رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
افتتح حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بـن حمد آل ثـانـي أمـيـر قطر يوم 7 مارس مـؤتـمـر الأمــم المـتـحـدة الـخـامـس المـعـنـي بـأقـل الـبـلـدان نــمــواً، الـــذي انـعـقـد تـحـت شـعـار «مــن الإمــكــانــات إلـى الازدهــــار»، بمشاركة عدد من أصحاب الجلالة والفخامة والسعادة رؤســاء الــدول والـحـكـومـات والـــوزراء والدبلوماسيين من الدول الشقيقة والصديقة، وكانت كلمته الذهبية هي (مسؤوليتنا أخلاقية تجاه الشعوب الفقيرة).
ومــن نـاحـيـة أخـــرى افـتـتـح معالي الـشـيـخ مـحـمـد بـن عـبـدالـرحـمـن آل ثــانــي رئــيــس مـجـلـس الـــوزراء وزيــر الـخـارجـيـة مـع سـعـادة الـسـيـد أنـطـونـيـو غــوتــيــريــش، الأمـــين الــعــام لــلأمــم المــتــحــدة بـيـت الأمــم المـتـحـدة بمنطقة لـوسـيـل، ونــوه بـأن الـزخـم الإيجابي الــذي شـهـده افـتـتـاح بيت الأمــم المـتـحـدة ومـا يتميز به مـن حضور رفيع المـسـتـوى إنما هـو نتيجة عمل جاد ودؤوب وثـمـرة مـسـار بـدأ منذ أعــوام عـديـدة فـي إطـار الشراكة الإستراتيجية بين دولـة قطر والأمـم المتحدة، التي تم بفضلها افتتاح العديد من مكاتبها وهيئاتها في الدوحة، وجــاء ذلــك فــي كـلـمـة معالي الـشـيـخ مـحـمـد بــن عــبــد الــرحــمــن آل ثـانـي أمـام قـمـة مـجـمـوعـة الــبــلــدان الأقل نــمــواً، الــتــي انــعــقــدت بـالـدوحـة على هـامـش مؤتمر الأمـم المـتـحـدة المـعـنـي بـأقـل الـبـلـدان نـمـواً بمشاركة فخامة الرئيس لازاروس شـاكـويـرا رئـيـس جمهورية مـالاوي رئـــيـــس مــجــمــوعــة أقـــــل الـــبـــلـــدان نــمــواً وســعــادة الــســيــد أنـطـونـيـو غــوتــيــريــش الأمـــــين الـــعـــام لــلأمــم المــتــحــدة وعـــدد مــن مـمـثـلـي الـــدول المـــشـــاركـــة فـــي المــؤتــمــر والمــنــظــمــة الدولية، وأوضــح أن مــبــادرة دولـة قـــطـــر لاســـتـــضـــافـــة مـــؤتـــمـــر الأمـــم المــتــحــدة الــخــامــس المــعــنــي بــأقــل الـبـلـدان نـمـواً فـي الـفـتـرة مـن 5 إلـى 9 مــارس الــجــاري جــاء ت انـطـلاقـاً مــن إيـمـانـهـا بــضــرورة إيـــلاء أكـبـر قدر مـــن الاهـــتـــمـــام لــلاســتــجــابــة لاحتياجات هذه البلدان الأقل نمواً. وأضــاف: «أمـامـنـا عـلـى مــدار الأيــام فـرصـة تـاريـخـيـة لــكــي نـــؤكـــد مـــن جـــديـــد الــتــزامــنــا بــالــتــعــاون الــبــنــاء والــعــمــل مـتـعـدد الأطـــراف ودعــم أقــل الــبــلــدان نـمـواً فـي الـتـصـدي للتحديات الجسيمة مع مواصــلــة الـزخـم الإيـجـابـي وروح اعـتـمـاد الـتـضـامـن الـتـي تـمـيز بــرنــامــج عــمــل الـــدوحـــة، والــــذي تـم اعتماده بالإجماع، وأكـــد معاليه أن تــرجــمــة الـــوعـــود والــتــدابــيــر والالــتــزامــات الــطــمــوحــة الــتــي يــنــطــوي عـلـيـهـا برنامج عمل الدوحة وتحويله إلى إجراءات عـمـلـيـة وإحـــداث الـتـحـول في حياة شعوب أقـل البلدان نمواً سـتـكـون المــحرك لنـجـاحـنـا الـجـمـاعـي كــأســرة دولـيـة متضامنة في هذا المسعى، كما عبر معاليه عن تطلع دولة قطر لأن تـكـون الأيــام الـخـمـسـة لـحـظـة تـاريـخـيـة لا تتاح إلا مـــرة كـــل عــشــر ســنــوات وهي فـرصـة لـلأمـل والـتـغـيـيـر.
