رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لاحظت أن تدويناتي الكاشفة لما خفي من تاريخ العرب وبلادي تونس تجلب اهتمام الأصدقاء وتثير فضولهم.
وهو أمر طبيعي لأن الذين كتبوا التاريخ هم الذين دلسوه حين فازوا بالمناصب وصادروا الدولة لخدمتهم.
ولا يعتقدن البعض أن الفساد نشأ (كالفطر..) فجأة مع أنظمة حالية أو توسع مع الثورات العربية ومع من جاء بعدها.
الحقيقة التي لا يريد بعض الغافلين كشفها هي أن الفساد وأكبر الكبائر السياسية في تونس مثلا كنموذج لم يولد عام 87 بل تمأسس وترعرع منذ عهد مؤسس الدولة الحبيب بورقيبة وبعده زين العابدين لأن جمرة الفساد نائمة تحت الرماد ثم اندلع لهيبها وانتشر بطريقة سريعة ومس كل مفاصل الدولة وتحول الى ثقافة عامة وشعبية. وفي مصر لم يولد الفساد فجأة اليوم بل تهيأت أركانه منذ تم الانقلاب على الملك فاروق على أيدي من سموا أنفسهم بالضباط الأحرار وقضوا على تجربة ديمقراطية ناشئة مع الملكية الدستورية بقيادة وطنيين أمثال فؤاد سراج الدين والنحاس باشا وسعد زغلول. ثم استقر في مصر حكم العسكر المعروف بسلطة حمزة البسيوني مدير سجن طره الذي كان يتلذذ بتعذيب وقتل المعارضين من ماركسيين وإخوان!
لكن الذي حفر أساس الفساد وصب خرسانته وجهز أعمدته وجدرانه هو عهد ميلاد "الجمهوريات" المنقلبة على الملكيات واضطهاد الأسرة الحسينية في تونس والأسرة الهاشمية في العراق والأسرة الملكية العلوية في مصر وسلالة الأيمة في اليمن وتم القضاء على حكم ملوك مصر للسودان حين انقلب الفريق إبراهيم عبود على السلطة وجاء إعلان انفراد زعماء جدد بلا تاريخ ولا مشروع بكل الأمجاد والفضائل كما فعل بورقيبة وعبد الناصر وعبد الكريم قاسم والجنرال السلال وإبراهيم عبود رحمهم الله وغفر لهم ومارسوا تخوين كل الآخرين ما عداهم.
وهو ما حدا بصديق بورقيبة الصحفي الفرنسي المناصر لتحرير تونس والجزائر مؤسس ومدير مجلة (لونوفيل أبسرفاتور) (جون دانيال) إلى القول:"بأن بورقيبة هو مفترس الرجال"Bourguiba est un mangeur d'hommes".
وعند لقائي بـ (جون دانيال) آخر مرة في حفل سفارة قطر بباريس بالعيد الوطني سألته عن سبب ذلك النعت فقال لي ضاحكا: " أنا قلت هذا للرئيس بورقيبة نفسه ولم ينف أو يغضب".
وأضاف: "إن بورقيبة بدأ بافتراس أخيه سي محمد بورقيبة مؤسس الحزب معه ثم أكل رؤوس أغلب من تبقى من المؤسسين كمحمود الماطري والصادق بوصفارة وسليمان بن سليمان والحبيب ثامر وحسين التريكي وطبعا أولهم صالح بن يوسف الذي صفاه بالاغتيال متهما إياهم جميعا إما بالخيانة أو بالضعف أمام القمع الاستعماري.
واستمر في اضطهاد الجيل الذي جاء بعدهم أمثال علي البلهوان محرك مظاهرة 9 أفريل 38 وعزوز الرباعي أحد أبطال 9 أفريل الذي عملت معه سنوات في النشر وهو الذي أكد لي أن علي البلهوان توفي إثر أزمة قلبية مباشرة بعد أن أهانه بورقيبة وشتمه بما لا يليق بزعيم وطني ناصره مقاوما وعمل معه كرئيس لبلدية العاصمة بعد الاستقلال. رحمهم الله جميعا.
ثم جاء الدور على البقية أمثال الباهي الأدغم والهادي نويرة وأحمد بن صالح والحبيب عاشور ومحمد مزالي.
