رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أمير الشرق، تبكي فراقك أمة العرب لا قطر وحدها؛ تبكيك غـزة هذا المساء، وتستعبر دمشق، وترثيك بيروت، تحزن عليك صنعاء، وتترحم عليك تونس، وتتألم مصر، تودعك بالدمع عيون إفريقيا، وتتألم لفقدك آسيا، ويحزن عليك الشرق دون أن يعرف التوسط!
لستُ قطرياً ولم أزر قطر لكنني عربي أحب كل الصادقين من رجال هذه الأمة، وأفخر بقادتها العظماء الذين يأتي في طليعتهم أمير قطر الراحل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي عاصرتُ -كما عاصرتم- إنجازات عالمية كُتبت للعرب على يده، وسجل عبر عقود من المحن مواقف عظيمة في الدفاع عن شرف هذه الأمة بكل صدق وشجاعة وثبات.
لا يستطيع المرء أن يكون عربي الهوى في هذا الزمن إلا وتحتل قطر وأميرها الراحل القلب والعقل، ويفرض عليك هذا الأمير محبته وإجلاله؛ رجلٌ همته لم تقف عند حدود قطر، كان أكبر من الجغرافيا، وأعظم أثراً من المساحة، كان عظيماً في كل مواطن العظمة، وكان شاسعاً كما تقتضي الرجولة والشهامة العربية!
شعرتُ للوهلة الأولى من وقوع عيني على خبر رحيله فقدمت الشك على التصديق، لعل هذه الحسابات التي تنشر نبأ وفاة الأمير الوالد حمد بن خليفة تصنع اسمها بالكذب على الأسماء الكبيرة،
أقنعتُ نفسي أن موت الرجل كذبة إلكترونية وإشاعة عابرة، وربما وددتُ من كل قلبي أن يكون خبر وفاته مجرد إشاعة!
سرعان ما فتشتُ عن البث المباشر لقناة الجزيرة أبحث عن الخبر اليقين! فلما فتحتُ الجزيرة استعبر القلب ودمعت العين وهي تقرأ يقين وفاتك، فتمثلتُ قول الشاعر:
طوى الجزيرةَ حتى جاءني خبرٌ *** فزعتُ فيه بآمالي إلى الكذبِ
حتى إذا لم يدع لي صدقُه أملاً *** شرقتُ بالدمع حتى كاد يشرقُ بي!
كيف هان على الجزيرة أن تذيع خبر موتك اليوم، وأنت الذي كنت خبر حياتها قبل ثلاثة عقود؟!
كيف لم تتلعثم الجزيرة في إذاعة وفاتك وأنت من وهبت الجزيرة حق الكلام؟! كيف لم ينطفئ ضوؤها ولم يشعر بالارتعاش أثيرها، وأنت الذي منحت هذه الشمس الضوء ومنحت هذا الأفق الشروق؟!
الجزيرة التي ركنت أخبار العالم جانباً وجعلتك النشرة الوحيدة لانك العالم كله!
لا ألوم الجزيرة إذا انصرفت نحوك بكل أخبارها وتلت نعيك في كل نشراتها القادمة، ولا غرو أن تصرف كاميراتها عن كوكب الأرض لتنعي كوكب العرب!
فلتلتحف الجزيرة بالحزن، ولترثي الأمير حمد بن خليفة أكثر مما رثت الخنساء أخاها صخراً، فما ولدت قبيلة صخر مثل حمد وإن ولدت الأكابر! فليسد الحزن وحق لكم البكاء، فلا الخنساء بحجم الجزيرة في الصوت والأثر، ولا صخر مثل حمد في الكرم والخلود.
أعيدي نشرات الحزن فلن تبكي هذه الشاشة مثل حمد؛ طالما بكت الجزيرة كل الراحلين شرقاً ومغرباً، اليوم فقط رأيت الجزيرة تبكي نفسها كما تبكي البنت الرؤوم أباها العظيم.