وتابع معالي رئيس الوزراء قائلا: «لا شك لدينا بأننا نؤمـــن أنه من خـــلال تــعــاونــنــا جــمــيــعــاً ستـتـوفـر لـنـا الفرصة لـــيـــكـــون المـــؤتـــمـــر مـنـعـطـفـاً مـهـمـاً لـلاسـتـجـابـة لــتــطــلــعــات شـــعـــوب هذه الــبــلــدان، مـؤكـداً أن دولـة قطر ستواصل سياستها المستندة إلى روح الـتـعـاون والمــبــادرة الـتـي طالما تمسكت بها وحرصت عليها بتوجيه من حضرة صاحب السمو أميرنا المفدى، وشــدد عـلـى حــرص دولــة قــطــر عــلــى مــواصــلــة تــقــديــم الــدعــم لأقــل الــبــلــدان نــمــواً بــالــتــعــاون مـع شـركـائـهـا حــول الـعـالـم.
وأشــار فـي هـــذا الــصــدد إلـــى تـخـصـيـص جــزء كــبــيــر مـــن مـــســـاعـــدات دولــــة قـطـر الإنـمـائـيـة الــدولــيــة لــهــذه الــبــلــدان، وذلــك اسـتـنـاداً لـسـيـاسـتـهـا الـثـابـتـة وإيـمـانـاً بـالـعـمـل الـقـائـم عـلـى مـبـدأ الــشــراكــة والــتــعــاون مــع المـجـتـمـع الدولي.
وقال غوتيريش: «على الـــدول الـغـنـيـة تـقـديـم 500 مـلـيـار دولار سـنـويـاً لمـسـاعـدة تـلـك الــدول الـعـالـقـة في حلقات مفرغة تعرقل جهودها الرامية لتعزيز اقـتـصـاداتـهـا وتحسين مرافق الصحة والتعليم، وأضــــاف: إن الـسـبـل تـقـطـعـت بـالـبـلـدان الأقــل نـمـواً وســط مـوجـة مـتـصـاعـدة من الأزمـــات والــديــون والـفـوضـى المـنـاخـيـة والـظـلـم الـعـالمـي، كـمـا انـتـقـد الدول الغنية التي قال إنها تخطط النظام المالي العالمي لخدمة مصالحها، مشيراً إلــى أن مـعـظـم الـبـلـدان المـتـقـدمـة لا تفي بوعودها، وتوجه الأمـين العام للأمم المتحدة للبلدان الفقيرة بالقول إنه «في ظل حرمانكم من السيولة العديد منكم مــحــروم مــن الــوصــول إلــى أســـواق رأس المال بفعل معدلات فائدة جشعة، وقال إن الـتـنـمـيـة الـبـشـريـة مستحيلة عــنــدمــا تــكــون أنــظــمــة حــمــايــة الـتـعـلـيـم والـــرعـــايـــة الــصــحــيــة هشة، كـمـا أنــه لا يـمـكـن لمـجـتـمـع أن يـزدهـر ويـخـلـق وظـائـف لائـقـة إذا كانت الاقــتــصــادات عـالـقـة فــي اتــجــاه تـصـديـر المواد الخام دون فرص للتحول الهيكلي للارتقاء.
وأضـــاف: «مـكـافـحـة كــارثــة المــنــاخ الـتـي لـم تتسبب فيها الــدول الأكـثـر فـقـراً أمـر مستحيل عندما تكون تكلفة رأس المال عـالـيـة جــدا، ويــكــون الــدعــم المــالــي الــذي تـتـلـقـاه للتخفيف مـن الــدمــار والـتـكـيـف معه بمثابة قطرة في بحر. وعــلــى صـعـيـد آخـــر أكـــد غــوتــيــريــش أن الأمـــم المــتــحــدة تـعـمـل فــي خـضـم هـذه المـظـالـم لتطوير إستراتيجيات انتقال سلسة بناء على دعم مخصص لعملية الـتـنـمـيـة، مـشـيـراً إلــى أن بـرنـامـج عمل الـــدوحـــة لــلــبــلــدان الأقــــل نــمــواً لـلـعـقـد القادم يتضمن إنـشـاء جامعة افـتـراضـيـة لـتـزويـد الـبـلـدان الأقــل نـمـواً بـإمـكـانـيـة الــوصــول لـلـعـلـوم والـخـبـرة والــتــكــنــولــوجــيــا لــتــطــويــر اقــتــصــاداتها وتأسيس قـــوى عــامــلــة أكــثــر ابــتــكــاراً وتــنــوعــاً، كـمـا سيتم إنـشـاء نـظـام لـتـخـزيـن المـواد الـغـذائـيـة لأقــل الــبــلــدان نــمــواً لمـكـافـحـة الجوع وارتفاع أسعار المـواد الغذائية، ويـتـضـمـن بـرنـامـج عـمـل الــدوحــة كـذلـك إنـــشـــاء مــنــظــمــة دولـــيـــة ومـــركـــز لدعــم الاســتــثــمــار، لمــســاعــدة الــبــلــدان الأقـــل نـمـواً عـلـى جــذب الاسـتـثـمـار الأجـنـبـي، بـالإضـافـة إلــى تـركـيـز آلـيـة بـنـاء الـقـدرة على الـصـمـود والـتـي تتمثل فـي زيـادة قـــدرة أقــل الــبــلــدان نــمــواً عـلـى الـتـكـيـف مـــع تــغــيــر المـــنـــاخ مـــن خـــلال تطوير نـظـام الإنــذار المـبـكـر وتدابير بناء قـدرة أصحاب المصلحة المتعددين على الصمود.
