رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- إعمار غزة بين التصريح الصريح والموقف الصحيح
- دول المنطقة ليست «الممول الرسمي» لمخططات الغرب المنحاز لإسرائيل
- الغرب يطالب روسيا بإعمار أوكرانيا.. ولا يطبق ذلك على إسرائيل التي دمرت غزة!
راق لي جدا، وأعجبني كثيراً، التصريح الصريح، والكلام الفصيح، الذي أطلقه معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، خلال المقابلة التي أجراها مؤخرا، مع المعلق الأمريكي تاكر كارلسون على هامش منتدى الدوحة 2025، بخصوص عدم التزام قطر بدفع فاتورة إعمار ما أحدثته إسرائيل في قطاع غزة، من خراب ودمار.
فهذا التصريح الواضح في مفرداته والظاهر في كلماته يتسم بالواقعية السياسية، بعيداً عن الوقيعة الدبلوماسية، ويعكس موقف القطريين جميعاً شعباً وحكومة.
ويعبر عن الوعي العميق والفهم الدقيق لوقائع الواقع السياسي الحالي المرتبط بالشأن الفلسطيني.
خاصة أن حكومة الاحتلال هي الطرف المعتدي، الذي ينبغي أن يتحمل تكلفة إصلاح الأضرار، وتكاليف الإعمار، وإزالة آثار الدمار، الذي تسبب فيه جيشها الغدار، ولا أقول المغوار، خلال عدوانه على القطاع الفلسطيني المدمر.
ويأتي هذا التصريح، في خضم هشاشة النظام الدولي الفوضوي، الذي يفتقر إلى الانضباط، ويفتقد الضوابط القانونية والأخلاقية، التي تلزم إسرائيل بتنفيذ القرارات الأممية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.
وليس مستغرباً ولا مستهجناً ولا مستعجباً ولا مستنكراً، إطلاق هذا التصريح، الذي يؤكد فيما يؤكد، في فحواه وصداه ومداه، التزام قطر بموقفها الثابت والدائم والداعم للقضية الفلسطينية.
وهذا يعتبر أمراً مسلماً، غير قابل للنقاش أو الانتقاص، وخصوصاً بعد تأكيد معالي رئيس مجلس الوزراء، على استمرارية التمويل القطري للفلسطينيين، الذي سيكون مقتصراً على تقديم المساعدات الإنسانية.
مع التزام الدوحة بمواصلة دعمها الكامل والشامل، للشعب الفلسطيني الشقيق، وبذل قصارى جهدها لتخفيف معاناته.
بالإضافة إلى رفض كافة المحاولات الصهيونية، لتصفية القضية الفلسطينية، سواء عبر مشاريع التهجير القسري، أو التوسع الاستيطاني.
ورفض المساعي الغربية لفرض حلول ناقضة أو ناقصة، تنتقص من الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.
ويأتي التصريح القطري في سياق مواقف دول مانحة أخرى، تصر على أنها لن تقدم أموالاً لإعمار ما دمرته إسرائيل في غزة، في ظل غياب مسار سياسي واضح يؤدي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، ومستقرة، قابلة للحياة، تنبض فيها روح فلسطين الحرة، بكل تاريخها وجميع هويتها، وكافة ثقافتها وسيادتها وسياستها، وحقوقها المشروعة، ولسانها العربي، الذي يلهج بلغة الضاد، ورأسها المرفوع عالياً، وعنقها الشامخ، الذي تلتف حوله «الكوفية» الفلسطينية.
ويؤكد هذا التصريح، فيما يؤكد، أن هناك إدراكاً قطرياً كاملاً، أن الوضع الفلسطيني الواهن والحال الراهن، لا يتحمل أي خروقات إسرائيلية، أو تجاوزات صهيونية، تؤدي إلى توسيع رقعة الفراغ الهائل في قطاع غزة.