أريد أن أستخلص حقيقة تاريخية وهي أن التصفيات السياسية والانفراد بالسلطة وادعاء المجد لم تولد اليوم بجرة قلم بل إن واضعي أساسها المكين هم مؤسسو "النظام الجمهوري" أو كما سماه أحدهم "النظام الجملكي" أي الجمهورية ولكن وراثية!!!
لكن هذا لا ينفي في نظري مكاسب النظام البورقيبي على سبيل المثال خاصة إكمال تحرير البلاد ومساندة الشعب الجزائري وإرساء الدبلوماسية التونسية وإنشاء الجيش الوطني ونشر التعليم المجاني والقضاء النسبي على القبلية.
مع أن رئيس أول جمهورية لم يكن عادلا بين الجهات لأنه جعل من مسقط رأسه المنستير، بالرغم من وطنية أغلب السواحلية وعدم رضاهم، عاصمة ثانية مع إهمال كارثي لبقية الولايات المهمشة.
كما لم تنجح قوانين الأحوال الشخصية في رفع الظلم عن النساء بل إنها كرست المظالم على الرجل والمرأة معا وفككت الأسرة وهو ما تؤكده إحصائيات الدولة الرسمية منذ أعوام.
أما توظيف القضاء فبدأ في عهده لا محالة بمحاكم استثنائية عديدة ذهب ضحيتها كل من وقف ضد انفراده بالقرار.
وتواصل استعمال بعض القضاة (حاشا الشرفاء منهم وهم الأغلبية) في تصفية الخصوم والمغضوب عليهم بتعليمات تعطى مباشرة من بورقيبة نفسه إلى وزير العدل وحتى من وسيلة زوجته ومن سعيدة ابنة أخته رحمهما الله في عهد انهيار الدولة وحدثني وزير العدل في أواخر عهد بورقيبة وهو صديقنا الوفي رضا بن علي وكذلك سكرتير بورقيبة محمود بلحسين كيف تصدر الأحكام جاهزة حسب مزاج وأحقاد أولئك المقربين وحاشيتهم واستمر بن علي في نفس النهج بأكثر وحشية. وبقي وجه من كان يسمى (عميد قضاة التحقيق) حسن بن فلاح رحمه الله رمزا لمهازل كيدية أحتفظ بوثائق بعضها لأنها تصنع "جريمة" من أي ممارسة عادية لأي رجل عادي يحوله هذا العميد بسحر ساحر إلى متهم!
وهي بلا شك تدين 23 سنة من نظام التحول وتبرئ من أدينوا ظلما، وللأمانة كانت الـ 23 سنة مع بن علي ذات إيجابيات اقتصادية عديدة بسبب تعيينه لكثير من التكنوقراط الخبراء وزراء فأحسنوا إدارة الدولة.
لكن ذلك العهد تأسس مثل عهد بورقيبة دون قضاء مستقل ولا برلمان حر! أنا عملت في حزب بورقيبة منذ صباي الأول وكنت مديرا للسان الحزب (العمل) التي أسسها الزعيم عام 1934 وكنت من 1981 إلى 1986 مقررا للجنة المركزية للحزب أعد بيانات اللجنة وأتلوها على مسامع بورقيبة عند نهاية أشغالها إلى أن تحمل صديقي محمد مزالي أمانة رئاسة الحكومة عام 1980 فحاولنا كسر طوق الاستبداد وقص أجنحة الاستعمار الثقافي والاقتصادي بتجربة تأصيل التعليم وتحرير الاقتصاد ومكنا أحزابا منافسة من الوجود القانوني فغضب علينا من كان يتمعيش من الفساد واللحاق بالاستعمار ونفينا في الأرض على مدى 14 سنة مطلوبين من أنتربول مقاومين للاستبداد بالأمس واليوم.
وتشرفت بتوسيمي من أيدي الزعيم بوسامي الاستقلال (1982) والجمهورية (1986) لكني كنت منذ شبابي الأول معارضا للحزب الواحد وكبت الأصوات التي لو تركها بورقيبة تعبر لما عانينا مصائب الانحرافات ولا التطرف ولا الفساد.
