رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تطل مصر من بهاء ثورتها التي انطلقت في الخامس والعشرين من يناير المنصرم معلنة أنها باتت تمتلك روحا جديدة وتوهجا مغايرا عن كل أزمنتها السابقة بعد أن نجح شعبها في شطب ثلاثين عاما من حكم سعى بكل قوة خاصة خلال العقدين الأخيرين من عمره إلى الاستحواذ على عناصر القوة ومقومات الثروة مزيفا الحقائق مبعدا كل مبدع متيحا الفرص لناهبي موارد الوطن والفاسدين بعد أن أمتطى جواده نفر ممن يفتقرون إلى محددات الوطنية ويرتدون أزياء اللصوصية وهو ما يتم الكشف عنه يوما بعد يوما.
نجحت الثورة في فرض إرادتها وخرج الرئيس حسنى مبارك من كهنوت واحد من أهم معابد السلطة في الدنيا بعد أن حاول أن يوحى للعالم أن مصر من دونه مآلها إلى الفناء والفوضى وهو ما يستوجب على الثوار الجدد المحاطين بحماية وحدب القوات المسلحة وكل طوائف الشعب أن يقدموا نموذجا سياسيا جديدا للوطن يقوم على تطبيق ما دعوا إليه من عدالة وحرية واحترام للإنسان غير أن ذلك يستلزم من هؤلاء الثوار ألا ينخرطوا في العمل بعيدا عن خبرة الكبار وتجربة الشرفاء من أبناء مصر والأهم هو تجنب الدخول في منطقة الانقسام والذي بدت نذره أمس الأول بميدان التحرير مع توالي صدور بيانات المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يدير شؤون البلاد فقد رأت مجموعة من الشباب أن هذه البيانات تكفل تحقيق أهداف الثورة بشكل كامل بينما رأى آخرون أن الثورة مستمرة في الميدان لحين تحقيق الأهداف المرجوة منها، وهي إلغاء قانون الطوارئ فورا والإفراج عن جميع المواطنين ووضع دستور جديد للبلاد وتشكيل حكومة انتقالية وطنية يرتضيها الشعب وتشكيل جمعية تأسيسية لوضع دستور ديمقراطي جديد يكفل حقوق الإنسان ويتم استفتاء الشعب عليه، وإطلاق حرية تكوين الأحزاب السياسية وضمان حرية الإعلام وحرية تدفق المعلومات للصحفيين والحصول عليها وإلغاء المحاكم العسكرية.
ولاشك أن ثمة أجماعا على مشروعية هذه المطالب التي تشكل برنامج عمل الزمن الآتي في المحروسة بيد أنه في المقابل ينبغي الإدراك أن المكاسب التي حققتها ثورة الخامس والعشرين من يناير قد تجاوزت سقف التوقعات المنتظرة منها وهو ما تبلور في إجبار الرئيس مبارك على مغادرة موقعه العتيد على رأس السلطة في مصر وبالتالي فإن المطلوب هو أن ينتبه هؤلاء النفر من الشباب المخلصين الأنقياء إلى أن دوائر في الداخل وفي الخارج تتطلع إلى تمزقهم وتنافسهم خاصة في ظل غياب قيادة موحدة لهم خلال الأسابيع الثلاثة المنصرمة من عمر الثورة وفي الوقت ذاته التعامل بدرجة من الواقعية والعقلانية التي تكفل التعاون مع القوى السياسية والوطنية ومع قيادة المؤسسة العسكرية التي انحازت إلى خياراتهم في التغيير الجذري بعد أن اعتبرت أن مطالبهم مشروعة على نحو يجعلهم ضمن النخبة التي بمكن الاستعانة بها في إدارة المرحلة التي ستعقب المرحلة الانتقالية خاصة أن مجموعات سياسية مصرية نشطة أخذت تنادي باستبعاد من تجاوزا الستين من الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية وغيره من المواقع المهمة في الحكومة ومؤسسات الدولة لإعادة الحيوية إليها بعد أن أصابها الوهن والركود والترهل والشيخوخة في السنوات الأخيرة
وثمة من يدعو شباب الثورة بإلحاح في هذا السياق إلى أهمية آلا تنساق لأي صراع جانبي يفرض عليها لتفريغ طاقتها سواء كان صراعا حول الدين أو إسرائيل أو السياسة أو الأيدلوجية أو أمريكا أو الغرب أو غيرها من الصراعات الجانبية التي يمكن أن تشتت انتباه المصريين فكل هذه القضايا هامشية ولا تتعلق بجوهر الثورة وهي بناء مصر والمصريين وبالتالي فانه يتعين عليها إغلاق أي باب يفرغ طاقتها أو يشتت انتباها فمن الآن وصاعدا فإن العالم سوف يسعى لمعرفة المزيد عن تلك الثورة وسينطلق من منطلق شكي ناقد خائف متوجس فسمة الغريب الاقتراب بحرص مما يجهله ورفض الإفصاح عما بداخله أو عما يحمله من تحيزات داخلية عديدة وعميقة تخيفه وتقلقه بل وترعبه أحيانا.
