رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في لقاء طويل رائع مع المفكر الجزائري عبد الرزاق مقري حول طوفان الأقصى - أنصح الاستماع إليه لمن أراد صورة واضحة لما يجري الآن في غزة - قال عبارة، ربما هي سر التحول الهائل الحاصل بالعالم تجاه القضية الفلسطينية، وهو عنوان هذا المقال.. ثبات غزة، حالة أسطورية.
وهذه حالة نادرة تستوجب منا التوقف قليلاً وتأملها طويلا.
ثبات غزة، بمجاهديها ورجالها ونسائها وأطفالها، رغم الشدائد والأهوال والآلام، لابد وأنه يدفعك لاستحضار مشاهد مؤلمة ماضية من تاريخنا مثل سقوط الحواضر الإسلامية أمام المغول الهمج، ثم الأندلس وقصص محاكم التفتيش والحروب الصليبية، وصولاً إلى بدايات القرن العشرين ومآسي المسلمين على يد الاستدمار الغربي، الذي وإن خرج من عالمنا العربي والمسلم، إلا أنه أبقى كلابه المسعورة المتوحشة من الصهاينة، يهوداً كانوا أم غيرهم من العرب والفرس والترك والهندوس وغيرهم من أهل الوثن والحجر والشجر.
لكن الأمر الملحوظ ورغم كل تلكم الأهوال والشدائد التي نزلت على الأمة عبر تاريخها الطويل، إلا أنها كانت تنهض بصورة وأخرى، ولم تهلك أو تفنى وتندثر كبقية الأمم والحضارات الغابرة. فما كنا نقرأ في كتب التاريخ والسير عن أولئك المتوحشين ضد المسلمين، على اختلاف معتقداتهم وأهدافهم، صرنا اليوم نعايشها لحظة بلحظة في غزة الأبية.
صفقة القرن
ما كنا نستغرب منه إذن ونحن نقرأ في تضحيات الأولين، صار يتكرر الآن، بل أصبح متجسداً واقعاً أمام أعيننا وأمام كاميرات وشاشات وكافة وسائل التواصل والإعلام حول العالم. ثبات غزة، ثبات أسطوري أفشل كل مخططات الغرب والصهاينة ومعهم كل المطبعين العرب، بعد أن كانت القضية الفلسطينية تسير بشكل متسارع نحو تصفية نهائية، وكانت ستنتهي وتتحقق أحلام من خططوا طويلاً لما يسمى بصفقة القرن، كي تقر أعين الصهاينة أولاً، وتتحقق نسبة كبيرة من أحلامهم ومشاريعهم التوسعية، ومن ثم تقر أعين المطبعين بعد ذلك وتنتهي القصة المزعجة لهم منذ أكثر من سبعة عقود، وليحمل بعدها الأمريكان أمتعتهم مغادرين المنطقة - إلى غير رجعة - لاعتقادهم بأن وجودهم صار غير ذي جدوى، بعد أن تكون المنطقة قد هدأت بتصفية القضية، وتولي بيادق صهيونية الصنع إدارتها، لتتفرغ هي للعملاق القادم، أو هكذا التصور الأمريكي الغربي، ويُقصد به الصين، أو التحالف الصيني الروسي.
إذن ثبات أهل غزة بشكل عام، واستمرارهم في التصدي لجحافل الجيش «الأكثر أخلاقية في العالم» بل والمبادرة بالهجوم أحياناً كثيرة، أفشل مخططات ومشروعات كلفت خزائن بعض الدول، مليارات الدولارات وسنوات من العمل والتخطيط أو التآمر إن صح التعبير.
حالة سُننية
لم يدر بخلد أي أحد من أولئك المتآمرين أن تكون للمقاومة بقية قدرة وطاقة للصمود والبقاء، بعد اعتداءات الصهاينة المتكررة منذ انسحابهم من غزة في 2005 وأهمها في العصف المأكول 2014 ثم حارس الأسوار في 2021 لتهدأ بعدها غزة لعامين تقريباً، حتى ظن المتآمرون أن الإنهاك قد أصاب المقاومة، وبالتالي هي فرصة لتسريع إجراءات التصفية، لكن تتدخل الإرادة الإلهية دوماً، بعد أن يكون عباده المخلصين قد اتخذوا كافة الأسباب لكنها لا تكفي لإحداث الفرق أو نتيجة مؤثرة. فكان السابع من أكتوبر 2023 ليكون هذا اليوم بداية حالة كما أسماها الدكتور مقري «حالة سُننية « في معرض تحليله للأحداث، حيث تبدأ بعد ذلك تتكشف الكثير الكثير من الأمور، هي التي نعيشها الآن منذ ذلك التاريخ المجيد.
