رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. خالد بن راشد الحمودي المنصوري

مساحة إعلانية

مقالات

201

د. خالد بن راشد الحمودي المنصوري

الأمير الوالد.. رجل غير تاريخ وطن

19 يوليو 2026 , 03:55ص

- شهادة شخصية في قائد وأب ومعلم

- جمع بين الاعتزاز بهويته العربية والإسلامية والانفتاح الواعي على العالم

- آمن بأن قوة قطر تكمن في تعدد صداقاتها وصدقها مع شركائها

- رؤيته تقوم على فهم مراكز القوة والتأثير في العالم دون الارتهان لها

- كل لقاء عنده فرصة للدفاع عن مصالح قطر وبناء علاقة تعاون جديدة أو تصحيح فهم

لقد كنت، والحمد الله، شاهدا عن قرب لأدق الصفات الشخصية الحميدة والقدرات القيادية الرائعة لأحد أبرز صُنّاع نهضة دولة قطر الحديثة، وأحد القادة الذين تركوا بصمتهم الواضحة في تاريخ منطقتنا العربية وفي علاقاتها بالعالم.

بالنسبة إليّ، فإن الحديث عن المغفور له بإذن الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، لا ينحصر في سرد إنجازات قائد عظيم، ولا يقتصر على استعراض مرحلة مهمة من تاريخ قطر؛ ولكن حديثي يحمل في داخله جانبًا شخصيًا وإنسانيًا عميقًا، لأنني كنت واحدًا من أبناء قطر الذين أتيحت لهم فرصة العمل في المجال الدبلوماسي في عهده، والتفاعل مع رؤيته وتوجيهاته، وحضور جانب من لقاءاته ومحادثاته مع قادة الدول وكبار المسؤولين الدوليين. واليوم، نحن لا نقف أمام رحيل قائدٍ فحسب، بل أمام محطة وطنية وتاريخية وإنسانية تستدعي التأمل. لقد تزامنت مراحل أساسية من مسيرتي الدبلوماسية مع سنوات حكمه، منذ عملي في واشنطن، ثم أثناء تحملي مسؤولية إدارة الشؤون الأوروبية والأمريكية في وزارة الخارجية، وصولًا إلى عملي سفيرًا لدولة قطر لدى المملكة المتحدة، ثم سفيرًا في فرنسا. وفي هذه المحطات المتعددة، تشرفت بلقاء سموه، وبمتابعة حضوره في الاجتماعات والمباحثات، والاستماع إلى مداخلاته، وملاحظة طريقته في التفكير والحوار والتعامل مع القضايا الوطنية والدولية. ومن خلال تلك التجربة، لم أعرفه قائدًا للدولة فحسب، بل عرفته أبًا لكل أبناء قطر، ومعلّمًا تتجاوز الدروس المستفادة منه حدود السياسة والدبلوماسية إلى معاني القيادة والمسؤولية والإنسانية وخدمة الوطن.

قائدٌ يعرف ما يريد

كان الأمير الوالد، رحمه الله، من القادة الذين يدخلون الاجتماع وهم يعرفون بدقة ما يريدون تحقيقه، ولكنهم في الوقت نفسه يتركون المجال كاملًا للاستماع إلى الآخرين وفهم مواقفهم. لم يكن يتعامل مع اللقاءات الدولية على أنها مناسبات بروتوكولية أو فرص لالتقاط الصور وتبادل المجاملات، بل كان ينظر إلى كل لقاء باعتباره فرصة للدفاع عن مصالح قطر، وبناء علاقة جديدة، أو تصحيح فهم، أو فتح باب للتعاون، أو نقل موقف قطري واضح إلى الطرف الآخر.

وما كان يلفت النظر في حضوره أنه لم يكن يحتاج إلى رفع صوته حتى يفرض احترامه. كانت قوة منطقه، ووضوح عبارته، وثقته بنفسه وبوطنه، هي التي تمنح كلماته وزنها وتأثيرها. وكان يتحدث عن قطر، مهما كان حجم الدولة التي يجلس مع قائدها، باعتزاز كامل وندية مسؤولة؛ فلا مبالغة، ولا تردد، ولا شعور بالنقص أمام الدول الكبرى. وقد تعلمنا منه أن قيمة الدولة لا تُقاس فقط بمساحتها أو عدد سكانها، وإنما بما تملكه من إرادة، ورؤية، ومصداقية، وقدرة على المبادرة والتأثير.