وهنا فإنني أتفق مع الباحث السياسي المصري علاء بيومي بضرورة أن يتسم ثوار الخامس والعشرين من يناير في نظرهم للخارج بقدر من التواضع فثورتهم لن تغير العالم ولن تغير الشرق الأوسط، وسوف تحتاج لسنوات وربما لعقود لإعادة بناء مصر، كما أن العالم مليء بالقوى الأخرى القلقة والمتحفزة وهي لا تبحث عن دولة شابة جديدة صاعدة تريد أن تغير كل ما حوله فالسياسات الدولية والإعلام والفكر السائد بطبيعته محافظ جبان يخشى القفزات السريعة ومن ثم فانه يستوجب عليها – أي الثورة - التركيز على الداخل فأمامها مهمة شاقة لإعادة بناء مصر من ثقافة وتعليم وصناعة واقتصاد وهوية ومؤسسات سياسية وبعد ذلك ووفقا لمدى نجاح مصر في صناعة مستقبلها سوف يتحكم في سياستها الخارجية والتي يجب أن تقوم على السلام والعدل والحرية للجميع الأمر الذي سيتطلب منها أن تستعد للحديث للعالم وتوعيته بصورتها الصحيحة وتزويده بمعلومات كافية عنها، لذا فإن المأمول من الثورة وكل المسؤولين عنها أن تكتب عن نفسها وتحدد رسالتها الإعلامية وأن تبني صورتها قبل أن يبنيها لهم الآخرون.
وثورة مصر مطالبة في المرحلة القادمة من خلال تفاعلها مع القوى الحية بالمجتمع المصري بالتركيز - كما فعلت بنجاح على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية - على مفاهيم الوحدة والتسامح والسليمة واللاعنف والبناء والمستقبل والتعليم والثقافة والحرية والكرامة والمساواة والسلام وأن تدرك أن الوقت الحالي ليس وقت تصفية الحسابات،أو الحديث عما عانه المصريون أو عن مخاوفهم وإنما التأكيد دوما على أن المصريين هم وحدهم القادرون على بناء مستقبلهم، وأن العمل أهم من الكلمات، وأن الكلمة الطيبة هي الحوار الوحيد مع الأخر وأن تنظر في الآن ذاته إلى أن بناء مصر قوية في هدوء وتدريج وسلام وإيجابية هو أكبر نصرة لمصر والمصريين ولكل من ينتظر مصر قوية عزيزة وشامخة.
وإذا كان ثمة من يتخوف من المؤسسة العسكرية خلال فترة توليها إدارة شؤون البلاد فإن قيادتها عبر العديد من البيانات التي تتسم بالصياغات الواضحة والمحددة والعبارات المفهومة الغير قابلة للتأويل على أكثر من وجه قدمت ما يمكن اعتباره مرتكزات تطمين للشعب ونخبه السياسية المتطلعة إلى زمن الحرية والعدالة الاجتماعية وذلك بتأكيدها على أنها لن تكون بديلا عن الشرعية التي يرتضيها الشعب وإصرارها على تحقيق الانتقال السلمي للسلطة في إطار النظام الديمقراطي الحر، الذي يسمح بتولي سلطة مدنية منتخبة لحكم البلاد لبناء الدولة الديمقراطية الحرة. ولعل حرصها على تجنب استخدام القوة ضد المتظاهرين خلال فترة الاحتجاجات التي طالت بأكثر مما تتحمله بحكم طبيعة أدوارها ووظائفها التي ترتكز على حماية حدود الوطن الخارجية بالدرجة الأولى يؤشر إلى قدرتها على تطبيق وعودها بالعودة سريعا إلى ثكناتها وترك الأمر للساسة بعد أن تكون قد حددت خارطة طريق للزمن الآتي في مصر الجديدة.
والشاهد أن المؤسسة الدينية - وأقصد بها الأزهر الشريف - قد عبرت دخلت على هذا الخط وذلك من خلال تعبيرها في بيان أصدره شيخها فضيلة الدكتور أحمد الطيب عن ثقتها في أن ما وعد به المجلس الأعلى للقوات المسلحة ورجاله الشرفاء بمصر من أنه لا بديل عن الشرعية هو وعد الأحرار الأوفياء الذين يرعون هذه القيم والمبادئ بكل إخلاص وتقدير، معربة في الوقت نفسه عن أملها في أن تتم الإجراءات المؤدية إلى الانتقال السلمي لسلطة منتخبة وإلى إلغاء كل الإجراءات الاستثنائية في أقرب وقت ممكن بإذن اللـه تعالى. وذلك يبعث على المزيد من الاطمئنان في أداء المؤسسة العسكرية خلال الأشهر الستة القادمة وهي عمر الفترة الانتقالية قبل الولوج في بناء النظام السياسي المدني الجديد في المحروسة.