إن ما يحدث اليوم في العالم بأسره من فضح وكشف للرواية الصهيونية التي جعلت العالم يصدقها طويلاً، هو أمر لو أنفقنا نحن المسلمين ملايين الدولارات في الدعايات والإعلام المضاد لكشفها وإقناع الآخرين برواياتنا الحقيقية، ما نجحنا ولا استطعنا تحقيق بعض الذي تحقق بعد طوفان الأقصى. لماذا؟ لأن الثمن لم يكن مليارات الدولارات أو اليوروات أو غيرها من العملات الصعبة، بل كان هو الدم، والروح، والثبات. وهي كلها عوامل أعطت صدقية للرواية الفلسطينية الإسلامية، وكشفت زيف الرواية الصهيونية الخبيثة.
انكشاف الصهيونية والنفاق الغربي
ما يحدث منذ السابع من أكتوبر الفائت، أزاح الستار عن ظلم الصهيونية وزيف ادعاءات المظلومية، وانكشف وجه الغرب الحقيقي القبيح، الذي كان مغطاة بوابل من قيم ومبادئ خادعة عبر مؤسسات ووسائل إعلام وغيرها، وهذا ما دفع بمئات الألوف من غير المسلمين إلى الشوارع، وفي عقر دار العالم الغربي، احتجاجاً أولاً على رضوخ حكوماتهم ومؤسساتهم الطويل للفكر الصهيوني، الذي أدى إلى الأحداث البشعة بحق مدنيين من أطفال ونساء في غزة كإحدى نتائج ذلك الرضوخ، ثم انتشار واسع ممتد مستمر للظلم حول العالم كنتيجة أخرى، إلى غير ذلك من نتائج ستنكشف مع الأيام.
النقطة المهمة المطلوب التركيز عليها الآن بعد أحداث عشرة أشهر أسطورية، هي أهمية استيعاب المسلمين جميعاً لما يحدث في غزة، وضرورة استثمار الحدث للانطلاق بهمة وعزيمة وإيمان في أي مساهمة أو مشروع حول العالم يعمل على تفكيك النظام العالمي الحالي، الذي هو نظام غربي استعماري تم وضعه لخدمة مصالح الغرب أولاً وأخيراً عبر مؤسسات غير فاعلة، إلا إن أراد هذا الغرب تفعيلها خدمة لمصالحهم فقط !
النقطة الأخرى المهمة، هي المساهمة في تعزيز ثبات غزة، ودعم المقاومة بكل ما يستطيع الفرد منا القيام به. كل فرد منا، من بعد نية خالصة، وإيمان راسخ، ويقين لا يتزعزع بقرب نصر الله، يمكنه المساهمة بحسب قدراته وإمكانياته وظروفه المحيطة به في عملية التعزيز هذه، سواء بالمال، أو بالكلمة، أو بالصورة، أو غيرها عبر مؤسسات إعلامية، أو تشريعية، أو خيرية، أو غيرها من مؤسسات ومكونات مجتمعية عديدة.
غزة.. إيمان أو نفاق
أقول كخلاصة لهذا الحديث: لا يجب أن يتزعزع ثبات أهل غزة، مجاهدين أو حواضن شعبية، ولا يتم ذلك إلا عبر استمرار الدعم بكل الطرق والوسائل، لأن الاستمرارية تلك هي عامل حاسم في المرحلة الأخيرة من حرب التحرير التي انتظرناها طويلا. كما لا يجب أن ندع المجال للمشككين والمرجفين لنشر الأراجيف والأكاذيب. هؤلاء الذين (كره الله انبعاثهم) لا بد أن نكره نحن انبعاثهم أيضاً، لأن دخولهم في الأحداث، عامل مساهم إضافي يدعم الظلم الصهيوني المدعوم غربياً قبل كل شيء، باعتبار أنه مشروع غربي أولاً وأخيراً، يتطلب دعماً مستمراً لا يتوقف. وبالتالي، والحال كذلك، لابد من كشفهم وفضحهم أمام الملأ دون أدنى مجاملة، فالوقت لا يتسع للمجاملات والمهادنات. إنه وقت دعم الحق وإزهاق الباطل، والطرق باتت واضحة جليّة. من أراد الحق، فليلحق بأهله، ومن أراد الباطل فله ما أراد. إن الوقوف مع غزة أو ضدها، صار اليوم معياراً للتفريق بين الإيمان والنفاق، فلينظر كل منا تبعاً لذلك المعيار، إلى أي معسكر تقوده قدماه..
لا يسمعون فيها لغواً
لاحِظ معي أنّ الله عز وجل يكافئ عباده المتقين في الجنة، ليس فقط كما نتخيل من جزاءات مادية... اقرأ المزيد
456
| 03 سبتمبر 2026
لن يضروكم إلا أذى
دعوة الإسلام قضت عشرة أعوام مكية بقيادة النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، تؤسس وتبني دون دخول في... اقرأ المزيد
381
| 26 أغسطس 2026
إن الإنسان لربه لكنود
حين يقسم الله عز وجل بمخلوق من مخلوقاته العظيمة، كالسماء والأرض والنجوم والأوقات وغيرها، فإنما ذلك لبيان حقيقة... اقرأ المزيد
339
| 19 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5295
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4905
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
2985
| 24 سبتمبر 2026