وهذا يتطلب وعياً سياسياً أكثر ونضجاً معرفيا أكبر لفهم المتغيرات والمستجدات في العلاقات، من خلال تبني الواقعية السياسية، التي تؤدي إلى تبني القرار المناسب، الذي ينسجم مع مصالح الدولة، ويتوافق مع ما يريده نسيجها الوطني.
وأستطيع القول إن الواقعية السياسية التي تنتهجها قطر تعبر عن المناهج الأساسية، في العلاقات الدولية، التي تستند إلى مواقف عقلانية.
بعيداً عن «الدوغمائية»، التي تعني الجمود السياسي المؤدي إلى تمرير مواقف، تتعارض مع المصلحة الوطنية والقومية.
ولأنهم في الغرب الأوروبي المنحاز لإسرائيل، يلجؤون إلى مجالسهم التشريعية لإقرار قوانينهم، المتعلقة بشؤون وقضايا الشرق الأوسط.
ولأن إسرائيل تقوم بتمرير قراراتها المثيرة للجدل عبر «الكنيست»، وهو مجلسها النيابي، لإضفاء الصيغة الإلزامية على مواقفها المتعلقة بانتهاك الحقوق الفلسطينية.
أدعو مجلس الشورى الموقر، لتأكيد وتوثيق تصريح معالي رئيس مجلس الوزراء، بشأن عدم التزام قطر، بدفع فاتورة إعمار ما دمرته إسرائيل في قطاع غزة.
للتأكيد أمام الرأي العام العالمي، بأن ذلك يعكس موقفاً وطنياً جامعاً، يمثل جميع مكونات الشعب القطري.
وأقولها بكل الوضوح والصراحة والشفافية، لا ينبغي النظر إلى دول المنطقة، على أنها «الممول الرسمي» لمخططات الغرب المستنكرة، ومشاريعهم المستهجنة.
ولا ينبغي التعامل معنا، بأننا «الدافع الرئيسي» لفاتورة إعمار الحواجز والمناطق الفلسطينية، التي دمرتها إسرائيل في قطاع غزة، بسبب انحياز الغرب لها ودعمهم لعدوانها.
ولا يمكن القبول بذلك، قطرياً، وخليجياً، وعربياً وقانونياً، وسيادياً، وسياسياً، ومنطقياً.
والغريب، العجيب، المريب، أن دول الغرب الأوروبي تطالب روسيا بدفع فاتورة إعمار أوكرانيا،
لكنها لا تطبق هذا المبدأ على إسرائيل، التي دمرت قطاع غزة تدميراً ساحقاً ماحقاً، بدعم أمريكي وإسناد أوروبي.
ولا يخفى على أحد أن الدول الأوروبية قدمت لإسرائيل أنواعا متعددة، وأشكالاً متنوعة من الدعم المباشر وغير المباشر، تم توزيعه على القطاعات السياسية والعسكرية، والاستخبارية، والاقتصادية، والتكنولوجية، في الكيان الصهيوني.
وهي بهذا الموقف غير الأخلاقي تعتبر شريكا أساسيا في جريمة تدمير قطاع غزة، وينبغي أن تساهم بالنصيب الأكبر لإعادة إعماره.
ولا أنسى وجود مؤسسات غربية حكومية ساهمت بشكل مباشر في تمويل العدوان الصهيوني على قطاع غزة، عبر شراء السندات الحكومية الإسرائيلية، التي تحولت إلى أداة وآلية مباشرة لتمويل الإبادة، ضد أكثر من مليوني فلسطيني.
وتظهر هذه الحقيقة التناقض الفاضح ولا أقول الواضح فحسب، بين الخطاب الأوروبي المناهض للعدوان الروسي على أوكرانيا، ومطالبة روسيا بتسديد فاتورة الإعمار.
وتطبيقات هذا القرار على أرض الواقع عندما يتعلق الأمر بالعدوان الصهيوني على قطاع غزة، مما يؤكد ازدواجية المعايير الأوروبية، بعيداً عن القيم الأخلاقية، والضوابط القانونية، والالتزامات الإنسانية.
