رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فاطمة العتوم

كاتبة قطرية - مستشار الصحة البيئية / تميز مؤسسي
falotoum@hotmail.com
@faalotoum

مساحة إعلانية

مقالات

144

فاطمة العتوم

عندما تعيق الإجراءات صناعة القيمة

15 أكتوبر 2026 , 12:00ص

في المقال السابق من هذه السلسلة، توقفنا عند سؤال جوهري في الأداء المؤسسي: لماذا تفشل القرارات؟ فالقرار لا يكتسب قيمته بمجرد صدوره، بل عندما يتحول إلى تنفيذ، ثم إلى نتيجة، ثم إلى أثر يلمسه المستفيد ويمكن قياسه. ومن هنا يبرز سؤال أكثر اتصالًا بعنوان هذا المقال: متى تتحول الإجراءات، التي وُضعت أصلًا لضبط الأداء وتسريع الإنجاز، إلى عائق أمام صناعة القيمة؟ فقد تبدو النماذج والموافقات ونقاط المراجعة علامة على الانضباط والحوكمة، لكنها قد تتحول بصمت إلى شبكة معقدة تُبطئ القرار، وتستنزف الجهد، وتجعل التنظيم نفسه حاجزًا أمام الأثر.

ليست الإجراءات مشكلة في ذاتها؛ فهي ضرورة لضبط العمل، وتحديد المسؤوليات، وإدارة المخاطر، وحماية الجودة. لكن الخلل يبدأ عندما يتحول الإجراء من وسيلة إلى غاية، وعندما يصبح السؤال الأهم داخل المؤسسة: هل استكملنا الخطوات؟ بدلًا من: هل صنعنا النتيجة؟ عندها تتقدم سلامة الملف على جودة الخدمة، وتعلو اكتمالية المستندات على تجربة المستفيد، ويصبح الالتزام الشكلي أكثر حضورًا من الأثر الحقيقي.

وتكشف البيروقراطية أثرها في تفاصيل يومية مألوفة: موافقات متعددة على معاملة واحدة، إدخال متكرر للبيانات ذاتها، طلب ينتقل بين وحدات بلا قيمة مضافة واضحة، مراجعات متداخلة، وجهة نهائية للقرار لا يعرفها الجميع. قد تبدو كل خطوة مقبولة إذا عُزلت عن غيرها، لكن مجموعها يصنع مسارًا طويلًا لا يراه بوضوح إلا المستفيد الذي ينتظر خدمة أو قرارًا أو حلًا.

لذلك لا بد من التمييز بين الحوكمة والبيروقراطية. فالحوكمة الجيدة لا تعني تضخيم الموافقات أو تصميم إجراء لكل احتمال، بل تعني وضوح القرار، ودقة المسؤولية، وتناسب الضوابط مع مستوى الخطر. أما البيروقراطية فتبدأ حين تُعامل كل العمليات بالطريقة نفسها، وتتكرر المراجعة دون حاجة، وتصبح سلامة المسار أهم من قيمة المخرج. عندها لا تدير المؤسسة المخاطر بقدر ما تدير الإجراءات. والمؤسسة الناضجة لا تسأل فقط: ما الذي يجب أن نضيفه؟ بل تملك شجاعة السؤال الأصعب: ما الذي يجب أن نوقفه لأنه لم يعد يصنع قيمة؟

وفي هندسة العمليات، لا يكفي عدّ الخطوات، بل يجب فهم قيمتها. كم خطوة تضيف قيمة فعلية؟ كم خطوة ضرورية للرقابة؟ كم خطوة يمكن دمجها أو إلغاؤها؟ وكم خطوة نشأت لمعالجة مشكلة قديمة لم تعد قائمة؟ فالإجراء ليس نصًا ثابتًا، بل أداة لإدارة العمل، ولذلك يجب أن يتطور مع تغير احتياجات المستفيدين، وتقدم التحول الرقمي، وتغير المخاطر والهياكل التنظيمية.

