رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الشعب الليبي يقود حركة التحرر الوطني لنيل الاستقلال الثاني
ما الذي استدعى المجتمع الدولي للتدخل العسكري (الجوي) في ليبيا والذي آلت قيادته إلى حلف الناتو؟!
بحسب قرار مجلس الأمن 1973 المشفوع بطلب جامعة الدول العربية جاء التدخل الدولي لحماية المدنيين الليبيين من مذابح كتائب القذافي. أما بحسب القوميين العرب المتقاطعين مع بروباغندا إعلام القذافي فإن الجواب الجاهز: لأن ليبيا دولة نفطية. وأن الغرب ما كان ليتدخل فيها لو لم يكن بها نفط. وأن حاجته للتدخل باسم حماية المدنيين هو في الحقيقة استعمار ليبيا والسيطرة على نفطها. ورغم ما قد يظهر من وجاهة على ظاهر قول كهذا إلا أنه في التحليل الدقيق يبين حقيقة الأمر. لأن الشعب الليبي على وعي وطني أصيل وفهم جلي لمقاصد الضرورات التي تبيح المحظورات. فبفضل التدخل الدولي الجوي، الفرنسي خصوصا، وفي الوقت المناسب، وبضغط قطري، تم إنقاذ مدينة بنغازي التي هاجمها العقيد هولاكو بكتائبه الجرارة. فمن كان لينقذ أهلها من جنون القذافي الدموي غير التدخل الدولي؟! هل كان سينقذهم مقالات عبدالباري عطوان العنترية أو تفذلكات عزمي بشارة في تحليل تقنع القوى الاستعمارية بقناع "الامبريالية الإنسانية".
لكن هل يعني ذلك أن تدخل الغرب العسكري (الجوي) في ليبيا مرده دافع إنساني بحت.؟! بالقطع لا. والليبيون يعرفون ذلك. ولاسيَّما ثوارهم. وهم ليسوا في حاجة لمزايدات عبدالباري عطوان أو تفلسف عزمي بشارة، على سبيل المثال، كي يعوا مقاصد القوى الغربية. فهم أحفاد عمر المختار بالمعنى التاريخي الدقيق للكلمة. أي أنهم لن يسمحوا بأي حال من الأحوال أن ينزل حلف الناتو من السماء على أرضهم ليشكل مستقبلهم السياسي على ما تهوى مصالحه. وحدهم فقط القطريون والإماراتيون، خصوصاً القطريين، سوف يرحب بهم الليبيون بحب غامر وامتنان لجميل لا يرد أبد الدهر.
وليطمئن الخاشون من نزول الناتو من السماء للهيمنة على مستقبل ليبيا بعد الخلاص من القذافي. فأحفاد المختار لن يرضوا بليبياهم إلا وهي حرة كاملة السيادة بإرادتهم. ولدولة ثورة أحفاد المختار أن تأخذ في الاعتبار أولية مصالح الدول التي سارعت إلى نجدتها. وفي طليعتها قطر الأحب إلى القلوب الليبيين بعد ليبيا. ثم تأتي الإمارات. فتونس (شعباً). فمصر (شعباً). وتلك نجدة الأخ لأخيه. أما الدول الغربية، أمريكا فرنسا بريطانيا تحديداً، فقد تدخلت لأسباب متعددة: مسؤوليتها الدولية... ضغط رأيها العام.. ومصالحها بطبيعة الحال... الليبيون أذكياء بما يكفي ليدركوا أن ساركوزي وكاميرون وأوباما ليسوا باعة آيس كريم مجاني. لكن ما قد لا يعرفه العرب عن ليبيا أن استقلالها العام 1951 كان أول اختبار دولي في ملف تصفية الاستعمار.
