رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الآونة الأخيرة زادت مطالب بعض الجهات الدولية بإلغاء نظام كفالة الأجانب المعمول به في بعض دول الخليج ودولة قطر باعتبار أن هذا النظام يعمل على ربط شرعية إقامة العامل الوافد بصاحب العمل أو(الكفيل) بما لا يمكن للعامل الوافد تغيير عمله أو وظيفته دون موافقة كفيله إلا في حالات استثنائية وبإذن صريح من الجهة المختصة وأنه لكي يستطيع العامل الوافد المغادرة يتعين عليه الحصول على تأشيرة خروج من كفيله.
ولكي نبحث موضوع نظام الكفالة بتعمق أكثر نقرر منذ البداية أن نظام كفيل الإقامة المعمول به في التشريع القطري وفقاً للقانون رقم 4 لسنة 2009 يستمد نشأته وتقريره وتطبيقه من ضرورات واقعية، أمنية واجتماعية واقتصادية تعطي للدولة حقاً كاملاً في صيانة أمنها وكيانها وهويتها، وهو حق معترف به لجميع الدول وفقاً لمبادئ القانون الدولي والمعاهدات الدولية.
ونظام الكفالة يعد إجراءً إدارياً قصد به تنظيم وضبط مركز الوافد فيما يتعلق بإقامته في الدولة في إطار التدابير والإجراءات والضمانات القانونية التي تهدف في الأساس لممارسة الدولة لحقوقها المشروعة في فرض سلطانها وهيمنتها من أجل حماية المجتمع القطري وكيانه من أي خطر قد يتعرض له، لاسيما مع وجود هذا الزيادة الكبيرة في أعداد الوافدين التي تجاوزت 85% من المواطنين القطريين.
إذن من حق الدولة التي يقيم على أرضها ما يجاوز 85% مقيم أجنبي غير قطري، أن تضع قيوداً لحماية أمنها واستقرارها، كما أنه من حق صاحب العمل في هذه الدولة أن يشعر بالأمان، ومن حق الوافد الأجنبي أيضاً أن يعيش حياة كريمة وأن يتمتع بكافة الضمانات والحقوق التي تحفظ له كرامته وحقوقه.
من هنا وفي ضوء هذه المعادلة لا يمكن القبول بأي إملاءات أو إجراءات تُفرض من الغير على أي دولة فيما يمس أمنها واستقرارها الاجتماعي والديموغرافي بل إن الدولة المعنية هي القادرة على إصدار التشريعات اللازمة التي ترى فيها ملاذ حمايتها وحماية مواطنيها، وبالتالي فإن المناداة بإلغاء نظام كفالة الوافدين والذي يعتبر – في اعتقادنا – صمام أمن واستقرار الدولة والمجتمع القطري، هذه المناداة تستحق الدراسة، ذلك أن نظام الكفالة أثبت فاعليته وجدواه طيلة العقود الماضية واستطاعت الدولة التحكم والسيطرة على قطاع العمالة الوافدة بما انعكس إيجاباً على الدولة والكفلاء والمكفولين ووفر الطمأنينة والاستقرار لأصحاب الأعمال وللعاملين المكفولين على حدٍّ سواء، ولا يقدح في كل ذلك حدوث بعض السلبيات وتلاعب بعض أصحاب النفوس الضعيفة بمخرجات هذا النظام واستغلاله لمصالحهم الخاصة. وقد تكفلت التشريعات المعمول بها حالياً في الدولة بمعاقبة الكفيل في حالة ما إذا شكل فعله هذا مخالفة أو جريمة أو ذنبا سواء من الناحية الجنائية أو المدنية، ويستطيع المكفول أيا كانت صفته أن يقاضي كفيله أمام الجهات المختصة.
صفوة القول أن المشرع القطري عندما أوجب على كل وافد أجنبي يريد الإقامة في البلاد، أن يكون له كفيل قطري إنما قصد من ذلك تنظيم وضبط مركز الأجنبي فيما يتعلق بإقامته في الدولة ضمن الأطر التي تهدف في الأساس إلى ممارسة الدولة لحقوقها المشروعة في فرض سيادتها وسلطتها من أجل حماية المجتمع القطري ولم تقصد من هذا الإجراء الإساءة إلى العامل الوافد أو الانتقاص من حقوقه أو كرامته لأنه مع غياب الضوابط والشروط التي تحدد إقامة الأجانب في الدولة ومنها أن يكون لكل أجنبي كفيل إقامة قطري، سوف تعم الفوضى والاضطراب مما سوف تبرز معه العديد من المشكلات سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي بما يزعزع الاستقرار في المجتمع القطري. ونؤكد على أن النقد الموجه إلى نظام الكفالة نابع في حقيقة الأمر من عدم إدراك وأهمية هذا الإجراء للمجتمع القطري وخصوصيته فيما يتعلق بالتركيبة السكانية.