الجزيرة التي ولدت على أرض قطر بإرادة الأمير حمد في خريف عام 1996م، فطاب الزرع وطاب الحصاد، فكان "كل الصيد في جوف الفَرَا".
الجزيرة لم تكن مجرد قناة عادية في تاريخ العالم العربي، إنما كانت إحدى التحولات الكبرى وأحد مشاريع الأمة في الدفاع عن الحق والكرامة والوجود، كانت بمثابة الضوء الذي تسلل إلى عقل الإنسان العربي ليفسح أمامه الطريق لنهضة تلحقه بركب العصر، الجزيرة كانت يقظة عربية لا يستطيع أن ينكر هذه الحقيقة إلا جاحد أو حاسد، فرحم الله الشيخ حمد الذي أبدع هذا الصرح.
رحيلك يا أمير العرب سوف يحزن ملايين العيون في أرض الرباط في فلسطين، تلك الأرض الجريحة الأسيرة التي كنت سند الحق فيها يوم ركن هذا العالم للباطل.
لن ينسوك يا حمد:
أنت الزعيم العربي الوحيد الذي زرت غزة وهي تحت الحصار،
أنت الذي احتضنت وواسيت ورحمت، وكلما أراد العدو أن يطفئ غزة بالهدم والتدمير عاد حمد بالبناء والتعمير،
كلما بكت عيون أبناء غزة دموعاً ودماً كانت تمتد يد قطر لتعالج الجرح وتمسح الدمع وتبذر الأمل.
حسبك من الحب في هذا العصر أن تحبك غزة، ويكفي من الصدق أن يشهد لك قادتها، سوف تدعو لك أمهات الشهداء، سوف تُرفع الأكف تطلب لك الرحمة والمغفرة لأنك كنت ابن فلسطين كما كنت ابن قطر.
فإن لم تبكِ العيون على رجل مثل الشيخ حمد، فبربكم على من تبكي؟!
دعوتُ خَدنَيّ من دمعٍ ومن جَلَدٍ *** فأسعفَ الدمعُ لكن خانني الجلدُ
تذكر كتب الأدب العربي قصة أعرابي فقير جائع زار ذلك الأمير الكريم، فلما دخل على الرجل وشرح حاجته، أجزل له الرجل في العطايا وبالغ في كرمه ومده بالآلاف المؤلفة من الدراهم، أضعاف ما كان يتوقع ويريد.
أخذ الأعرابي المال وانصرف وهو يبكي، فقال له الرجل: «مِمَّ بكاؤك يا أعرابي؟
أهو استِقلالٌ بالمال الذي أعطيناك أم ماذا؟»
فرد الأعرابي قائلاً: «لا يا مولاي، ولكنّي أبكي على مثلك كيف يأكله التراب وتواريه الأرض».
كيف يأكلك التراب وتواريك الأرض ؟!
يا حزن القصيد ويا وجع الكلمات.
ثم ذكَّر قول الشاعر:
لَعَمرُكَ ما الرَزِيَّةُ فَقدُ مالٍ *** وَلا فَرَسٌ تَموتُ وَلا بَعيرُ
وَلَكِنَّ الرَزِيَّةَ فَقدُ حُرٍّ *** يَموتُ لِمَوتِهِ خَلقٌ كَثيرُ.
كل التعازي لسمو الأمير الشيخ تميم بن حمد والشعب القطري بوفاة الأمير الوالد حمد بن خليفة، الذي تشاطرهم قلوبنا العربية الإسلامية الحزن والمواساة.
فليت كل حكامنا حمد، وليت كل دولنا قطر.
رحمة الله عليه وأسكنه الفردوس من جنانه.
مثلك حي بمآثره، حي في قلوب الناس ودعواتهم.
وداعاً يا أمير العرب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11592
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8184
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3714
| 22 أكتوبر 2026