رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يسرقون رغيفك، ثم يعطونك منه كسرة، ثم يأمرونك أن تشكرهم على كرمهم. يا لوقاحتهم!، كلمات كتبها غسان كنفاني قبل عقود، لكنها تصف بدقة الجريمة المركّبة التي يعيشها الفلسطيني في غزة اليوم، فالرغيف لا يُمنع فقط، بل يُراقَب، ويُستعمل كسلاح، وتُحيط به القناصة، ويُشترط على الجائع أن يُذلّ كي يلمسه، هذه ليست استعارة؛ إنها الوقائع.
منذ أواخر مايو وحتى أوائل يوليو 2025، استُشهد ما لا يقل عن 798 فلسطينياً، بينهم أطفال ونساء، أثناء محاولتهم الوصول إلى نقاط توزيع الغذاء التابعة لما يُسمى مؤسسة غزة الإنسانية (GHF)، تحت إشراف مباشر من شركة أمنية أميركية تُدعى Safe) Reach Solutions) (SRS)، وبحماية إسرائيلية مكثّفة. كما أُصيب أكثر من 4.500 شخص، بعضهم برصاص حي، وآخرون نتيجة التدافع أو القمع بالغاز والضرب، وفق تقارير الأمم المتحدة ووزارة الصحة في غزة، بعد أن منع الكيان المحتل دخول المساعدات الغذائية وسلع أساسية أخرى إلى القطاع لأكثر من شهرين، عبر المنافذ التي كانت تُستخدم سابقاً لإدخال المساعدات تحت إشراف الأمم المتحدة، بما في ذلك الأونروا.
هذه الأرقام المتزايدة هي نتيجة حتمية لنظام توزيع فُرض منذ نهاية مايو 2025، ويعتمد على توجيه السكان نحو نقاط محددة في أوقات محددة، تحت حراسة مسلحة. في كل نقطة توزيع، تُفرض شروط مسبقة: التعرف على الوجه، اصطفاف خاضع للمراقبة، تجمع يُعامل كهدف، ثم إطلاق نار تحت ذريعة الفوضى أو “التهديد الأمني”. لكن ما هو التهديد الحقيقي الذي يشكله جائعون خائفون أموات وهم أحياء؟.
الشركة المسؤولة، SRS، ليست منظمة إنسانية، بل شركة لوجستية–أمنية، تأسست في الولايات المتحدة، ويديرها Phil Reilly، ضابط سابق في وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، تعمل بتمويل من شركات استثمار خاصة مثل McNally Capital، وتعتمد في الحماية الميدانية على مقاولين أمنيين أميركيين، بينهم جنود سابقون في مشاة البحرية، فما الذي يفعله هؤلاء في نقاط توزيع غذاء؟ من الذي قرر أن يُسلط على الجائعين قسراً، بفعل الحصار الإسرائيلي، البنادق والقذائف، وهم عُزّل لا حول لهم ولا قوة؟.
تشير بعض التسجيلات المسربة إلى أفراد أمن يضحكون بعد إطلاق النار على طالبي المساعدات، قائلاً أحدهم: “أعتقد أنك أصبته. أحسنت يا رجل!”، وفق تقرير نشرته “فرانس 24” في التاسع من الشهر الجاري، كما توثّق تقارير للمقاولين الأمنيين الأميركيين استخدام رصاص حي، وغاز فلفل ضد أطفال ونساء، لمجرد أنهم اقتربوا من حاويات مساعدات قبل الوقت المحدد، فهل هذا عمل إغاثي أم قتل منظّم؟.
بالموازاة، تروج مؤسسة غزة الإنسانية لنفسها كجهة خيرية مستقلة، لكنها في الحقيقة تعمل ضمن شراكات أميركية–إسرائيلية، وتخضع لمجالس إدارة تضم شخصيات من الإنجيليين المتصهينين المعروفين بدعمهم لفكرة أرض الميعاد وتفريغ الأرض من أهلها الأصليين، ولذا، فإن الشكوك المتصاعدة حول هذه المؤسسة دفعت عدداً من الهيئات الحقوقية الدولية، مثل Trial International وLegal Action Worldwide، لإطلاق تحذيرات صريحة، واصفين ما يحدث بأنه قد يرقى إلى جرائم حرب، بل جرائم ضد الإنسانية، باستخدام الغذاء كسلاح، والسيطرة على السكان من خلال بوابة الحاجة، كما طالبت منظمة أطباء بلا حدود بوقف نشاط مؤسسة غزة الإنسانية المدعومة من إسرائيل والولايات المتحدة، معتبرة إياها مسؤولة عن مجازر متكررة. لكن الغطاء السياسي الغربي، والصمت العربي المؤسف، يسمح بمرور هذه الجرائم تحت عباءة العمل الإغاثي.
ختاماً…
في قلب هذا كله، لا أحد يسأل: ماذا يريد الفلسطيني؟ إنه المقهور، المجوَّع، الجريح، والشهيد لا محالة في ظل هذه المعطيات. ما يحدث يضع الفلسطيني على المحك مع الحياة. تلك الحياة التي أطبقت الخناق عليه، وباتت تتلذذ بعذاباته. فإما أن يأكل كسرة خبز مغمسة بدم أخيه، أو أن يموت واقفاً في “مصائد الموت”، أو كما يسمونها.. طوابير المساعدات.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
صحفية فلسطينية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1695
| 04 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1251
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1023
| 07 يناير 2026