وفي سياق مقالي عن قواعد الإعمار، لا أكشف سراً من الأسرار، عندما أوجه أصابع الاستنكار إلى دول أوروبية، تصدرت المشهد الدرامي الدامي، الذي يغطي القطاع الفلسطيني.
وفي مقدمتها ألمانيا التي يقتضي الواجب الأخلاقي، والإنساني، والسياسي، أن يكون لها دور رئيسي، في إعادة إعمار ما دمرته، شريكتها التجارية، وحليفتها الاستراتيجية في قطاع غزة، بحجة حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها.
والمعيب أنها تتباهى بأن دعم إسرائيل يشكل مبدأ راسخاً في سياستها، منذ عقود وعهود.
وتتفاخر بأن الوقوف إلى جانب إسرائيل ودعمها سياسياً وعسكرياً، يشكل النواة الأساسية لسياستها في المنطقة.
رغم حملة الإبادة التي مارستها وتمارسها حكومة التطرف الصهيوني ضد أهالي غزة.
ورغم القتل والقمع والاعتقال الذي يستهدف الأبرياء ويتعارض مع حقوق الإنسان.
ورغم سلوك الجيش الإسرائيلي المشين وعمله المهين، الذي يخرج عن إطار القانون الدولي اللاإنساني، ويشكل انتهاكاً لحقوق الإنسان.
ورغم عرقلة إسرائيل لمبدأ حل الدولتين وقيامها بتوسيع مشاريع الاستيطان، الذي يعتبر واحداً من أعمال الشيطان الصهيوني.
ولأن معظم دول الغرب الأوروبي لم تفعل ما يمكن فعله، لتجنب المدنيين الفلسطينيين ويلات العدوان الصهيوني.
ولأنها لم تتحرك ميدانياً لوقف الدمار الهائل الذي أحدثته الآلة العسكرية الإسرائيلية، في القطاع الفلسطيني.
ولأنها لم تقدم ما يمكن فعله، لوقف الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، ولم تستخدم الأدوات القانونية المتاحة دولياً، لوقف الدمار.
ولأنها كانت متواطئة، قولاً وفعلاً وتفاعلاً مع إسرائيل، في عدوانها المشين على الفلسطينيين.
ولكل هذا، وذاك، وهذاك، من ذلك النوع الأبشع والأقذر، بين كل أنواع الانحياز الغربي لإسرائيل،
ينبغي على دول الغرب الأوروبي، التي دعمت حكومة الإرهابي نتنياهو، في عدوانه الوحشي على أهالي غزة، وساهمت بشكل مباشر وغير مباشر، في تدمير حواضرهم وبيوتهم ومدارسهم ومستشفياتهم، وأبراجهم، و«بياراتهم»، وقدمت السلاح، والعتاد العسكري، والغطاء السياسي، والدعم اللوجستي والاستخباراتي، الذي ساهم في تدمير القطاع الفلسطيني.