مدرسة في الاستماع والحوار

من أهم الصفات التي لمستها في الأمير الوالد قدرته الكبيرة على الاستماع.

كان ينصت إلى محاوره باهتمام، ويتركه يعرض وجهة نظره، ويتابع التفاصيل الدقيقة في حديثه، ثم يتدخل في الوقت المناسب بسؤال أو ملاحظة تكشف أنه لم يكن يستمع إلى الكلمات وحدها، بل كان يقرأ ما وراءها من مواقف ومصالح وحسابات.

وقد أدركت من خلال متابعتي للقاءاته أن الاستماع عنده لم يكن صمتًا، بل كان جزءًا أساسيًا من القيادة. كان يمنحه القدرة على فهم الشخص الذي أمامه، ومعرفة أولوياته، والتمييز بين ما يقوله صراحة وما يريد الوصول إليه ضمنًا. وكان يمتلك قدرة لافتة على الانتقال من التفاصيل إلى الصورة الكبرى. فقد يبدأ النقاش حول قضية محددة، لكنه سرعان ما يضعها في إطارها الإقليمي والدولي، ويربطها بمستقبل العلاقات أو بتوازنات المنطقة أو بالمصلحة بعيدة المدى لدولة قطر.

ومن هذه اللقاءات تعلمت أن الدبلوماسية الحقيقية لا تقوم على كثرة الكلام، بل على دقة الكلمة، وحسن التوقيت، والقدرة على فهم الآخر من دون التنازل عن الثوابت والمصالح الوطنية.

الحوار معه كان مساحةً للتعلّم

لم يكن الحوار مع الأمير الوالد مجرد عرض للمعلومات أو تقديم لتقرير رسمي. كان حواره يدفع من يجلس أمامه إلى التفكير بصورة أعمق.

كان يسأل أسئلة مباشرة، قد تبدو بسيطة في صياغتها، لكنها تذهب إلى جوهر الموضوع: ماذا تريد هذه الدولة؟ ما مصلحتها الحقيقية؟ كيف تنظر إلى قطر؟ ماذا يمكن أن يحدث بعد سنوات؟ وما البدائل المتاحة أمامنا؟

وكانت أسئلته تعلّم المسؤول ألا يكتفي بما هو مكتوب في التقارير، وألا ينظر إلى الأحداث بمعزل عن سياقها التاريخي والسياسي والاقتصادي.

كما كان يمنح من يعملون معه فرصة التعبير عن آرائهم. وكان يستطيع التمييز بين الرأي القائم على المعرفة والتحليل، والرأي الذي يسعى صاحبه إلى مجاراة ما يعتقد أن القائد يريد سماعه. ولهذا كان القرب منه مسؤولية بقدر ما كان شرفًا؛ لأنه كان يتوقع من المسؤول أن يكون مستعدًا، مطّلعًا، صريحًا، وأن يعرض رأيه بأمانة، حتى إن كان مختلفًا، ما دام يصدر عن اجتهاد مخلص ومصلحة وطنية. وهذه من أهم الدروس التي بقيت معي طوال مسيرتي: أن القائد الحقيقي لا يريد من معاونيه أن يرددوا رأيه، بل يريد منهم أن يساعدوه على رؤية القضية من جميع جوانبها.

في لندن… قطر تتحدث بثقة جديدة

خلال فترة عملي سفيرًا لدولة قطر في لندن، كنت شاهدًا على مرحلة مهمة من تطور العلاقات القطرية البريطانية، وعلى الحضور المتزايد لدولة قطر في المملكة المتحدة سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا. وكانت زيارات الأمير الوالد ولقاءاته مع القيادة البريطانية والمسؤولين والمؤسسات المختلفة تعكس رؤية واضحة لبناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد، لا علاقة مؤقتة تحكمها مناسبة عابرة. لقد كان يدرك مكانة لندن السياسية والاقتصادية والإعلامية، كما كان يعرف طبيعة المؤسسات البريطانية وأهمية التعامل معها بعمق واستمرارية. ولذلك لم تكن العلاقات في نظره مقتصرة على الحكومات، بل كانت تشمل البرلمان والقطاع الاقتصادي والجامعات ومراكز الفكر والإعلام والمجتمع بمختلف مؤسساته. وفي لقاءاته في لندن، رأيت كيف كان يجمع بين الاعتزاز بهويته العربية والخليجية والقطرية، وبين الانفتاح الواعي على العالم. لم يكن يرى تناقضًا بين الأصالة والحداثة، ولا بين المحافظة على القيم الوطنية وبناء علاقات واسعة مع الدول والمجتمعات الأخرى. وكان حضوره يبعث فينا، نحن العاملين في السلك الدبلوماسي، شعورًا كبيرًا بالمسؤولية؛ لأننا كنا نمثل دولة بدأت تتقدم بثبات إلى موقع جديد، وأصبح مطلوبًا منا أن نكون على مستوى تلك الرؤية وذلك الطموح.

