رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يعتبر نجيب فاضل، الشاعر والمفكر البارز، ذا أهمية كبيرة لفهم تجربة حزب العدالة والتنمية الحالية، والأساس الفكري والاجتماعي الممتد من الفترة العثمانية إلى الجمهورية والذي ساهم في جلبهم إلى السلطة. نجيب فاضل، الذي لا يعتبر معروفًا كثيرًا في العالم العربي، يُعد شخصية فكرية مهمة في تركيا خلال القرن العشرين. ولد نجيب فاضل عام 1904 في عائلة عثمانية من عائلات النخبة التقليدية، وتعود أصول عائلة قيصاكورك إلى أبناء ذو القادر الذين استقروا في مرعش بعد السلاجقة. تلقى الطفل نجيب فاضل تعليمه الأول على يد جده، ثم حصل على تعليمه الابتدائي والثانوي في المدارس الأجنبية التي كانت رائجة في تلك الأيام. خلال سنوات دراسته للفلسفة في جامعة السوربون الفرنسية، ترك نفسه ينغمس في عوالم الترفيه والجموح وعاد إلى تركيا تحت تأثير الثقافة الغربية.
وعندما عاد نجيب فاضل إلى تركيا، انخرط في حياته المهنية كموظف حكومي في عدة بنوك. خلال هذه الفترة، استكشف الأوساط الأدبية من خلال اهتمامه بالشعر والمسرح. قدّم نجيب فاضل قصيدة شهيرة له في سن مبكرة جدًا بعنوان «الأرصفة» في عام 1923، وبسرعة دخل عالم الأدب في إسطنبول. نجيب فاضل، الذي يولي أيضًا أهمية لمجالات الفن الأخرى، كتب أيضًا أعمالًا نثرية ومسرحية، منها مسرحيته «توهوم» أو «البذرة» التي نشرت في عام 1935 وأخرجها المخرج الشهير محسن أرطغرول. كما تم عرض مسرحيته الشهيرة الأخرى، «خلق رجل»، في العديد من المسارح.
نجيب فاضل، الذي أصبح لاحقًا معروفًا كمعلم، شغل منصب مدرس في المدارس الفرنسية والأمريكية في إسطنبول، حيث قدم دروسًا في مجال الفلسفة في أكاديمية إسطنبول للفنون الجميلة. في سن الخامسة والثلاثين، التقى بشيخ الطريقة النقشبندية عبد الحكيم الأرواسي وأظهر اهتمامًا متزايدًا بالصوفية والتدين. خلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، شهدت تركيا ضغوطًا ناتجة عن حكم الحزب الواحد على المعارضة والطوائف الدينية. اضطر نجيب إلى ترك الخدمة المدنية عندما اتجه نحو الطريق الصوفي وبدأ في تجربة روحانية أكثر مثالية ومعارضة للنظام الحاكم.
وعلى عكس الصحفيين في تلك الفترة الذين زعموا أن الحرب العالمية الثانية لن تندلع، كان نجيب فاضل ينتمي إلى معسكر معاكس، حيث كان يعتبر أن الحرب كانت وشيكة. أصدر مجلة «بويوك دوغو»، أي الشرق الكبير، وهي أعظم إرث له بعد الحرب، في عام 1943. استمر اصدار «الشرق الكبير» بطابعها السياسي والفكري والأدبي، بأبعاد مختلفة، أغلبها أسبوعية (وأحيانًا يومية أو شهرية)، حتى عام 1978، وأصبحت رمزًا لنضال تركيا من أجل هوية مستقلة وإسلامية. يفهم من الرسائل التي كتبها نجيب فاضل إلى رئيس الوزراء مندريس في الخمسينيات أنه تعرض لضغوط كبيرة في الفترة السابقة وطلب الدعم في مواجهة الصعوبات المالية والسياسية التي قد يواجهها في الفترة الجديدة.
هو كان يرى ضرورة الانتصار الفكري على مشروع الغرب الممثل بالمالية مثل اليوم.