ولا يعني تبسيط الإجراءات إضعاف الرقابة. فالبديل الناضج ليس رقابة أقل، بل رقابة أذكى؛ رقابة تُبنى على المخاطر والقيمة، فتمنح العمليات منخفضة المخاطر مسارًا أسرع، وتخصص الضبط الأكبر لما يستحقه فعلًا. بهذه الطريقة يمكن تحقيق السرعة دون التفريط في الجودة، والتبسيط دون إضعاف الحوكمة.

ويبدأ التغيير بإعادة النظر في العملية كاملة من بدايتها إلى نهايتها: ما حاجة المستفيد؟ أين يبدأ الطلب؟ أين يتوقف؟ من يملك القرار؟ أين تتكرر البيانات والمراجعة؟ وأين يحدث التأخير؟ هذه الأسئلة تنقل المؤسسة من إدارة الإجراءات إلى هندسة الأداء، وتكشف ما إذا كانت الخطوات الحالية تخدم النتيجة التي صُممت العملية من أجلها أم تعيقها.

فالتميز لا يُقاس بكثرة السياسات والنماذج، بل بقدرة المؤسسة على تصميم عمليات واضحة، ومسؤوليات لا يكتنفها الغموض، وضوابط متناسبة، وقرارات أسرع، وتجربة أفضل للمستفيد، ونتائج يمكن قياسها. والسؤال الحقيقي ليس: كم إجراء لدينا؟ بل: كم قيمة نصنع؟ وكم وقتًا وموارد نفقد في الطريق إليها؟

إن التميز المؤسسي لا يتحقق بتراكم الإجراءات ولا بكثرة المبادرات، بل بمنظومة مترابطة تبدأ من القيادة، وتحول التوجه إلى قرارات، والقرارات إلى عمليات، والعمليات إلى نتائج، والنتائج إلى أثر عام. وعندما تنفصل هذه الحلقات، تتسع الفجوة بين ما تعلنه المؤسسة وما يعيشه المستفيد. لذلك فإن مواجهة البيروقراطية ليست دعوة إلى إلغاء التنظيم، بل دعوة إلى تحرير القيمة من كل خطوة لا تخدمها. فالمؤسسة المتميزة هي التي تملك الجرأة لتبسيط ما تعقّد، وإلغاء ما لا يضيف، وحماية ما يصنع الجودة. عندها فقط تصبح الإجراءات جسورًا نحو الأثر لا جدرانًا أمامه، وتصبح الحوكمة ممكّنًا للقرار لا عائقًا أمامه، ويُقاس التميز بما يصل إلى الناس من قيمة، لا بما يتكدس في الأدراج من نماذج.

اقرأ المزيد

سلامة مياه الشرب... أكثر من مجرد عبوة سلامة مياه الشرب... أكثر من مجرد عبوة

في عالم يشهد تغيرات متسارعة في المناخ والتكنولوجيا والصناعة، لم تعد سلامة مياه الشرب المعبأة قضية تتعلق بجودة... اقرأ المزيد

360

| 17 أغسطس 2026

من الشراكة إلى الأثر.. مبادرات التوعية بصحة العمال من الشراكة إلى الأثر.. مبادرات التوعية بصحة العمال

تمثل المبادرات الوطنية المعنية بصحة وسلامة العمال إحدى الصور المشرقة لالتزام دولة قطر بحماية الإنسان، وتعزيز بيئات العمل... اقرأ المزيد

417

| 10 أغسطس 2026

من المسؤول عن إصابة الطفل في مركز الألعاب؟ من المسؤول عن إصابة الطفل في مركز الألعاب؟

ما إن يقع حادث لطفل داخل أحد مراكز الألعاب، حتى يتكرر السؤال ذاته: من المسؤول؟ ينصرف التفكير غالبًا... اقرأ المزيد

636

| 03 أغسطس 2026

مساحة إعلانية