رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
برحيل المغفور له بإذن الله تعالى، فقيد الوطن، صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه، لا تودع دولة قطر قائداً فحسب، بل تودع مرحلة تاريخية شكّلت نقطة تحول في مسيرتها الحديثة، ورسخت مكانتها بين الأمم، وأعادت تعريف دور الدولة الصغيرة في عالم يموج بالتحديات والصراعات.
لقد كان سموه رجل رؤية بعيدة، وقائداً استثنائياً آمن بأن حجم الدول لا يُقاس بمساحتها الجغرافية أو عدد سكانها، وإنما بما تمتلكه من إرادة، ورؤية، وقدرة على صناعة التأثير. ومن هذا المنطلق انطلقت نهضة قطر الحديثة، لتصبح نموذجاً تنموياً وسياسياً واقتصادياً يحظى بالاحترام والتقدير على المستويات الإقليمية والدولية.
غير أن الإنجاز الأبرز الذي سيبقى محفوراً في تاريخ العلاقات الدولية، يتمثل في السياسة الخارجية القطرية التي أرساها الأمير الوالد، والتي قامت على الحكمة والاستقلالية والانفتاح، وجعلت من الدبلوماسية أداة رئيسية لتحقيق الأمن والاستقرار.
لقد آمن سموه بأن الحوار أكثر فاعلية من الصراع، وأن التفاوض أكثر استدامة من المواجهة، وأن بناء الجسور بين الخصوم يحقق ما لا تحققه القوة العسكرية وحدها. ومن هذا الفكر السياسي وُلدت المدرسة القطرية الحديثة في الوساطة وصناعة السلام، التي رسخت مفهوم أن تكون دولة عربية وإسلامية مركزاً دائماً للحوار وتسوية النزاعات. ولم تعد الوساطة مبادرات عابرة، بل أصبحت نهجاً استراتيجياً ثابتاً، وفلسفة راسخة في السياسة الخارجية القطرية، حتى غدت إحدى أبرز سمات هوية الدولة ودبلوماسيتها.
فأصبحت الدوحة عاصمة للحوار، ومقصداً للأطراف المتنازعة، ومنصةً للمفاوضات الإقليمية والدولية، واستضافت عشرات جولات الحوار التي تناولت نزاعات معقدة في المنطقة وخارجها، وأسهمت في تقريب وجهات النظر وبناء الثقة بين الأطراف المختلفة، حتى غدت الوساطة القطرية نموذجاً يحظى باحترام الأمم المتحدة وكبرى العواصم العالمية.
لقد نجحت قطر في تحويل الدبلوماسية الوقائية إلى أداة عملية لمنع النزاعات واحتواء الأزمات قبل تفاقمها، معتمدة على الحياد الإيجابي، والانفتاح على الجميع، والقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف، مهما تباينت مواقفها السياسية أو الفكرية.
ولم يكن هذا النهج مجرد سياسة خارجية، بل أصبح فلسفة دولة، ما زالت قطر تسير عليها حتى يومنا هذا، وأسهمت في ترسيخ سمعتها كوسيط موثوق وشريك في جهود إحلال السلام وتعزيز الأمن الإقليمي والدولي.
كما أدرك الأمير الوالد مبكراً أهمية القوة الناعمة باعتبارها إحدى أهم أدوات التأثير في القرن الحادي والعشرين.
ففي المجال الإعلامي، شهد العالم انطلاق شبكة الجزيرة، التي أحدثت تحولاً جذرياً في المشهد الإعلامي العربي والدولي، وأصبحت من أبرز المؤسسات الإعلامية العالمية، وأسهمت في ترسيخ حضور قطر على الساحة الدولية.
وفي المجال الرياضي، لم يكن الاستثمار في الرياضة مجرد استضافة للبطولات، بل كان مشروعاً وطنياً واستراتيجياً يهدف إلى بناء جسور التواصل بين الشعوب، وتعزيز الحوار الثقافي، وإبراز صورة قطر الحديثة. ومن هذه الرؤية بدأت رحلة طويلة توجت باستضافة كأس العالم FIFA قطر 2022، وهو الحدث الذي لم يكن مجرد بطولة رياضية، بل رسالة حضارية قدمت نموذجاً عربياً وإسلامياً مشرّفاً للعالم.
وامتدت القوة الناعمة القطرية إلى الثقافة والتعليم والعمل الإنساني والتنمية الدولية، حيث أصبحت قطر شريكاً رئيسياً في دعم برامج الأمم المتحدة، والإغاثة الإنسانية، والتنمية المستدامة، والتعليم في مناطق النزاعات والكوارث، وهو ما عزز مكانتها كدولة مسؤولة تؤمن بأن الأمن الحقيقي يبدأ بالتنمية والكرامة الإنسانية.
وعلى المستوى العربي والإسلامي، حرص الأمير الوالد على أن تكون قطر داعمة لقضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وأن تسهم في رأب الصدع العربي، وتعزيز العمل الإسلامي المشترك، مع المحافظة على سياسة مستقلة تقوم على الحوار واحترام سيادة الدول وعدم الانحياز إلى سياسة المحاور.