في إدارة الشؤون الأوروبية والأمريكية

وعندما كنت أتولى مسؤولية إدارة الشؤون الأوروبية والأمريكية في وزارة الخارجية، كان العالم يمر بتحولات سياسية وأمنية واقتصادية متسارعة، وكانت قطر تعمل على توسيع شبكة علاقاتها الدولية وتعزيز استقلال قرارها وحضورها.

وفي تلك المرحلة، كان توجيه الأمير الوالد واضحًا: ومن خلال المسؤولين الكرام في الوزاره أن نبني علاقات متوازنة مع الجميع، وأن نفهم الدول من الداخل، وأن نتعامل مع كل دولة وفق خصوصيتها، وألا نحصر العلاقات الخارجية في إطار واحد أو في شريك واحد. كان يؤمن بأن قوة قطر تكمن في تعدد صداقاتها، وفي قدرتها على التحدث مع أطراف مختلفة، وفي صدقها مع شركائها، وفي عدم تحويل الاختلاف السياسي إلى خصومة دائمة. وقد ساهم هذا النهج في بناء مكانة دبلوماسية مميزة لقطر، وجعلها لاحقًا قادرة على أداء أدوار الوساطة، وفتح قنوات الحوار، والمساهمة في معالجة أزمات وملفات معقدة.

من واشنطن إلى باريس

ومن خلال عملي في واشنطن، ثم لاحقًا في باريس، أدركت بصورة أوضح أهمية الأسس التي وضعها الأمير الوالد للسياسة الخارجية القطرية.

كانت رؤيته تقوم على فهم مراكز القوة والتأثير في العالم، ولكن من دون الارتهان لها. كان حريصًا على إقامة علاقات متينة مع الدول الكبرى، مع المحافظة في الوقت ذاته على استقلال القرار القطري وعلى الحق في تبني الموقف الذي يخدم مصالح الدولة وقناعاتها. وفي فرنسا، كما في بريطانيا والولايات المتحدة، كانت صورة قطر قد تغيرت كثيرًا عمّا كانت عليه في بداية المسيرة. أصبحت دولة معروفة بمبادراتها، واستثماراتها، ودبلوماسيتها، ومشاريعها التعليمية والثقافية، وقدرتها على الحضور في القضايا الإقليمية والدولية. وكان هذا التحول ثمرة رؤية طويلة، لم تُبنَ على ردود الأفعال، بل على عمل متراكم استمر سنوات، وقاده الأمير الوالد بإصرار وثقة وصبر.

أبٌ لكل أبناء قطر

على الرغم من مكانته السياسية وهيبة موقعه، كان الأمير الوالد قريبًا من أبناء قطر، يتعامل معهم بروح الأب الذي يريد لهم النجاح، ويشعر بالمسؤولية عن حاضرهم ومستقبلهم. كان يؤمن بالشباب القطري، ويمنحهم الفرص والمسؤوليات. ولم يكن ينتظر حتى يكتمل كل شيء في تجربتهم قبل أن يثق بهم، بل كان يعلم أن الخبرة تُبنى بالممارسة، وأن الإنسان ينضج عندما يشعر بأن وطنه يثق به.