تم سجن نجيب فاضل بسبب بعض كتاباته، حيث استمر في الإنتاج الأدبي والفكري في ظل المشهد السياسي التركي المتقلب بين الديمقراطية والانقلابات. واحدة من القضايا التي أدت إلى سجنه كانت دفاعه عن أن السلطان عبد الحميد لم يكن سلطانًا سيئًا. خلد تجربته في السجن من خلال قصيدته «رسالة من الزنزانة إلى محمد» كُتِبت هذه القصيدة إلى محمد، الذي كان يُعْتَبَر ابنه الحقيقي ويرمز إلى شباب تركيا. في هذه القصيدة، وصف النظام القمعي بأنه وجه «عابس»، ولكنه لم يتخل عن أمله ومثالياته حتى وهو في السجن، قائلاً: «لا تظنوا أن هذه العجلة ستبقى على المطبات بشكل دائم“
أسس نجيب فاضل جمعية الشرق الكبير عام 1950، على غرار حزب سياسي وقام بإلقاء مؤتمرات في الأناضول. كانت فترة حكم الحزب الديمقراطي في تركيا خلال الخمسينيات فترة حيوية وإنتاجية في المجال الفكري والأدبي. شهدت هذه الفترة نشاطًا ملحوظًا في كتابة الشعر، والمسرح، والنصوص، والقصص، والروايات، والمذكرات، والأعمال الدينية والصوفية، والدراسات السياسية والتاريخية. وكما كان متوقعًا، قدمت عملية الحرية الديمقراطية في فترة مندريس فترةً مثمرةً من حيث الإنتاج الفكري والأدبي لنجيب فاضل.
نجيب فاضل، بلا شك، يُعد أحد أقوى الشعراء في تاريخ تركيا الحديثة، وفي الاحتفال بالذكرى الخامسة والسبعين لميلاده، منحته مؤسسة الأدب التركي لقب «سلطان الشعراء»، أي أعظم شاعر تركي على قيد الحياة. على الرغم من أن شعره يحمل طابعًا عثمانيًا، إلا أنه يعتبر من بين أقوى الشعراء الذين يفضلون الوزن المقطعي الأكثر مرونة بدلاً من وزن العروض الذي كان سائدًا في العصر العثماني. قام بتجميع قصائده في ديوانه ”الشقاء“. في قصائده، يتناول نجيب فاضل بشكل متكرر موضوع المشاعر مثل الخوف، إلا أنه في الوقت نفسه يعبر عن تقديره للحرية الروحية ويوجه انتقادات حادة للتمسك بالمادية والانهيار الأخلاقي.
نجيب فاضل كان دائماً في حوار مستمر مع الطبيعة والمكان من حوله، مثل الكائنات الحية: الأرصفة، البحر، الأشجار، المنازل، الطرق، الجدران... ومع ذلك، لم يرَ الإنسان كباقي الكائنات، بل كان يعرِّف الإنسان بأنه «ذو وعي فائق» و»ممثل للوديعة الإلهية»، وهو ما يضعه في مكان خاص، يقول: «توقفوا أيها الحشود»، مُذكِّرًا إياه بمسؤولياته. وبشكل خاص، يظهر موضوع مسؤولية المفكر المضطربة بوضوح في قصائده. في قصيدتي «المحاسبة» و»دستان» أي الملحمة، يستخدم لغة السخرية للتعبير عن استيائه من محاولات التلاعب باللغة التركية، حيث يقول: «هناك أمر للعندليب: تعلم اللغة من الوقواق“.
نجيب فاضل كتب العديد من القصص بجانب قصائده ومسرحياته المعروفة. جمع في كتابه «قصصي» 52 قصة من إبداعه، ورغم أن رواياته مثل «الكذبة في المرآة» و»ورقة الرأس» لم تحظ بنفس الاهتمام كباقي قصائده ومسرحياته، إلا أنها أظهرت تنوعًا في إبداعه. في كتابه «نسج الأيديولوجية»، كشف فاضل عن وجهة نظره حول القضايا الثقافية، الاجتماعية والسياسية. حتى أنه كان يقوم أحيانًا بنقل المعلومات الدينية من خلال التنكر في شخصيات علماء الدين، محاولًا ملء الفراغ الذي خلفه حظر التعليم الديني في تركيا. بعض أمثلة أعماله في هذا السياق هي «الإيمان والعمل» (1964)، «حضرة علي» (1964)، «الدائرة النبوية» (1968)، «النور النازل إلى الصحراء» (1969)، «أطلس الإيمان والإسلام» (1981)، و»الفكر الغربي والصوفية الإسلامية» (1982).
دلالات الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من العراق
في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001، دشّنت الولايات المتحدة ما عُرف بـ«الحرب على الإرهاب»، فبدأت باحتلال أفغانستان، ثم... اقرأ المزيد
501
| 05 أكتوبر 2026
انقلاب 1980 وآثاره طويلة المدى على تركيا
شهدت تركيا التي كانت جزءًا من المعسكر الغربي خلال الحرب الباردة، حالة من الاضطراب السياسي والاقتصادي الحاد خلال... اقرأ المزيد
315
| 28 سبتمبر 2026
عودة أصالة إلى سوريا
شهدت دمشق الأسبوع الماضي حدثًا ثقافيًا وفنيًا استثنائيًا، تمثّل في عودة الفنانة السورية الشهيرة أصالة نصري إلى بلادها... اقرأ المزيد
948
| 21 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أستاذ علم الاجتماع في جامعة قطر
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12165
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10596
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3687
| 22 أكتوبر 2026