قلنا إن بعض ضعاف النفوس من الكفلاء القطريين حولوا نظام الكفالة المعمول به إلى أداة لاستغلال مكفوليهم من العمالة الوافدة عندما يرفض الكفيل إعطاء المكفول موافقة بنقل كفالته إلى شخص آخر والسماح له بالعمل لدى الآخرين ويصر على مغادرة العامل إلى بلده رغم أن هناك فرصة لكي يعمل هذا العامل في الدولة.
والثابت أن المخالفين من الكفلاء القطريين لنظام الكفالة هم قلة شاذة من المواطنين العاديين وأصحاب المؤسسات الصغيرة والشركات الوهمية أما غالبية الكفلاء سواء من الجهات الحكومية أو المؤسسات والشركات والأفراد فهم يعاملون المكفولين المعاملة الإنسانية اللائقة ويعطونهم حقوقهم المالية والمعنوية كاملةً.
والواقع أن القانون رقم 4 لسنة 2009 بتنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم وكفالتهم والذي تضمن في الباب الرابع منه المواد التي تنظم كفالة الوافدين اشتمل على عدة إيجابيات خففت الكثير من القيود التي قد يفرضها الكفلاء على المكفولين وهي على النحو الآتي:
أولاً: بموجب المادة (43) من القانون يجوز لوزير الداخلية إصدار سمات ومنح تراخيص إقامة بدون كفيل للفئات التالية:
1- المستثمرون الخاضعون لأحكام القانون رقم (13) لسنة 2000 بتنظيم استثمار رأس المال غير القطري في النشاط الاقتصادي.
2- المالكون والمنتفعون بالعقارات والوحدات السكنية وفقاً لأحكام القانون رقم (17) لسنة 2004 بتنظيم تملك وانتفاع غير القطريين بالعقارات والوحدات السكنية.
3- أي فئات أخرى تحدد بقرار من مجلس الوزراء.
مؤدى ما تقدم أن التشريع القطري سمح لطائفة من الوافدين بالإقامة في الدولة دون كفيل إقامة، كما خول القانون مجلس الوزراء ضم فئات أخرى من الوافدين وإعطاءها رخص إقامة في البلاد دون كفيل.
ثانياً: سمح القانون بنقل كفالة العامل الوافد على أن يكون ذلك باتفاق كتابي بين صاحب العمل الجديد وصاحب العمل السابق للعامل بعد موافقة الجهة المختصة بوزارة العمل بالنسبة للفئات الخاضعة لأحكام قانون العمل.
ثالثاً: واستحدث القانون حالة جديدة لنقل كفالة العامل، إذ أجاز لوزير الداخلية الموافقة على نقل كفالة العامل الوافد بصفة مؤقتة في حالة وجود دعاوى بين الكفيل والعامل الوافد، وللوزير أو من ينيبه الموافقة على نقل كفالة الوافد الذي لا يسري عليه قانون العمل مثل الموظفين والعاملين في الوزارات والهيئات والمؤسسات العامة وخدم المنازل والمستخدمين في الأعمال العارضة إلى رب عمل آخر في حال ثبوت تعسف الكفيل أو إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك. ويجوز للوزير أو من ينيبه بناءً على طلب العامل وموافقة وزارة العمل نقل كفالة العامل الذي يسري عليه قانون العمل إلى رب عمل آخر.
مؤدى ذلك أن المشرع القطري أعطى لوزير الداخلية صلاحية نقل كفالة المكفول إلى صاحب عمل جديد دون موافقة كفيله في الأحوال السابقة.
جميع ذلك يدل على أن المشرع القطري خطا خطوات متقدمة وأدخل تعديلات على نظام الكفالة المعمول به لصالح المكفولين الوافدين.
ومن جهة أخرى فإن القانون عالج مأذونية خروج المكفول في المادة (18) إذ نصت المادة على أنه: "ولا يصرح للوافدين فيما عدا النساء اللاتي على كفالة رب الأسرة والقُصّر والزوار الذين لا تجاوز مدة زيارتهم للدولة ثلاثين يوماً بمغادرة البلاد بصفة مؤقتة أو نهائية إلا بعد تقديم إذن بالخروج من كفيل الإقامة".
ويحل محل هذا الإذن، عند تعذر حصول الوافد عليه لامتناع كفيله من إعطائه له أو لوفاة الكفيل أو لغيابه مع عدم تعيينه وكيلاً عنه، تقديم كفيل خروج، أو شهادة بعدم وجود أحكام تحت التنفيذ أو دعاوى مطالبة ضد الوافد، تصدر من المحاكم المختصة بعد مضي خمسة عشر يوماً من تاريخ الإعلان في صحيفتين يوميتين لمرة واحدة من تاريخ مغادرة الوافد للبلاد، وذلك وفقاً للإجراءات والضوابط التي يصدر بها قرار من الوزير.