وقد استفاد أبناء جيلي والأجيال التي جاءت بعدنا من هذه الثقة. فُتحت أمام القطريين مجالات واسعة في الدبلوماسية والاقتصاد والتعليم والإدارة والإعلام والثقافة، وأصبح المواطن شريكًا حقيقيًا في مشروع بناء الدولة. وكان يشعر أبناء قطر بأنه واحد منهم، وأن نجاح أي قطري هو نجاح للوطن كله. وهذه العلاقة الأبوية لم تكن خطابًا رسميًا، بل كانت تظهر في اهتمامه بالناس، وفي معرفته بأحوالهم، وفي حرصه على تمكينهم، وفي نظرته إلى المواطن بوصفه غاية التنمية ووسيلتها في آن واحد.

الإنسان أولًا

كان الأمير الوالد يؤمن بأن الثروة الحقيقية لدولة قطر ليست النفط ولا الغاز، وإنما الإنسان القطري.

ومن هذا الإيمان بدأت رحلة البناء الكبرى في التعليم والصحة والثقافة والبحث العلمي وإعداد الأجيال. لم يكن ينظر إلى الإنجاز بمنظار الحاضر وحده، بل كان يخطط لعقود قادمة، ويضع أسس دولة تستطيع أن تستمر وتزدهر مهما تغيرت الظروف.

وقد تجسدت هذه الرؤية في إنشاء المؤسسات التعليمية والبحثية واستقطاب الجامعات العالمية، وفي توسيع الخدمات الصحية، وفي دعم الثقافة والإعلام والرياضة، وفي تأسيس اقتصاد قوي واستثمارات استراتيجية تحفظ حقوق الأجيال القادمة. وفي عهده شهدت قطر نهضة اقتصادية واجتماعية وثقافية واسعة، وأصبحت حاضرة عربيًا ودوليًا بصورة لم تكن تتناسب فقط مع حجمها الجغرافي، بل مع حجم رؤيتها وإرادتها وطموح قيادتها. 

كما شكّل إطلاق شبكة الجزيرة تحولًا كبيرًا في الإعلام العربي، ورسّخ حضور قطر في الفضاء الدولي. وأولى سموه الثقافة والفنون والبحث العلمي والرياضة اهتمامًا مبكرًا، إدراكًا منه لقيمة القوة الناعمة في بناء مكانة الدول وتعزيز تأثيرها. وكان الفوز بحق استضافة كأس العالم FIFA قطر 2022 ثمرة من ثمار الرؤية التي انطلقت في عهده، قبل أن تتحول، في عهد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، إلى إنجاز عربي وعالمي استثنائي أثبت قدرة قطر على تحويل الطموح إلى واقع.

شجاعة القرار وبُعد النظر

من الصفات التي ميّزت الأمير الوالد شجاعته في اتخاذ القرار.

كان يعرف أن القرارات الكبرى لا تحظى دائمًا بالإجماع عند اتخاذها، وأن بعض الرؤى لا يفهمها الناس بصورة كاملة إلا بعد مرور السنوات وظهور نتائجها.

لقد اتخذ قرارات غيّرت مسار الدولة، وفتح أبوابًا جديدة أمام قطر، ودفعها إلى التفكير خارج حدود المألوف. وكان مستعدًا لتحمل مسؤولية قراراته والدفاع عنها، وهي صفة أساسية في كل قيادة تاريخية. ومن أعظم قراراته وأكثرها حكمة قراره بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في انتقال سلس ومستقر للقيادة، جسّد ثقته بالمستقبل، وحرصه على استمرارية الدولة، وإيمانه بقدرة الجيل الجديد على مواصلة المسيرة. لقد كان يستطيع أن يبقى في موقعه، لكنه اختار ما رآه أصلح لقطر، مقدّمًا نموذجًا في القيادة التي تعرف متى تبدأ ومتى تسلّم الأمانة.

خير خلف لخير سلف

ومنذ تولي حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني مقاليد الحكم، أثبت أنه خير خلف لخير سلف. فقد حافظ سموه على الأسس التي أرساها الأمير الوالد، وطوّرها بما يتناسب مع مرحلة جديدة وتحديات أكثر تعقيدًا. وقاد قطر بحكمة وثبات خلال الحصار، فخرجت الدولة من تلك المحنة أكثر قوة واعتمادًا على الذات وتماسكًا بين قيادتها وشعبها. وفي عهده تواصلت التنمية، وتوسعت المشاريع الوطنية، وتعزز الأمن الاقتصادي والغذائي، وارتفعت مكانة قطر عالميًا، ونجحت الدولة في تنظيم كأس العالم، وواصلت القيام بأدوار دبلوماسية وإنسانية ووساطات دولية مؤثرة.

