رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
على شريط ساحلي قبالة بحر أبيض، وبتوقيت يكاد يتفق واللحظة، تُعاد كتابة التاريخ بدمٍ لا يزال يجري طوفانه! فهناك في غزة ومنذ عامين ونيف، تبدو جريمة الإبادة الجماعية ليست حدثاً عابراً، بل وصمة عار على جبين تاريخ إنساني يشفع له ذاكرة عصيّة على النسيان، كشاهد لا ينام! لقد كان الناجون من الهولوكوست شهودا على مأساة كبرى أبى أكثرهم اليوم إلا أن يصوغ لتاريخ جديد، مأساة أكبر قد لا تُضاهيها، ضحاياها ناجون آخرون من مأساة أخرى. غير أن توثيق اليوم لا يشبه تأريخ الأمس، فالجريمة لم تعد تُروى، بل تُرى وتُسمع وتُقرأ مع كل زفرة نفس حية، شاهدة على زمن ساء وجهه!
وعن هذا المشهد، يصدر (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات) كتاب (الجينوسايد أو جريمة الجرائم: مجريات محاكمة إسرائيل في لاهاي)، الذي عكف على ترجمة مادته فريق متكامل من المركز، وقدّم له الأكاديمي والسياسي والمفكر الفلسطيني (د. عزمي بشارة)، وهو كتاب أخذ على عاتقه مهمة التوثيق مستنداً على «مداولات قانونية دولية».
يضم الكتاب مجموعة وثائق متعلقة بالقضية التي رفعتها جمهورية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل في ديسمبر 2023 أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، وهي تستند إلى «اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في قطاع غزة»، وذلك في سياق العدوان الإسرائيلي على القطاع منذ أكتوبر 2023. حيث تتضمن قرائن إدانة إسرائيل ضد أعمال استهدفت بها الوجود الفلسطيني في غزة مادياً ومعيشياً، وعلى المستويين المدني والرسمي، كما تتضمن التقرير المرفوع إلى مجلس الأمن في مايو 2024، والذي يوثق بالأدلة نية إسرائيل تنفيذ الإبادة والتحريض عليها. وكهدف رئيسي، يسعى الكتاب إلى عرض تلك الأدلة الرسمية أمام الهيئات الحقوقية والرأي العام العربي، من منطلق التأكيد على أهمية التوثيق القانوني في كشف الجرائم الإسرائيلية الممارسة ضد الشعب الفلسطيني.
وكالكتاب الذي يُقرأ من عنوانه، يأتي تقديم د. بشارة (الإبادة الجماعية: عن استخدام الخلاف على تسمية الجريمة في إنكار وقوعها)، بمثابة نص وافٍ مكتمل العناصر وغني بالدلالات، يقدّم للقارئ صورة شاملة عن جوهر القضية دون إخلال بعمقها أو بُعدها الإنساني، وهو يجمع خلاصة محتواه الوثائقي الغزير، ويكثّف ما تفرق فيه من شهادات وأدلة وتفاصيل قانونية أخرى.
ففي حديثه ابتداءً عن (تاريخ تجريم الجينوسايد في القانون الدولي وطبيعة التهمة)، يوضح د. بشارة أن منظومة القانون الدولي لم تتبلور إلا في العصور الحديثة، وذلك حين بدأت الدول الأوروبية بوضع قواعد تنظم علاقاتها البينية بمنأى عن الإقرار بالمساواة الأخلاقية بين البشر، غير أنها لم تُقدِم على تعريف جريمة الإبادة الجماعية إلا في القرن العشرين، وذلك كنتاج لصدمة الحرب العالمية الثانية وما خلّفته من فظائع، لا سيما حين مَثل قادة نازيون أمام محكمة عسكرية دولية بتهمة شن حرب عدوانية على دول أوروبية ومواطنيها، و»كانت هذه إذاً جريمة الجرائم». ثم جاءت (اتفاقية 1948) كأول اعتراف أممي يعتبر إفناء جماعة بشرية -جزئياً أو كلياً- بمثابة جريمة ضد الإنسانية، في حين انبثق مفهوم (الجينوسايد) على يد القانوني البولندي اليهودي (رفائيل ليمكين)، حين رأى في مذابح الأرمن والآشوريين نموذجاً لتدمير الجماعات ثقافياً، لا مجرد سفك للدماء وحسب، وقد اعتبر أن استهداف هوية الجماعة وثقافتها شكل من أشكال القتل الرمزي للإنسانية ذاتها. ثم تبنّت الأمم المتحدة رؤيته وتحديداً بعد المحرقة النازية، حيث وضعت تعريفاً ضيقاً للجريمة يربطها بالنية المسبقة لإبادة جماعة قومية أو دينية أو إثنية. أما اليوم، ومع قضية غزة المرفوعة في محكمة العدل الدولية، فإن الخلاف على تعريف النية والمصالح الدولية الكبرى، باتا يعطلان جوهر العدالة، في حين تبقى القيمة الرمزية للمحاكمة -وإن افتقدت التنفيذ- عامل فضح للجريمة، وتثبيت للذاكرة في وجه التواطؤ والنسيان.
لذا، وحين ينتقل د. بشارة إلى (إشكالية تحديد النية وإثبات وجودها)، يشير بوضوح إلى أن كلمة «الهدف» لم تُستخدم في صياغات الاتفاقية بقدر كلمة «القصد»، مؤكداً على أن هذا التفصيل لم يكن ترفاً لغوياً بقدر الدلالة على تعامل واضعي النص مع مفاهيم الجزاء الجنائي، حيث انصب الاهتمام على نقل الاتهام من فعل فردي إلى مشروع منظم يستهدف جماعة ما. أما من المنظور العملي، فإن إدراك الفاعل المسبق لنتيجة سلوكه من تدمير مادي أو بشري، يُعد مؤشراً على وجود القصد في التدمير، غير أنه في الحالات الدولية، قد يكون المُدعى عليه كيان دولة لا فرد، ما يضلل معالم المساءلة ويعقد إثبات القصد.
وحين يدرج د. بشارة (ملاحظة عن الهولوكوست والأمن والدفاع عن النفس)، فهو يكشف عن الوقائع التي من خلالها احتكر الخطاب الإسرائيلي سردية الضحية، محولاً الهولوكوست إلى أداة سياسية تبرر الجرائم المرتكبة ضد الفلسطينيين وتجرم أي نقد باعتباره معاداة للسامية، وقد تبنت مؤسسات غربية هذا الانحياز وهي تسارع لإدانة عملية السابع من أكتوبر وربطها بالمحرقة، في حين تجاهلت كلياً الوضع القائم في غزة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
11763
| 08 فبراير 2026
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2163
| 04 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1170
| 10 فبراير 2026