رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الأسبوع الماضي تطرقنا إلى بعض العناصر التي قد تساهم في المحافظة على المال العام من الهدر أو السرقة أو الضياع، وهي عناصر لم يتعرض لها الدستور القطري الحالي رغم أهميتها في فرض الحماية للمال العام، وفي التأكيد على أن المال "مال الدولة" وليس مال الحاكم أو الحكومة، لذا فإن الصرف والمنح والهبة والعطاء لا يكون إلا "بقانون" و"وفقاً للقانون" الذي هو في أساسه أداة تشريعية يشترك مجلس الشورى في صنعه، وتتوافر فيه الشفافية حيث يناقش تحت قبته، ثم ينشر في الجريدة الرسمية فيعرف الجميع ما هي مخصصات الوزير وما هي مرتبات "الخفير"، وأين تستثمر أموال الدولة أو مع من، ولماذا!، ويُراقب الصرف والإنفاق، ويشترك الشعب في الموافقة على المعاهدات التي تتعلق بأراض الدولة أو التجارة أو التي تُحمل الدولة نفقات لم ترد في الموازنة العامة. ويثق الجميع بأن أملاك الدولة لا يتم التلاعب بها، وأن الأراضي ذات المواقع الإستراتيجية كمنطقة الأبراج، أو على الشواطئ الآخذة أو بين الرياض والواحات أو بعيداً كشقق في العواصم المستقبلة للاستثمارات، لا تذهب كعطايا أو هبات للأقربين أو المقربين.
واليوم أرى بأن الإطار المالي ذو العناصر العشرة الذي ذكرناه سابقاً لا يحقق أهدافه إلا إذا أحيط بإطارين مكملين له، أحدهما سياسي والآخر تشريعي، وهذان الإطاران يتمثلان في عناصر أرى كذلك بأنها تحتاج إلى مراجعة، لذلك أطلقت عليها (المسودة)، آخذاً بعين الاعتبار أيضاً بأن الدستور القطري لا يمكن اقتراح تعديل مواده إلا بعد مضي عشر سنوات من تاريخ العمل به. وتتمثل هذه العناصر فيما يلي:
أولاً: يقرر الدستور الحالي أغلبية صعبة التحقيق في الواقع العملي لاتخاذ بعض القرارات المهمة من قبل مجلس الشورى كقرار سحب الثقة من الوزير، أو قرار فرض مشروع القانون في حال رفض التصديق عليه!، وهذه الصعوبة تنجم بسبب طريقة تشكيل مجلس الشورى حيث تنص المادة (77) من الدستور الحالي بأن عدد أعضاء مجلس الشورى هو 45 عضواً، يتم اختيار ثلاثين منهم عن طريق الشعب في انتخابات عامة ومباشرة وسرية، أما الخمسة عشر الآخرين فيعينهم الأمير، وهو من يملك إعفاءهم كذلك. فعندما يشترط الدستور لاتخاذ مثل تلك القرارات موافقة ثلثي أعضاء المجلس، فإنه من الصعوبة أن لم يكن من الاستحالة الوصول إلى هذه الأغلبية بسبب إغراق المجلس بالأعضاء المعينين، فخمسة عشر عضواً معيناً في مجلس يتآلف من خمسة وأربعين أمر غير مقبول إذا أردنا تفعيل دوره، واشتراط تلك الأغلبية يجعل دور المجلس شكلي لصعوبة تمكنه من فرض أي قرار لا ينسجم مع إرادة الحكومة، فالثلث المعين مرتبط أدبياً بمن له الفضل في تعينه ومن يملك إعفاءه وتسريحه، لذا يتضامن معه إما تأدباً أو طمعاً في الاستمرار في "برستيج العضوية"، لذا أرى بأن تعدل هذه المادة اما بتقرير أغلبية أبسط كأن تتخذ القرارات بأغلبية أعضاء المجلس، أي (51 %) عوضاً عن الثلثين، أو بزيادة عدد المنتخبين، وتقليص عدد المعينين.
ثانياً: أن يعاد النظر في تبعية بعض المؤسسات والهيئات العامة، التي وفقاً لوضعها الحالي ستكون بعيدة عن الرقابة السياسية لكون الدستور لا يقرر لمجلس الشورى إلا مساءلة الوزراء دون غيرهم، لذا يفترض أن تلحق المؤسسات والهيئات العامة بوزراء يمكن مساءلتهم سياسياً عن أعمال هذه الجهات. ومن جانب آخر، لا يجوز إلحاق أي مؤسسة أو جهة بسمو الأمير مباشرة، عدا تلك التي تعينه بالرأي، لأن ذاته مصونة لا تمس، ولأن تبعية هذه الجهات بسموه يجعلها محصنة عن الرقابة السياسية. وهذا الأمر يفترض أن يسري كذلك على سمو ولي العهد، لكونه أمير المستقبل، ولكونه ينوب عن الأمير في فترة غيابه. وأن يعاد النظر كذلك في قانون المؤسسات الخاصة ذات النفع العام، بحيث تدرج المؤسسات التي نشأت وفقاً لقواعده، تحت رقابة وزير الشؤون الاجتماعية، ويسأل هذا الأخير سياسياً عنها أمام مجلس الشورى.