ومن يقرأ مسيرة قطر في العهدين يدرك أننا أمام مشروع وطني متكامل: وضع الأمير الوالد أسسه، ثم حمل صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الأمانة، وحافظ على جوهر المشروع، وأضاف إليه رؤيته وإنجازاته، وقاده بثبات نحو مرحلة جديدة من النضج والقوة.

ما تعلمته منه

بعد عقود من العمل الدبلوماسي، أستطيع أن أقول إن الأمير الوالد كان بالنسبة لنا مدرسةً متكاملة في القيادة وخدمة الوطن.

تعلمنا منه أن الرؤية أهم من الانشغال بردود الأفعال، وأن القائد يجب أن ينظر إلى ما وراء الحدث وإلى ما بعد السنوات. وتعلمنا منه أن الاستماع ليس علامة تردد أو ضعف، بل أداة من أدوات القوة والفهم واتخاذ القرار. وتعلمنا أن احترام المحاور لا يعني الموافقة عليه، وأن الاختلاف يمكن أن يُدار بثبات وأدب ووضوح. وتعلمنا أن الدولة الصغيرة تستطيع أن تصنع لنفسها مكانة كبيرة متى امتلكت رؤية مستقلة، ومؤسسات قوية، وقيادة تثق بشعبها. وتعلمنا أن المسؤولية ليست امتيازًا، بل أمانة، وأن تمثيل الوطن في الخارج لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بالعمل والانضباط والمعرفة وحسن السلوك.

كما تعلمنا منه أن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما ينجزه في سنوات حكمه، بل بما يتركه بعده من مؤسسات، ورجال، وقيم، وثقة، وقدرة على الاستمرار.

إرثٌ باقٍ في الوطن والإنسان

إن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، لم يترك خلفه مجرد ذكريات، ولم يترك إنجازات مادية فحسب، بل ترك وطنًا مختلفًا، ومؤسسات راسخة، وأجيالًا واثقة بقدراتها، ودولة تعرف مكانها في العالم وتدرك مسؤولياتها تجاه شعبها وأمتها والإنسانية. لقد غيّر تاريخ وطنه لأنه غيّر أولًا طريقة تفكير أبناء وطنه في أنفسهم وفي مستقبلهم. جعل القطري يؤمن بأن بلاده قادرة على الوصول إلى أبعد الآفاق، وأن الطموح ليس مرتبطًا بحجم الجغرافيا، بل بحجم الإرادة.

أما بالنسبة إليّ، فستظل السنوات التي تشرفت خلالها بالعمل في ظل قيادته، واللقاءات التي حضرتها، والحوارات التي استمعت إليها، والتوجيهات التي تلقيتها، من أغنى تجارب حياتي المهنية والإنسانية. لقد كنت في حضرة قائد، لكنني كنت أيضًا في حضرة معلّم. وكل لقاء معه كان يضيف إلى الإنسان فهمًا جديدًا لمعنى القيادة، وكل حوار كان يفتح أمامه نافذة أوسع على العالم، وكل موقف كان يؤكد أن خدمة قطر أمانة تتطلب الإخلاص والشجاعة والمعرفة والوفاء. رحم الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمةً واسعة، وجزاه عن قطر وشعبها خير الجزاء، وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وقد ترحل الشخصيات العظيمة، لكن آثارها لا ترحل، وقد يغيب الرجال، بينما تبقى أعمالهم ومواقفهم وسيرتهم حاضرة في ذاكرة الأوطان، وشاهدة عليهم جيلاً بعد جيل.

سيبقى اسمه حاضرًا في تاريخ قطر، وستبقى سيرته في وجدان أبنائها، وسيبقى أثره شاهدًا على قائد أحب وطنه، ووثق بشعبه، وبنى للمستقبل، وترك الأمانة في يد قائد أمين، حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى.

حفظ الله سمو الأمير، وسدّد خطاه، ووفقه لمواصلة مسيرة البناء والنهضة، وأدام على قطر نعمة الأمن والعزة والاستقرار، لتبقى كما أرادها الأمير الوالد: وطنًا شامخًا، مستقل الإرادة، واثقًا بأبنائه، مؤثرًا بين الأمم.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

مساحة إعلانية