رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نضج الذكاء الاصطناعي بشكلٍ ملحوظٍ وأحدث ثورةً في قطاع الخدمات المالية، وبات بإمكانه تعزيز خدمة العملاء وتقليل التكاليف والحد من الاحتيال، ولكن فقط من خلال الإدارة الواعية. كان الذكاء الاصطناعي موجودًا في حياتنا بشكل ما لعدة عقود، ولكنه نضج بصورة ملحوظة في عشرينيات القرن العشرين، حيث أدت عدة عوامل مجتمعة مثل ظهور أجهزة الحاسوب الأسرع والبيانات الضخمة”Big data” والتحسينات التي حدثت في القدرات التنبؤية إلى خلق جيل جديد من الأدوات المتقدمة. وتمتلك دولة قطر استراتيجية للذكاء الاصطناعي، أعدها معهد قطر لبحوث الحوسبة، تلتزم بضمان أن تكون الدولة رائدة عالميًا في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في المجالات ذات الاهتمام الوطني.
ويركز هذا المقال على آثار الذكاء الاصطناعي المترتبة على قطاع البنوك والخدمات المالية، حيث توقع تقرير صادر عن مؤسسة Autonomous Next Research في عام 2021 توفير الذكاء الاصطناعي لتكاليف تبلغ قيمتها 500 مليار دولار على مستوى العالم بحلول منتصف العقد الحالي. وفي هذا السياق، من المهم للغاية إعلان مصرف قطر المركزي في شهر مارس من العام الحالي عن استراتيجية قطر للتكنولوجيا المالية 2023 لتعزيز التكنولوجيا المالية المبتكرة. وقد دأبت العديد من البنوك القطرية على الاستفادة من التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث أخذ البنك التجاري ومصرف قطر الإسلامي زمام المبادرة في تطبيقاتهما. وسوف يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر انتشارًا وتقدمًا مع توسع عملية استخدامه ودمجه في الأعمال. وسيتعين على الاقتصادات التكيف بسرعة وفعالية في هذه المجالات لضمان استمرار المنافسة والازدهار. ويتميز أحدث جيل من أدوات الذكاء الاصطناعي بقدرته على معالجة بيانات أكثر بكثير، وبشكل أكثر دقة، من أي إنسان، ويمكنه اكتشاف الأنماط وتوجيه البشر عند اتخاذهم للقرارات. ومع ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي لا يكون مفيدًا إلا إذا كانت البيانات التي يستخدمها دقيقة وحديثة. والمشاكل المعروفة في الذكاء الاصطناعي هي انحياز الآلة، حيث تتأثر المعايير بانحياز مصممي النظام ويمكن تضخيمها مع الاستخدام؛ وانحراف النموذج ‘Model-Drift’ الذي يشير إلى الفشل في تحديث نظام آلي مع تغير السياق.
وإذا كانت نقطة الضعف الكبرى في الذكاء الاصطناعي هي البيانات السيئة، فإن نقطة الضعف الكبرى في الذكاء البشري هو سوء الأحكام – التي قد يغذيها الرغبة في عوائد غير اعتيادية في قطاع الخدمات المالية في كثير من الأحيان. ويمكن أن تقلل الاستخدامات الذكية للذكاء الاصطناعي من تأثير كليهما، وهو ما يعزز عملية صنع القرار ويقلل من التكاليف في آن واحد. وهناك ثلاثة مجالات تُستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد فيها هي قرارات الاستثمار، والقرارات الائتمانية، واكتشاف الاحتيال أو غسيل الأموال. وكثيرًا ما تُتخذ قرارات الاستثمار التي توظف الأساليب التقليدية باستخدام نسبة منخفضة من البيانات ذات الصلة. ويمكن أن يؤدي الاستخدام الذكي للذكاء الاصطناعي إلى تحسين ذلك بشكل كبير، لكن القرار النهائي لا يزال متروكًا للإنسان في العادة. وما يمكن للآلة فعله هو تقديم سيناريوهات تستند إلى التوقعات، مثل وضع سلسلة من السيناريوهات بناءً على مستويات مختلفة من أسعار الفائدة، مع مراعاة الرغبة المفضلة في المخاطرة. وعلاوة على ذلك، يمكن لمستشار الاستثمار الآلي اكتشاف الفرص التي قد تفوت حتى على محلل الاستثمار المتمرس بفضل قدرته على رصد الملايين من نقاط البيانات.