أما أن يطلع علينا اليوم من يصنف الزعيم خائنا ويتهمه بالعمالة فهو أمر غير مقبول وغير موضوعي لأن بورقيبة أصيب بنوع من الانحراف إلى الشخصانية منذ 1974 ولم يعارضه أحد أبدا ولم يتكلم أحد عكس ما يدعيه بعض من كتبوا سيرتهم الذاتية بعد جانفي 2011 فالتاريخ علم وتدقيق وحياد وهذا هو الذي يدفعني إلى كشف بعض العاهات التي شوهت عالمنا العربي وتاريخ غرسها في تربتنا ونتمنى ألا تعود مستقبلا مع شباب الغد.
هناك حرب وهنا عدوان
لعلكم لاحظتم إنني لم أتطرق للحرب الأمريكية الإيرانية منذ وقت طويل لا سيما وإن هذه الحرب تتفاقم في... اقرأ المزيد
57
| 05 أغسطس 2026
بين التحدي والشغف... يولد الأثر
• في حياة كل إنسان قصة تركت وقعها وأثرها لا يعرفها الآخرون، ومعركة خاضها بصمت، وكلمة غيَّرت مسار... اقرأ المزيد
57
| 05 أغسطس 2026
النخلة والصاروخ
اليوم تجد دول الخليج العربي نفسها في نقطة ارتكاز استراتيجية فريدة بعد أحداث صاخبة ومستمرة، بلا شك، وإن... اقرأ المزيد
36
| 05 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
4197
| 03 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2310
| 01 أغسطس 2026
ليس للحلم قيمة إن بقي حبيس الخيال، ولا للنتائج معنى إن جاءت دون قصة تُروى عن الطريق الذي سبقها. ففي حياة كل إنسان مساحة تمتد بين ما يتمناه وما يحققه، وبين ما يرسمه في مخيلته وما يراه واقعًا ملموسًا، وهذه المساحة لا يملؤها سوى الاجتهاد. نحن نعيش في زمن يُبهرنا بما نراه من إنجازات الآخرين، فنشهد لحظة وصولهم إلى القمة، ونغفل عن سنوات السعي التي سبقتها. نرى النتائج ولا نرى الليالي التي أُرهقت فيها الأرواح، ولا المحاولات التي تعثرت ثم نهضت من جديد، ولا الدموع التي تحولت بإصرار أصحابها إلى ابتسامات فخر ونجاح. فالنتائج ليست محض صدفة، وإنما هي الابن الشرعي للاجتهاد والصبر والاستمرارية. إن الحلم هو الشرارة الأولى التي تُضيء دروب الطموح، لكنه لا يستطيع أن يسير وحده. فهو بحاجة إلى عقل يُخطط، وقلب يؤمن، ويد تعمل دون كلل. وما بين نقطة البداية وخط الوصول، يقف الاجتهاد شاهدًا على كل خطوة خطاها الإنسان نحو ما أراد أن يكونه. وقد يتأخر الحصاد، وتطول الطريق، وتأتي الأيام بما يُثقل الخطى ويُضعف العزيمة، لكن أصحاب الأحلام الحقيقية يدركون أن النجاح ليس سباقًا مع الزمن، بل رحلةٌ مع النفس. رحلة يتعلم فيها الإنسان أن كل تعثر درس، وأن كل تأخير قد يحمل في طياته حكمة لم ندركها بعد، وأن النتائج العظيمة تحتاج إلى وقت يليق بها. ولعل أجمل ما في الاجتهاد أنه لا يمنحنا النتائج فحسب، بل يصنع منا أشخاصًا أكثر قوة ونضجا وقدرة على مواجهة الحياة. فما نكسبه في الطريق لا يقل قيمة عما نصل إليه في نهايته. ختامًا، يبقى الحلم بداية الحكاية، وتبقى النتائج آخر سطورها، أما ما بينهما فهو واقع اسمه الاجتهاد؛ ذلك الرفيق الذي لا يخذل من أحسن السعي، ولا يُضيع تعب من أخلص العمل. فليكن لنا من أحلامنا نصيب، ومن اجتهادنا أوفر الحظ، ولنتذكر دائمًا أن ما نزرعه اليوم، سنحصد ثماره غدًا بإذن الله. فبين الحلم والنتائج، لا تُقاس المسافة بالأيام، بل بما بذلناه فيها من اجتهاد.
1482
| 30 يوليو 2026