المستفاد من هذا النص أن المشرع القطري قرر ضرورة حصول المكفول قبل مغادرته البلاد على إذن خروج مكتوب من كفيله، ولا يستطيع المكفول مغادرة البلاد إلا بحصوله على هذا الإذن (مأذونية الخروج) إلا أنه بالمقابل وضع بدائل أخرى في حالة ما إذا امتنع الكفيل أو تعذر حصول المكفول على الإذن.
والحقيقة أن البدائل التي أوردها المشرع في المادة (18) تحتاج إلى إعادة نظر لتمكين المكفول من الحصول على إذن الخروج بسرعة وحتى لا يكون عُرضةً لإجراءات طويلة ومعقدة تمنعه من السفر وطالما أن المشرع قرر الاستغناء عن موافقة الكفيل على مأذونية خروج مكفوله سواء لرفضه أو غيابه فإنه يتعين وضع آلية سريعة لتمكين المكفول من السفر فوراً.
وفي اعتقادي الخاص أن إيجاد آلية سريعة لحصول المكفول على مأذونية خروج في حالة رفض الكفيل ذلك أمر تحتمه المصلحة العامة للدولة وهو إجراء من المهم تحقيقه بتخصيص جهة محددة بوزارة الداخلية تختص بإصدار مأذونيات خروج الوافدين فوراً وبعد التحقق من عدة بيانات للوقوف على أسباب امتناع الكفيل عن التوقيع على مأذونية خروج مكفوله.
وفي جميع الأحوال إذا ما ثبت أن الكفيل قد تعسف أو تعمد عدم التوقيع على مأذونية خروج المكفول فلابد من مؤاخذته عن هذا التصرف.
وتبقى نقطة أخيرة ومهمة يتعين علاجها وهي مسألة نقل كفالة العامل الوافد من كفيل لآخر.
أوضحنا أن القانون الحالي لتنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم وكفالتهم اتخذ خطوات مهمة نحو إصلاح نظام الكفالة حين ذهب المشرع القطري في المادة (22) من القانون إلى السماح بنقل كفالة العامل الوافد وكذلك ما تضمنه القانون في المادة (12) من الموافقة على نقل كفالة العامل الوافد في حال ثبوت تعسف الكفيل أو إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك.
مؤدى ذلك أن المشرع القطري عمل على تخفيف القيود التي تحد من نقل الكفالة للعمال الوافدين لأسباب حددها القانون على النحو الذي أشرنا إليه سلفاً.
وبالنظر إلى أن القانون أو التشريع الذي يحكم إقامة وتنقل الأجانب أو الوافدين أو المهاجرين في معظم الدول تحتاج قواعده إلى المراجعة الدائمة والتعديل والإضافة وفقاً لمقتضيات المصلحة العامة للدولة، وهو من أكثر القوانين واللوائح التي من الضروري مراجعتها بين فترة وأخرى. وتعتبر هذه القوانين الأهم التي توفر الاستقرار والطمأنينة لكافة شرائح المقيمين في الدولة ومعرفة حقوقهم وواجباتهم والضمانات المقررة لهم وكذلك ما يتوجب عليهم الالتزام به لتأتي إقامتهم مشروعة ومتفقة مع التشريعات النافذة في الدولة.
وأرى كخطوة أولى متقدمة ضرورة إصدار تعديل تشريعي يعطي المكفول الحق في نقل كفالته من كفيله إلى صاحب عمل آخر بعد انقضاء فترة يحددها المشرع القطري، بما يسمح للعامل بنقل كفالته بعد مرور تلك الفترة دون موافقة كفيله على أن تتولى وزارة الداخلية إصدار تلك الموافقة بعد تأكدها من عدم وجود موانع قانونية تمنع من ذلك على أن يسري هذا التعديل على جميع المكفولين الخاضعين لقانون العمل.
الازدحام المروري إلى أين؟
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); تشير الإحصائيات الصادرة من الجهات الرسمية إلى أن معدلات تسجيل المركبات الخاصة (خصوصي)... اقرأ المزيد
6823
| 12 يناير 2015
مركز الأجانب القانوني وحقوقهم في الدولة
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); المقصود بالأجنبي هو كل فرد يوجد في دولة لا يكون من رعاياها، والأجنبي... اقرأ المزيد
11659
| 21 أبريل 2014
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10416
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3474
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2487
| 08 سبتمبر 2026