وعند تقييم الجدارة الائتمانية للفرد أو الشركة، يمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي إجراء تحليل أكثر دقة بكثير لتواريخ الإنفاق والادخار. ويمكن اتخاذ قرار بشأن القروض بشكل أسرع وأكثر إنصافًا، حيث يُعتبر السلوك الماضي عمومًا أفضل دليل للمخاطر المستقبلية. ولا يزال بإمكان "الشعور الغريزي" ‘Gut feeling’ لمدير الائتمان أداء دور مهم، ولكنه يكون أكثر موثوقية إذا استفاد أيضًا من البيانات والتحليلات.
ويتميز التداول الخوارزمي “Algorithmic trading” بسرعته وفعاليته الفائقة في اكتشاف فرص تحقيق العائدات المالية، ولكن المؤسسات قد ترغب في مراقبة التأثيرات الأوسع لقراراتها الاستثمارية، بما في ذلك الاعتبارات الاجتماعية والبيئية وتلك المتعلقة بالحوكمة.
ويمكن لبعض التحليلات البشرية أن تساعد في التعامل مع مشكلة معروفة في الذكاء الاصطناعي تتعلق بالقابلية للتفسير “Explainability”: ففي بعض الأحيان يرفض النظام الآلي أحد القرارات الائتمانية، لكن النظام لا يمكنه تفسير السبب، وهو ما لا يثير إعجاب العميل المحتمل. وعند التحقق من السلوكيات غير القانونية، مثل غسيل الأموال أو تمويل الجماعات الإرهابية، يمكن أن تكون أدوات الذكاء الاصطناعي أكثر شمولاً ودقة من الأساليب التقليدية. فعلى سبيل المثال، دفعت اللوائح التي تؤدي إلى إجراء تحقيق في المعاملات المالية التي تتجاوز مبلغًا معينًا العصابات الإجرامية إلى استخدام آلاف المعاملات التي تقل عن الحد الأدنى للحيلولة دون الكشف عن هذه العصابات. وبإمكان نظام الذكاء الاصطناعي المتقدم التعرف على مثل هذه الأنشطة المنسقة. ولن يتمكن فرد أو حتى فريق في كثير من الأحيان من تتبع أنماط مثل هذا العدد الكبير من التحويلات في عملية معقدة. وهناك اعتبار اجتماعي آخر، وهو الاعتبار الذي نوقش لفترة طويلة حول كيفية تدمير الأتمتة للوظائف. ومن الناحية التاريخية، تميل كل موجة من الثورات التكنولوجية إلى توفير مجموعة الوظائف وإلغاء وظائف أخرى كذلك، لكن صانعي السياسات سيحتاجون إلى مراقبة الوضع لأن هناك مناطق ومهن معينة قد تتأثر بصورة أكبر من غيرها. وقد توقع تقرير صادر عن مؤسسة جولدمان ساكس في شهر مارس من العام الحالي إمكانية تعرض ما يصل إلى 300 مليون وظيفة يشغلها الأفراد حاليًا لخطر الأتمتة واستعمالات الذكاء الاصطناعي. وتشير التجربة في مجال الخدمات المصرفية حتى الآن إلى أن أفضل الأساليب هي التي تتضمن دمج مزيج من الذكاء البشري والاصطناعي. وتأتي أكبر الأخطاء من عدم الاعتراف بنقاط ضعف كل منهما. ويمكن أن يؤدي تسخير أفضل ما في الذكاء البشري والاصطناعي بشكل فعال إلى تحقيق نتائج فائقة وحتى ثورية، للعملاء والشركات والمجتمع.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @Fahadbadar
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5223
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4989
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1710
| 13 مايو 2026