السطر الأخير:
لمن تدق أجراس الثورة
معلنة وأد الصمت والعتمة؟
ماذا لو صمتت الشبكة؟
في أحد المشاهد المفصليّة المبكّرة من فيلم Leave the World Behind، لا ينفجر شيء، ولا تُعلن حرب، ولا... اقرأ المزيد
33
| 10 مارس 2026
سينتهي كل شيء يا ناصر
اعذروني ولكني لم أجد شخصا يتتبع كل صوت ينطلق جراء اعتراض صاروخي أو سقوط شظايا أو انطلاق أجهزة... اقرأ المزيد
51
| 10 مارس 2026
الخليج بين نارين
لا شك أن إيران تمثل خطرا لا يستهان به. ولا شك أيضا أن الكيان الصهيوني بكل أذرعه الإرهابية... اقرأ المزيد
57
| 10 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار خط الدفاع الأول للاستقرار، فجوهر هذا المبدأ واضح ومباشر، الخلاف السياسي لا يبرر تهديد أمن الدولة المجاورة، ولا تحويل التوترات إلى مواجهات عسكرية، وعندما تُستبدل لغة الحوار بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن المشهد يتغير من خلاف دبلوماسي إلى خطر إقليمي مفتوح. حسن الجوار ليس بالضرورة التطابق في المواقف، بل يعني احترام الحدود والسيادة والامتناع عن أي تصرف يعرّض المدن أو المنشآت الحيوية للخطر. فلكل دولة الحق في أن تشعر بالأمان داخل أراضيها، وأن تحمي بنيتها التحتية وسكانها من أي استهداف مباشر أو غير مباشر. هذه قاعدة بديهية في العلاقات الدولية، لأنها تمس حياة المدنيين قبل أن تمس الحسابات السياسية. ما فعلته إيران من قصف منشآت داخل قطر، واستخدام صواريخ وطائرات، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد رسالة سياسية. استهداف البنية التحتية أو المرافق الحيوية يمثل تصعيدًا عسكريًا يضع المنطقة أمام احتمالات حرب خطيرة، فحين تُطلق الصواريخ وتنطلق الطائرات، لا تُصيب هدفًا ماديًا فحسب، بل تُصيب معها الثقة والاستقرار والأمن الإقليمي. الأخطر من ذلك أن مثل هذه الانتهاكات تجر دول الجوار إلى دائرة حرب المواجهة المباشرة وقد تتوسع سريعًا لنطاقات لا حد لها. فالهجمات بالصواريخ أو الطائرات لا تبقى ضمن إطار ثنائي، بل تفرض على الدول المجاورة اتخاذ إجراءات مقابلة، وهكذا تتحول حادثة واحدة إلى سلسلة ردود أفعال متلاحقة، قد تدفع المنطقة بأسرها إلى حافة مواجهة دامية. المنطقة الخليجية شديدة الترابط سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، أي تصعيد عسكري فيها يكون شرارة تحرق الأخضر واليابس. المنشآت المستهدفة ليست مجرد مبانٍ، بل مراكز طاقة واتصالات ومطارات وخدمات تمس حياة الملايين. وعندما تُستهدف، تتأثر سلاسل الإمداد، وتضطرب الأسواق، وتتراجع الثقة في استقرار الإقليم. وهذا ما يجعل أي عمل عسكري يتجاوز الخلاف السياسي ليصبح تهديدًا عالمياً مباشراً. من حق أي دولة أن تختلف مع جارتها في الرؤية أو التحالفات أو المواقف الإقليمية، لكن ليس من حقها البتة أن تنقل هذا الخلاف إلى مستوى استخدام القوة وحرب مفتوحة. فالصواريخ لا تحل النزاعات، والطائرات لا تبني جسور تفاهم. بل على العكس، هي أدوات ترفع منسوب القلق، وتزيد احتمالات سوء التقدير، وتفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب احتواؤها. إن استمرار مثل هذه التصرفات يضع قطر ودول الجوار أمام معادلة صعبة إما القبول بواقع أمني مضطرب، أو الدخول في سباق تصعيد لا يخدم استقرار المنطقة. وفي الحالتين يكون الثمن باهظًا على الجميع. لذلك فإن التمسك بمبدأ حسن الجوار لم يعد خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة إستراتيجية لتجنب الانزلاق إلى حرب لا يريدها أحد. وختامًا استهداف المدن والمنشآت بالصواريخ والطائرات لا يمكن تبريره تحت أي خلاف سياسي وتحت أي ذريعة مهما كانت. بل إنه يمثل خطوة تدفع المنطقة نحو حافة مواجهة أوسع. الحفاظ على الأمن الإقليمي يبدأ باحترام سيادة الدول وحدودها، وبتغليب لغة التهدئة على منطق القوة. دون ذلك، يصبح الجوار ساحة صراع بدل أن يكون إطارًا للتعايش والاستقرار.
2463
| 04 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. ib_1983@hotmail.com
2238
| 09 مارس 2026
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
2142
| 08 مارس 2026