أقول بملء فمي وبأعلى صوتي: ينبغي على هذه الدول مجتمعة أن تتحمل تكلفة الإعمار، وإزالة آثار الدمار، وإصلاح كافة الأضرار، في قطاع غزة المنهار.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في صباح أحد أيام أكتوبر 1973 توقفت إشارات المرور في شوارع لندن، وأُطفِئت المصابيح في مكاتب نيويورك، وهرع سكان طوكيو إلى محطات الوقود بدراجاتهم، لم يكن ذلك مشهدًا من فيلم خيال علمي بل كان أول درس حقيقي للعالم في جغرافيا الطاقة، تزايد المخاطر المحيطة بالبنية التحتية للطاقة يدفع نحو التفكير في إنشاء مشروع عربي- خليجي- دولي تكون مهمته حفظ أمن المضائق المائية وخطوط الإمداد وسلاسل التوريد، لا عبر التركيز على الأمن الميداني فحسب من تأمين السفن والأنابيب، بل عبر إدارة عقلانية للعرض والطلب وبناء منظومة توازن جديدة تمنع الأزمات، فوجود كيان أممي مفتوح يشارك فيه المصدرون والموردون على حد سواء، بحيث يضم المنتجين للنفط والغاز والمستهلكين من أمثال الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا والولايات المتحدة لتشكيل إطار مؤسسي لا يقتصر على المنطقة فحسب بل يتسع للعالم. أهمية الطاقة للحضارة الانسانية من الصناعات الحديثة والدقيقة إلى الذكاء الآلي، تعتمد على الصادرات الخليجية، وهذا يحتم وجود اطر لادارة الشأن الخليجي، فالفراغ يدفع الدول والآخرين لتعبئته خاصة لاهمية منطقة الخليج التي هي مصدر الكثير من لقيم المصانع الحديثة والآلات والأجهزة الحديثة فمن النفط ومنتجاته الى الغاز والطاقة النظيفة ومنتجاتها مثل البتروكيماويات واهميتها للصناعات الحديثة والاسمدة واهميتها للزراعة والمنتجات الاخرى مثل الهيليوم والنافتا والالومنيوم والصناعات الاخرى، كل هذه المواد تنتج في الخليج وتخرج من مضيق هرمز، هناك اكثر من ٢٠٪ من الطاقة العالمية تخرج من مضيق هرمز واكثر من ١٣٪ من حاجة البشرية للزراعة في شكل اسمدة من المنطقة والنيتروجين والامونيا والهيليوم الذي تحتاجه صناعات الشرائح، كل هذه المنتجات ومع اهميتها وهذا الغنى والتنوع في المنتجات وحاجة اسواق العالم لها لكنها تقع في منطقة لا تتمتع بهياكل تنظيمية قادرة على ضبط امن هذه الصناعات ولا ضبط ايقاعها للاسواق ولا ضبط موازين العرض والطلب وهذه امور ضرورية لحيوية الاقتصاد العالمي ولاستقراره، دون وجود منظمة لحماية الطاقة ما بين ضفتي الخليج تظل الامور ارتجالية ولا تخضع لقواعد تنظيمية تمنح المصدرين والمستوردين ودول المنطقة مستوى من الامان لضمان استقرار سلاسل التوريد. ومثل هذه الاحداث الاخيرة في المنطقة والحرب على ايران هي ناقوس خطر اذا لم تأخذ دول المنطقة المبادرة لانشاء منظمة لحماية الطاقة تقوم بحفظ التوازنات وضبط القواعد وانشاء الكيانات القادرة على توفير الامن وتوفير القدرة على ادارة مختلف القطاعات فبامكانها تأمين المضائق المائية وبامكانها انشاء منظمات او مؤسسات لتأمين ناقلات النفط