أما على المستوى الدولي، فقد نجحت قطر في بناء شبكة واسعة من الشراكات والعلاقات المتوازنة مع مختلف دول العالم، وأصبحت شريكاً موثوقاً في القضايا السياسية والاقتصادية والإنسانية، وحاضرة في أهم المحافل الدولية بصوت مسموع ورؤية تحظى بالاحترام.
ولعل أعظم ما يميز القادة التاريخيين أن آثارهم تبقى بعد رحيلهم، وهذا ما نراه اليوم بوضوح. فما وصلت إليه دولة قطر من مكانة سياسية، وقوة اقتصادية، وحضور دولي، وثقة عالمية، لم يكن وليد الصدفة، بل كان ثمرة رؤية استراتيجية بعيدة المدى، وضع أسسها الأمير الوالد، واستمرت في عهد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، الذي واصل البناء على تلك القواعد الراسخة، محافظاً على نهج الدولة في التنمية، والوساطة، والسلام، وتعزيز مكانة قطر على الساحة الدولية.
إن التاريخ سينصف هذا القائد، وسيذكره باعتباره أحد أبرز القادة العرب في العصر الحديث، ليس لأنه بنى اقتصاداً قوياً فحسب، بل لأنه أعاد رسم صورة دولة عربية استطاعت أن تكون مؤثرة في صناعة القرار الدولي، وأن تقدم نموذجاً يقوم على الحوار، والانفتاح، واحترام القانون الدولي، والإيمان بأن السلام يصنعه العقل قبل القوة.
أما على الصعيد الشخصي، فقد كان لي شرف السلام على سموه في أكثر من مناسبة، وهي لحظات أعتز بها كثيراً. ورغم أنني لم أوفق في التقاط صورة تذكارية معه، فإن صورته الإنسانية وهيبته وابتسامته ستبقى راسخة في ذاكرتي، لا تغيب مع مرور الأيام.
وإذا كانت الصور تحفظها العدسات، فإن بعض المواقف تحفظها القلوب، وتبقى خالدة في الوجدان.
رحم الله فقيد الوطن، صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمة واسعة، وجزاه عن قطر وشعبها والأمتين العربية والإسلامية خير الجزاء، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه من خير وتنمية وإصلاح وسلام في ميزان حسناته.
وستبقى سيرته، بإذن الله، صفحةً من تاريخ الوطن لا تنطوي، وإرثاً وطنياً وسياسياً وإنسانياً سيظل ملهماً للأجيال، وشاهداً على أن القادة العظام لا يقاس أثرهم بسنوات حكمهم بل بإنجازاتهم العظيمة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
7419
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1596
| 26 يوليو 2026
الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا تُعرض على القضاة فيستمعون إلى الخصوم مباشرة، ويفهمون أصل الخلاف، ثم يفصلون فيه بعد جلسة أو جلستين، من دون هذا الامتداد الطويل الذي نراه اليوم. نتذكر بكل تقدير أصحاب الفضيلة من قضاة المحاكم الشرعية في قطر: الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود، والشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي البنعلي، والشيخ عبدالقادر بن محمد العماري، والشيخ عبدالله بن عبدالعزيز آل محمود، رحم الله من رحل منهم وجزاهم خير الجزاء. أما اليوم، فقد أصبحت بعض القضايا تمر بمراحل وإجراءات متعددة؛ من ابتدائي واستئناف وتمييز، وتأجيلات ومذكرات وردود على المذكرات، حتى إن الإجراءات في بعض الأحيان تبدو أطول من القضية نفسها. كما أصبح كثير من الجلسات يدور حول تقديم المذكرات والرد عليها، بدل المرافعة المباشرة التي تختصر الوقت وتوضح جوهر النزاع، وأصبح المتقاضي بحاجة إلى محامٍ حتى في بعض القضايا البسيطة التي كان يستطيع في السابق عرضها بنفسه. ومن وجهة نظري، فإن تعقيد الإجراءات أسهم في توسيع دور مكاتب المحاماة، حتى في أبسط القضايا، بما جعلها قطاعًا اقتصاديًا مزدهرًا. ولعل الانتشار اللافت لمكاتب المحاماة في كل زاوية من الدولة يعزز هذه الرؤية. ولا أحد ينكر أهمية الضمانات القانونية ودرجات التقاضي، فوجودها لحماية الحقوق وتحقيق العدالة، لكن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى رحلة طويلة تستنزف الوقت والجهد والمال. لا أحد يطالب بالعودة إلى الماضي بحذافيره، ولا بانتقاص حقوق المتقاضين، وإنما نأمل تبسيط الإجراءات، وتسريع الفصل في القضايا، وإعادة الاعتبار للمرافعة المباشرة والصلح، حتى تصل الحقوق إلى أصحابها بأقصر الطرق وأقلها كلفة. فالعدالة لا تكتمل بصحة الحكم وحدها، بل بسرعة وصوله أيضًا.
1248
| 30 يوليو 2026