإقصاء محاسبا على أي تقصير ومعززا لكل تطوير. مهما كتبنا من كلمات من ردهات حزننا العميق اليوم لن نوفي الأمير الوالد سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني حقّه. فبقدر ما يكون المرء كبيرا والفقد عظيما يكون الجرح. استيقظت قطر كلها لوداعك فجر اليوم (أمس) بحرها وسماؤها وشعبها ومن فيها ونسيت أجراس الإنذار لتعدك أنها على العهد فقد كنت رجلا بأمّة وقد أوصيت وأنجبت ولم ولن يودّع من أنجب... وكما يقول الشاعر: لقد كانت في حياتك لي عظاة وأنت اليوم أوعظ منك حيّا
1200
| 13 يوليو 2026