والشحن من السلع المغادرة من المنطقة والمتجهة لمختلف دول العالم مع غنى منطقة الخليج ولكنها ايضا تقع في وسط القارات مما يجعلها حلقة وصل اما لحركة السفر او لحركة البضائع ومصدر الطاقة، تحتاج المنطقة لمؤسسات للتأمين وللتمويل ولدراسة الجدارة الائتمانية ووضع منظومة لتحسين المناخ الاستثماري لتحتوي على كل ما يمكنه ان يوفر الامان للاسواق العالمية والاقتصاد العالمي. هذا الكيان يمكن أن يبدأ بخطوة عملية عبر الدعوة إلى قمة تأسيسية في الدوحة يتم فيها التوافق على اتفاقية إطار مؤسسي تحدد المهام والصلاحيات، ويقوم بنيته على مجلس أعلى يتكون من خمس عشرة دولة، خمس منها أعضاء كبار بخدمة ثابتة لخمسة أعوام وعشرة أعضاء يتم تداولهم سنويًا، إلى جانب مجلس استشاري يضم خبراء في الطاقة والجيوسياسة والاقتصاد، ومراكز بحوث وبيوت خبرة تعنى بتجميع البيانات وتحليلها وصناعة التصورات المستقبلية التي تساعد صناع القرار على إدارة المخاطر. وسيكون من صلاحيات هذا الكيان الدعوة إلى المؤتمرات والورش ووضع الاستراتيجيات والرؤى التي تجمع الحكومات بقطاع الاعمال والمستثمرين من أجل صياغة سياسات شاملة لأمن الطاقة. ولا يقتصر دوره على الجانب الأمني وإنما يمتد إلى وظائف اقتصادية ومؤسساتية، مثل تأسيس شركات تأمين لتغطية المخاطر التي تواجه ناقلات النفط والغاز وخطوط الأنابيب والبنى التحتية، وإنشاء مصارف متخصصة لتمويل مشاريع الطاقة التقليدية والمتجددة، بالإضافة إلى وكالات ائتمان للطاقة تقوم بجمع المعلومات وتحديد المخاطر وتوفير قاعدة بيانات موحدة دولية، فضلًا عن منصات استثمارية يمكنها جذب رؤوس الأموال نحو البحث والتطوير وتشجيع التكنولوجيا النظيفة. إن أمن الطاقة يرتبط بشكل مباشر بأمن الملاحة البحرية في مضائق حيوية مثل هرمز وباب المندب وقناة السويس وجبل طارق، وأي اضطراب في هذه النقاط التاريخية قد يشعل أزمة اقتصادية أو صراعًا عسكريًا، ولذلك فإن مشاركة جميع اللاعبين الإقليميين بما في ذلك إيران ستكون ضرورية لتأمين شراكة شاملة تضمن أن يكون أمن الطاقة مصلحة جماعية شاملة لكل الأطراف بشكل مغاير لاوبك وأوبك بلس. الغاية من هذا المشروع هو تأمين الطاقة عالميًا ومنع التجاوزات والصدامات التي تؤدي إلى حروب، وتمكين العالم من دخول حقبة نمو اقتصادي آمن ومستدام قائمة على إدارة عقلانية بعيدًا عن محاولات الهيمنة أو الاستغلال، وهو ما يمكن أن يجنب المنطقة والعالم مخاطر الصدام الكبرى مثلما شهدنا في المواجهة بين إيران وأمريكا وما تحمله من تهديد نووي. هذا الطرح يمثل ورقة إطار عام تصلح للانطلاق نحو بناء هيكل تفصيلي أكثر وضوحًا للحوكمة والتمويل والتمثيل السياسي، لكنه في صورته الراهنة يقدم تصورًا عمليًا لعقد جديد للطاقة يعتبر أن أمن الطاقة هو أمن جماعي وعالمي وليس شأنًا محصورًا بالمنتجين أو المستهلكين، بل مسؤولية مشتركة تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.