ثالثاً: إعادة النظر في المادة (118) من الدستور لكونه يجيز لرئيس مجلس الوزراء علاوة على القيام بمهام منصبه تقلد مهام إحدى الوزارات الأخرى، أي أن يكون رئيساً للمجلس ووزير في ذات الوقت. فهذا الأمر يحتمل اتجاهين، كلاهما غير مقبول دستورياً، أما القول بإمكانية استجواب رئيس مجلس الوزراء كوزير وعدم إمكانية استجوابه كرئيس مجلس الوزراء، وهو أمر فيه من التناقض ما فيه، إذ يجعل الشخص يستمر في عمله كرئيس لمجلس الوزراء، رغم عدم استمراره كوزير في حال سحب الثقة منه، فمن لم يمنح الثقة للأدنى، لا يصلح لمنح الثقة للأعلى!، أو القول بعدم إمكانية توجيه الاستجواب له كرئيس مجلس الوزراء وكوزير أيضاً وهنا تصبح الوزارة التي يتقلد مهامها محصنة من الرقابة السياسية.
رابعاً: إعادة النظر في المادة (81) من الدستور الدائم التي تجيز التمديد للفصل التشريعي في "حالة الضرورة" لمدة قد تصل إلى فصل تشريعي، أي أربع سنوات أخرى، بتعبير آخر تتيح هذه المادة عندما تقرر الحكومة أن هناك حالة ضرورة إبقاء نفس أعضاء مجلس الشورى رغم انتهاء الفصل التشريعي وحلول موعد انتخابات المجلس الجديد. وتتمثل خطورة هذا الأمر في جانبين، أولهما هو إمكانية استغلال هذا الأمر لإبقاء أعضاء المجلس أطول وقت ممكن عندما يكون هؤلاء أكثر قرباً للحكومة أو لسياستها أو موالين لها، والجانب الآخر في كونه يصادر حق المواطنين في إعادة النظر في ممثليهم في المجلس وانتخاب غيرهم. ويمكن معالجة هذا الأمر بتحديد حالات معينة واضحة للتمديد للفصل التشريعي وعدم تركها لمصطلحات، مثل "المصلحة العامة" أو "الضرورة" ومن جانب آخر ألا يتجاوز التمديد في أي حال من الأحوال سنة واحدة، وليست أربع سنوات كما يقرره الدستور الحالي.
وللحديث بقية إن شاء الله، في عرض عناصر الإطارين السياسي والتشريعي.
halsayed@qu.edu.qa
خطف رئيس فنزويلا بين السينما والسياسة
ليس لدي ما أقوله عن خطف نيكولاس مادورو رئيس فنزويلا وزوجته من قِبل الجيش الأمريكي. فقط جاء في... اقرأ المزيد
45
| 08 يناير 2026
دهاء يرهق العدالة: عمر ونموذج الحوكمة العادلة
في سجلّ الخلافة الراشدة، تبرز شخصيةُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كأيقونةٍ للقيادة التي جمعت بين الحزم... اقرأ المزيد
42
| 08 يناير 2026
تقسيم المنطقة مشروع غربي صهيوني
لم تعد مسألة تقسيم المنطقة مجرد سردية عاطفية أو خطاب تعبوي، بل أصبحت حقيقة يمكن تتبعها بوضوح في... اقرأ المزيد
48
| 08 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1653
| 04 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
909
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال نظامنا التعليمي يتعامل مع الزمن كأنه ثابت، وكأن عدد السنوات هو الضامن الوحيد للنضج والمعرفة. نحن نحسن عدّ السنوات، لكننا لا نراجع كفاءتها. نُطيل المراحل، لا لأن المعرفة تحتاج هذا الطول، بل لأن النظام لم يُسأل منذ زمن: هل ما زال توقيتنا مناسبًا لعصر يتسارع في كل شيء؟ الطفل اليوم يمتلك قدرة حقيقية على التعلّم والفهم والربط واكتساب المهارات الأساسية. ومع ذلك، نؤجّل بداية التعليم الجاد باسم الحذر، ثم نضيف سنوات لاحقة باسم التنظيم، ثم نقف أمام سوق العمل متسائلين: لماذا تتسع الفجوة بين التعليم والوظيفة؟ ولماذا يحتاج الخريج إلى تدريب إضافي قبل أن يصبح منتجًا؟ نتحدّث كثيرًا عن الفجوة بين التعليم وسوق العمل لكن قليلين فقط يطرحون السؤال الجوهري: ماذا لو لم تكن هذه الفجوة في نهاية المسار… بل في طوله؟ هل فعلا نحتاج جميع سنوات المراحل الدراسية بعدد سنواتها المقررة من أجيال مضت ؟ التعليم ليس عدد سنوات، بل كفاءة زمن. ليس المهم كم نُدرّس، بل متى وكيف ولماذا. حين نُطيل الطريق دون مراجعة أثره، لا ننتج معرفة أعمق بالضرورة، بل نؤجّل الإنتاج، ونؤخر الاستقلال المهني، ونضيف عبئًا زمنيًا على رأس المال البشري. ماذا لو أن جزءًا كبيرًا مما نحاول تعويضه عبر التدريب بعد التخرّج يمكن اختصاره أصلًا من سنوات دراسية مهدرة، لا تضيف كفاءة حقيقية، ولا تُعجّل النضج المهني، بل تؤجّل دخول الشباب إلى دورة الإنتاج. وهنا تظهر المفارقة الأهم: حين يلتحق الخريج مهنيًا في سن أصغر، لا يعني ذلك نقصًا في النضج، بل بداية مبكرة لتكوينه الحقيقي. النضج المعرفي والمهاري يتسارع في بيئة العمل. كلما دخل الشاب إلى السوق أبكر وهو يمتلك أساسًا علميًا ومهاريًا منضبطًا، بدأت قدرته على تحمّل أعباء العمل، واتخاذ القرار، وإدارة الوقت، والعمل تحت الضغط في التكوّن مبكرًا. التجربة المهنية لا تنتظر اكتمال العمر، بل تصنع النضج نفسه. وهكذا، فإن خريجًا يبدأ مساره في سن أصغر لا يصبح فقط منتجًا أسرع، بل يصل إلى مستويات أعلى من الكفاءة في وقت أقصر، لأن سنوات الخبرة تتراكم مبكرًا، وتتحول المهارات النظرية إلى ممارسة عملية في مرحلة عمرية أكثر مرونة وقدرة على التعلّم والتكيّف في الاقتصاد الحديث، الزمن ليس عنصرًا محايدًا. كل سنة إضافية خارج سوق العمل هي تكلفة غير منظورة على الفرد والأسرة والدولة. وكل سنة تأخير في التخرّج هي سنة تأخير في الإسهام والابتكار والإحلال الوظيفي وتراكم الخبرة الوطنية. ومع ذلك، ما زلنا نتعامل مع سنوات التعليم كأنها مُسلّمات لا تُمسّ ولا تُراجع؟ حين نبدأ التعليم مبكرًا، ونضغط المراحل دون المساس بالجودة، ونحوّل جزءًا من المحتوى النظري إلى مهارات عملية متدرجة، فإننا لا نختصر الوقت فحسب، بل نغيّر طبيعة العلاقة بين التعليم والإنتاج. الطالب لا يصل إلى الجامعة بعد سنوات طويلة من التلقين، بل بعد مسار أكثر تركيزًا، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر قابلية للتحويل إلى مهارة سوقية. هذا ليس تقليصًا للتعليم، بل إعادة هندسة له حيث تتراكم المهارات في وقت أبكر، ويبدأ الاندماج المهني في مرحلة أقرب، وتُختصر تلك السنوات الرمادية التي لاتضيف كثيرا إلى الجاهزية المهنية. تسريع عجلة الإنتاجية لا يتحقق فقط عبر التكنولوجيا أو الاستثمارات، بل عبر إدارة الزمن البشري بذكاء. حين يدخل الشاب إلى سوق العمل أبكر وهو يمتلك أساسًا معرفيًا ومهاريًا متينًا، تبدأ دورة الإنتاج أسرع، ويبدأ التعلّم الحقيقي في الميدان مبكرًا، وتتحول سنوات الخبرة من عبء مؤجّل إلى رصيد متراكم. أما الإحلال في رأس المال البشري وهو أحد أكبر تحديات الاقتصادات الحديثة فلا يمكن تسريعه إذا ظلّت بوابة الدخول إلى السوق طويلة وممتدة. كل سنة إضافية في المسار التعليمي هي تأخير في ضخّ الدماء الجديدة إلى القطاعات، وتأخير في نقل الخبرة بين الأجيال، وتأخير في تمكين الكفاءات الوطنية من تولّي أدوارها. لسنا بحاجة إلى خريجين أكبر سنًا، بل إلى خريجين أكثر جاهزية. ولا نحتاج مسارًا أطول، بل مسارًا أذكى. كما لا نحتاج إلى ترميم الفجوة بعد أن تتشكّل، بل إلى منع تشكّلها من الأصل عبر إعادة النظر في زمن التعليم نفسه. حين لا يكون الوقت في صالح التعليم، يصبح الانتظار قرارًا لا ضرورة. ويغدو السؤال الحقيقي ليس: كم نُدرّس؟ بل: هل ما زال توقيتنا يخدم الإنسان والاقتصاد والمستقبل؟ التاريخ لا يتذكّر من حافظ على المدة، بل من امتلك الجرأة على مراجعتها.
822
| 07 يناير 2026