وأضاف: إن هذه التدابير ســتــدعــم قــــدرة الأفــــــراد والمــجــتــمــعــات والأنــظــمــة عــلــى مــجــابــهــة الــصــدمــات المـعـاكـسـة والـتـعـافـي مـنـهـا، وبـنـاء قـدرة عـلـى الـصـمـود طـويـلـة الأمـــد وحـمـايـة مـكـاسـب الـتـنـمـيـة الــتــي تـحـقـقـت بـشـق الأنــفــس. ومعلوم أن قــادة الدول المشاركة في مؤتمر الأمم المتحدة الـخـامـس المـعـنـي بـالـبـلـدان الأقــل نـمـواً، اتفقوا على خطط لتنفيذ برنامج عمل الدوحة لـلـبـلـدان الأقــل نـمـواً، وهــو الــتــزام مـدتـه عشر سنوات لتجديد وتعزيز الشراكات بين البلدان الأقل نموا والبلدان المتقدمة، وكذلك القطاع الخاص والمجتمع المدني، كــمــا ســيــكــون هــنــاك عـــدد من الــشــراكــات الـجـديـدة والالـتـزامـات الملموسة للوفاء بوعد برنامج عمل الدوحة لا سيما في ظل ما يشهده سكان البلدان الأقل نمواً مـن انخفاض حـاد وتـفـاوت متزايد في مستويات المعيشة، كما عـبـر سـعـادتـه عـن اعـتـزاز دولــة قطر بما تم تحقيقه في سياق الشراكة مع منظومة الأمــــم المـــتـــحـــدة، حــيــث رفــعــت قــطــر مـن مستوى تبرعاتها لوكالات الأمم المتحدة، ووقـعـت عـلـى الـعـديـد مـن الاتـفـاقـيـات مع مـخـتـلـف وكـــالات الأمـــم المــتــحــدة، والـتـي أثمرت تحقيق إنجازات عديدة ونتائج ملموسة.
ولـــفـــت معالي رئـــيـــس مـجـلـس الــــوزراء إلــى حـرص دولـــة قــطــر عــلــى أن تــكــون دائــمــا مـنـبـراً للعمل متعدد الأطراف، الأمر الذي يتجلى باحتضانها نخبة من الشخصيات رفـيـعـة المـسـتـوى لـلـمـشـاركـة فـي الافـتـتـاح الـرسـمـي لبيت الأمــم المـتـحـدة، مـعـربـاً عن تقديره لمشاركة سـعـادة السيد أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة في هـذا الافـتـتـاح، مثنياً فـي الـوقـت ذاتــه على دوره القيادي في الأمم المتحدة، وجهوده الـحـثـيـثـة فــي مــواصــلــة تـحـقـيـق الآمـــال المـعـقـودة على هـذه المنظمة الـتـي أحـرزت تـقـدمـاً ملحوظاً فـي صــون الـسـلـم والأمــن وتعزيز التنمية المستدامة ،هذا ويــضــم بــيــت الأمــــم المــتــحــدة في الدوحة مـكـاتـب لمـنـظـمـات مـهـمـة مـثـل: مـكـتـب الـيـونـسـكـو ومـكـتـب مـنـظـمـة الـعـمـل الـدولـيـة ومـكـتـب منظمة الصحة العالمية وصـنـدوق الأمـم المتحدة للطفولة «يونيسف»، ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والمنظمة الـــدولـــيـــة لــلــهــجــرة، والمـــركـــز الإقــلــيــمــي للتدريب وبناء القدرات في مجال مكافحة الجريمة السيبرانية، كما يضم كذلك مركز التحليل والتواصل الــتــابــع لمـكـتـب المـمـثـلـة الــخــاصــة لـلأمـين الـعـام المـعـنـيـة بـالأطـفـال والــنــزاع المسلح، ومـكـتـب الأمــم المـتـحـدة لتنسيق الـشـؤون الإنسانية، ومكتب الأمم المتحدة لبرنامج الأمــم المـتـحـدة الإنـمـائـي، كما يضم المركز الـدولـي المعني بتطبيق الـرؤى السلوكية على التطرف العنيف ومكافحة الإرهـاب، والمـكـتـب المعني بـالمـشـاركـة البرلمانية في مــنــع ومــكــافــحــة الإرهـــــاب، ومــركــز الأمــم المــتــحــدة الإقــلــيــمــي لمــكــافــحــة الـجـريـمـة السيبرانية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