10344
| 06 أبريل 2026
في ظل الإيقاع السريع المحموم لهذا العصر، تلاشت معضلة الوصول إلى المعلومة كما كان الحال في السابق، فلم تعد المشكلة في ندرة المعلومات، بل ربما أصبح الإفراط في توفرها هو التحدي الحقيقي. وبيان ذلك، أنه يمكن للمرء بضغطة زر أن يمثل أمام بصره آلاف المقالات والبحوث، ويشاهد مئات المقاطع المرئية، ويستمع خلال دقائق معدودة إلى حشد من الآراء في مسألة واحدة، إذ أسهمت البيئة الرقمية الحديثة والمحتوى السريع في تشجيع استهلاك المعرفة في شكلها الأسهل. بيْد أن هذا التدفق الهائل للمعلومات لم ينتج وعيًا أعمق، بل أفرز ما يمكن أن نسميه بوهم المعرفة السطحية، حيث يظن مستخدم الشبكة العنكبوتية أنه أوغل في الثقافة والمعرفة، بينما هو في حقيقة الأمر لا يمتلك سوى قشرة رقيقة من الفهم، قشرة لامعة. خطورة هذا الوهم أنه لا يقوم على الجهل الصريح الذي يمكن معالجته، وإنما على فكرة الإحساس الزائف بالمعرفة، فهو يتحدث بثقة كمن ألمَّ بأطراف الموضوع أو القضية، ويصدر حولها أحكامًا، مستندًا في ذلك إلى سياق مبتور أو فهم غير مكتمل أو آراء شاذة، فيحدث لديه الخلط بين الاطلاع والفهم، وبين المعرفة والاستيعاب، فتتكون قناعاته الهشة التي تبدو صلبة في ظاهرها لكنها تتهاوى أمام أول اختبار حقيقي. ولئن كان الجاهل يمكن أن يزيل جهله بالتعلم عندما يعترف بجهله، فإن هذا المتعالم مدعي الثقافة على يقين من أنه يعلم، فمن ثم لا حاجة به إلى التعلم. يبرز هذا الوهم بوضوح في النقاشات العامة التي تتناول قضايا حيوية بثقة مفرطة وتستخدم خلالها مصطلحات قد لا يدرك قائلها أو كاتبها معناها الكامل ولا مغزاها ولا مدلولها لدى أهل الاختصاص، ومع تكرار الاستخدام، يتعزز الإحساس بالمعرفة، رغم غياب الفهم الحقيقي. الإعلام يسهم أحيانا في تعزيز هذا النمط وتكريس السطحية، عبر تقديم تحليلات مختزلة خاطفة تفتقر إلى العمق، وبدورها تميل المنصات الثقافية إلى تفضيل المحتوى الخفيف الذي يركز على اجتذاب أكبر عدد من المتابعين ولو أتى الطرح على حساب الجودة. ينتج عن هذا الوهم، ضعف القدرة على التفكير النقدي، فصاحب القشرة اللامعة الذي يتوهم الإحاطة والمعرفة والثقافة يكون أقل استعدادا للنقد الذاتي والمراجعة، بل يميل دائما لتعزيز قناعاته دون الاستماع إلى الآراء المختلفة، فيتحول الحوار إلى تبادل مواقف جاهزة وينأى عن كونه عملية بحث مشتركة تهدف إلى الوصول إلى الحقيقة. كما تكمن خطورة وهم المعرفة السطحية في أنها تسهم في انتشار المعلومات المغلوطة، فحين يتشارك أسارى المعلومة السريعة أي محتوى دون التحقق منه، والذي قد يكون مغلوطا أو مجتزءًا من سياقه، فحينئذ يسهمون في تضليل الآخرين، ومع سرعة انتشار المعلومات يصبح تصحيح الخطأ أكثر صعوبة، خاصة إذا كان مرتبطا بقناعات راسخة. لكن الحل ليس في رفض ونبذ المعلومة السريعة أو الانسحاب من الفضاء الرقمي، فهذا الفضاء يتيح فرصا هائلة للتعلم والانفتاح والارتقاء، لكن المطلوب هو الانتقال من الاستهلاك السريع للمعلومات، إلى التفاعل الواعي والفهم العميق. ويبدأ هذا التوجه من إدراك المرء لحقيقة معرفته، والإيمان بأهمية التخصص واللجوء إلى المتخصصين في الميادين المختلفة، ولا يعني هذا على الإطلاق التخلي عن التفكير وإعمال العقل، بل يعني ممارسة النشاط الثقافي والمعرفي بشكل أكثر نضجا. كما ينبغي للمحاضن العلمية والثقافية تعزيز مهارات التفكير النقدي القائم على طرح الأسئلة وتحليل المعلومات والتمييز بين المصادر، والانتقال من التلقين إلى تنمية القدرة على الفهم والتحليل. إضافة إلى ذلك، يجدر تشجيع القراءات المتأنية الطويلة التي تتيح للإنسان فرصة التفاعل مع الأفكار وفهم سياقاتها، والربط بينها، ويساعد على ذلك إعادة الارتباط بالكتاب، والذي تراجعت أهميته بشكل نسبي أمام الوسائط الرقمية. وفي هذا السياق، ينبغي الحذر من الاستهلاك العشوائي، والاتجاه إلى اختيار مصادر موثوقة للحصول على المعلومة، وعدم التسرع في إبداء الرأي خاصة في القضايا الحساسة التي تتطلب فهما أعمق.