فلسنوات، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، تم تداول قضية استقلال ليبيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة وفي مجلس الأمن. وكانت القوى الوطنية ثابتة على موقفها في رفض الوصاية والانتداب وكل أشكال الاستعمار المقنّع. والمطالبة بالاستقلال التام، على أساس وحدة ليبيا بأقاليمها الثلاثة (برقة وطرابلس وفزان). ومن جهة أخرى كانت القوى الأجنبية، أمريكا وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفيتي، في ذروة شراهتها لغنائم الحرب العالمية الثانية. كانت القوى الغربية العظمى (الأمريكية والبريطانية وإلى حد ما الفرنسية) في جهة والاتحاد السوفيتي في جهة أخرى، يتصارعان على مكسب النفوذ في دولة تخلى عنها المستعمر الإيطالي مهزوما. ولأن السوفييت أدركوا ألا مكسب لهم فيها انضموا بقوة إلى حق شعبها في تقرير مصيره رافضين أي صيغة للوصاية عليها.. وقبل البريطانيون والأمريكيون بوجود عسكري في قواعد عسكرية على الأرض الليبية لفترة محددة. وبالنتيجة نالت ليبيا استقلالها وسط ألاعيب لعبة الأمم... وها يثور أحفاد عمر المختار، بعد واحد وأربعين سنة وبضعة أشهر، على طغيان القذافي (موسوليني المحلي) وكتائبه الإجرامية، بما يعيد إنتاج تجربة استقلال ليبيا الأول من موسوليني الإيطالي. ورغم أن ليبيا كانت خارجة في ذلك الوقت من زمن مستعمر متخلف كريه ترك وراءه أقل من خمسة في المائة على مقاعد الدراسة وخمسة عشرة في المائة عميان وخراب رهيب وإفلاس تام، تمسكت نخبته الوطنية بحق شعبها في تقرير مصيره. وهو ما تحقق لها رغم وجود القواعد الأجنبية. الآن، وبعد 60 عاما على استقلال ليبيا، الذي سبقته ملحمة جهادية مسلحة ضد الاحتلال الإيطالي وأعقبتها، بعد الحرب العالمية الثانية، معركة سياسية خاضتها القوى الوطنية في رفض الوصاية الدولية ونيل حق تقرير المصير، يعيد الليبيون إنتاج تجربتهم التاريخية تلك في تشابه يقارب التطابق. فهم من جهة يخوضون ملحمة تحرر مسلح ضد كتائب القذافي الفاشيستي الذي لا يختلف في الجوهر في شيء عن المستعمر الإيطالي الفاشيستي بل إن موسوليني "الليبي" تفوق في جرائمه على موسوليني الطلياني. ومن جهة أخرى قد يواجه الثوار الليبيون، بعد الخلاص المؤكد من نظام القذافي عاجلا وليس آجلاً، كما واجه رجالات حركة الاستقلال الوصاية الدولية، محاولات القوى الكبرى، التي تقود التدخل الدولي من السماء، كي تنزل بالتدخل السياسي على الأرض للمشاركة في تشكيل مستقبل ليبيا السياسي بما يخدم أطماع هذه القوى في الهيمنة الإستراتيجية. لكن الواقع ووقائعه اليوم مفارق، في المعطيات والظروف والوعي والممارسة لأحوال الأمس. اليوم يقود حركة التحرر الوطني لنيل الاستقلال الثاني شعب محمول على وعي سياسي وطني مدرك برؤية تاريخية ومستقبلية لمعنى تمام الاستقلال والسيادة. بحيث سيظل دور الناتو محصورا في تدخلها الدولي المقيد بقرار مجلس الأمن 1973. ولن يقبل الثوار بأقل من الخلاص من القذافي ونظامه بقضه وقضيضه مع الشكر لقوى التدخل الدولي والأخذ في الاعتبار لحجم دورها عند النظر في صيغة علاقات ليبيا الدولية دون أن يأتي الأمر على حساب مصالحها العليا.
farag-asha@hotmail.com
خطورة توسع حرب إيران لحرب تهدد أمننا والاقتصاد العالمي
بعد أربعة أسابيع من الحرب الأمريكية-المشتركة ومع نهاية الشهر الأول من أول حرب مشتركة- «الغضب الملحمي» الأمريكية و»زئير... اقرأ المزيد
222
| 29 مارس 2026
محور الشر
هل السلوك العدواني طبيعة بشرية أم انه عادة مكتسبة تتضخم مع الزمن وتصبح ملازمة له في كل امر... اقرأ المزيد
198
| 29 مارس 2026
يومياتنا في الحرب
منذ نحو أكثر من شهر، لم تعد الحياة تُقاس بإيقاعها المعتاد، بل بتقلّباتها المفاجئة، تغيّرت تفاصيل يومية كانت... اقرأ المزيد
201
| 29 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
3978
| 22 مارس 2026
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2328
| 26 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1914
| 24 مارس 2026