6051
| 15 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1962
| 12 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم المنتشر في معظم مناطق قطر، حيث يرتاده كثيرٌ من أبناء الجاليات الآسيوية الكريمة، كان “راشد بن علي” يجلس مع صديقه الهندي “رفيق سراج”. عشرون عاماً ورفيق يعمل “سائقاً”، واليوم حانت لحظة الوداع. قبل أن يحزم حقائبه عائداً إلى بلاده، أراد أن يودّع “مديره السابق” بلمسة وفاء، فدعاه إلى قهوة على حسابه في هذا المجمع المعروف. راشد (مبتسماً): “رفيق، أنت يعرف، أنا ما في يجي هذا مكان، هذا كله عشان خاطر مال أنت.” رفيق (يهز رأسه): “شكرا، ما شاء الله نفر قطري كل زين، كل في طيب،… بابا راشد في سؤال: أنت وين روح اشتري أغراض بيت مال أنت؟” راشد: “أنا روح دايم (الميرة)، هذي شركة مال دوحة، لازم أنا سوي دعم.” رفيق: “أنت نفر واجد سيده، لازم يسوي دعم بلاد مال أنت.” غرق الاثنان في بحر الكلام والذكريات. وعند الوداع، غادر رفيق بدموع الوفاء، وبقي راشد وحيداً يتصفح رسائله على هاتفه. وفجأة… تيت تيت… بيب بيب… وصل “أمر العمليات” من القيادة العليا؛ “أم علي” نصيرة “الميرة”، والمنتج الوطني، قائمة طويلة من طلبات البيت لا أول لها ولا آخر، تبدأ بنص الرسالة: “إذا رحت (الميرة) جيب لنا ونبي………” نظر راشد حوله؛ الوقت ضيق والساعة متأخرة ليلاً، وهذا المجمع الذي يجلس فيه يوفر كل شيء. لكنه كان يتلفت يمنةً ويسرةً يخشى أن يُضبط متلبساً بـ”خيانة تموينية”. تلثم بغترته وقال في نفسه: “سامحيني يا أم علي يا أم الخير”. أخذ عربة التسوق متلثماً، وعند “الكاونتر” وضع الأغراض، فظهر المبلغ: 1500 ريال. ابتسم المحاسب الآسيوي وبدأ الحوار: المحاسب: “بابا، أنت في قطري؟” راشد (مستغرباً): “نعم، قطري، ليش رفيق…؟” المحاسب: “أنت في متقاعد؟” راشد: “نعم، Why…؟” المحاسب: “بابا، جيب بطاقة مال تقاعد.” أخرج راشد البطاقة متردداً وهو يتساءل، مرّرها المحاسب، وفجأة انخفض الرقم على الشاشة! المحاسب: “ما شاء الله بابا، واجد زين! أنت في خصم 5%.” توقف راشد لحظة صمت ودهشة وتلعثم… 75 ريالاً خُصمت في عملية واحدة فوراً تقديراً للمتقاعد القطري! فكّر في هذا المجمع التمويني التسويقي الخارج عن حسابات “أم علي” وتقديراتها، وكيف وجد فيه ترحيباً وتكريماً وتقديراً لم يتوقعه أبداً للمتقاعد القطري، وهو الذي لم يدخله يوماً من باب الولاء للمنتج الوطني. رفع يده للسماء وقال: “الله يسهّل عليك في حلالك يا يوسف بن علي… وجزاك الله ألف خير نيابةً عن كل المتقاعدين القطريين… عز الله إنك شنب ”. خرج راشد متلثماً ومعه “ماجلة أم علي ” إلى البيت، وهو “يحنحن” ويهوجس: أحياناً تسوقنا الأقدار إلى أماكن نتجاهلها ولم نعتدها، لنكتشف أن التقدير قد يأتي من حيث لا نحتسب… ومن “الغريب” قبل “القريب”. الأرض واسعة والناس شتى، والرزق عند الله لا عند البشر.
936
| 16 فبراير 2026