3183
| 05 أبريل 2026
إن تعيين الموظف بجهة إدارية أو حكومية يستلزم تسخير مجهوده العملي في خدمة تلك الإدارة وتفادي ممارسة أي عمل آخر من شأنه يتعارض مع مصلحتها أو يضر بها لحساب ذلك الموظف، لذلك فقد وضع قانون الموارد البشرية المدنية مجموعة من الضوابط اعتبرها محظورات على كل موظف يعمل بجهة حكومية تحت طائلة المساءلة التأديبية. وقد أوضح هذه الممارسات المحظورة على الموظفين على سبيل المثال في المادة 80 من القانون المذكور ثم جاءت المادة 81 منه بمقتضى شامل يحظر على الموظف أي عمل يمكن اعتباره متعارضا مع مصلحة الإدارة. أما الأفعال المعتبرة محظورة قطعا فهي إتيان أي فعل يتعارض مع أي قانون أو لائحة معمول بهما وإهمال المهام الموكولة للموظف، وإفشاء الأسرار المهنية والمعلومات الداخلية حتى بعد ترك الخدمة باستثناء حالة الحصول على إذن كتابي من الرئيس، والاحتفاظ بوثائق ومستندات تخص الخدمة. كما تعتبر من الأفعال المحظورة على الموظف الإساءة إلى الدولة بواسطة توقيع عرائض أو الانتماء لجهات محظور التعامل معها، ويمنع عليه كذلك وهو على رأس وظيفته أن يقدم خدماته لجهة عمل أخرى إلا إذا حصل على إذن مسبق من الرئيس التنفيذي إذا كانت الجهة غير حكومية، أما بالنسبة للعمل بجهة حكومية أخرى بالتزامن مع العمل بوظيفته فيتطلب الإذن له بهذا الاستثناء الحصول على موافقة من رئيس مجلس الوزراء. أما بالنسبة لممارسة الموظف أعمال التجارة والحصول على الأرباح من التعاقدات فإنه محظور عليه هذا الأمر إذا كان في ذلك تعارض أو مساس بمصلحة الجهة التي تم توظيفه فيها، أو التي تكون تلك الجهة طرفا فيها حتى لو لم تكن في هذه الحالة مصالح الموظف متعارضة معها. ومن جهة أخرى فالموظف ملتزم بعدم إتيان الأعمال التي تدخل في مخالفة مبادئ الشرف والأمانة مثل استغلال النفوذ والتأثير على الموظفين وتحريضهم على تجاوز النصوص القانونية واللوائح المعمول بها، وكذلك ممارسة الأعمال التي تعتبر من قبيل الرشوة بسبب استغلال المنصب الوظيفي لتحقيق أغراض للغير مخالفة للقوانين واللوائح. وعلى العموم ففي حال ثبوت ارتكاب الموظف للأمور المحظورة عليه بحكم القانون فإنه يترتب على ذلك قيام مسؤوليته التأديبية، وفي بعض المحظورات فإن المساءلة تكون تأديبية وجنائية في نفس الوقت، لأن المحظورات المنافية لمبادئ الشرف والأخلاق مثل استغلال النفوذ والرشوة تعتبر جرائم يعاقب عليها القانون بعقوبات قد تكون حبسية.
1542
| 06 أبريل 2026