رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

210

موزا محمد الكواري

هذا أنا.. وإن غيّرني الزمن

28 أكتوبر 2026 , 12:00ص

لم أعد الشخص الذي يعرفه الجميع، ولا الشخص الذي كنت أظن أنني سأكونه حين كبرت. ثمة أشياء حدثت في الطريق لم أكن مستعدًا لها، وأشياء أخرى كنت أظن أنني لن أتنازل عنها، ثم وجدتني أفعل، لا لأنني اقتنعت، بل لأن الحياة أحيانًا تضعنا أمام خيارات لا تشبهنا، وتترك لنا مهمة التعايش مع نتائجها.

كبرتُ بما يكفي لأفهم أن الإنسان لا يتغير دفعة واحدة، ولا يستيقظ ذات صباح ليكتشف أنه أصبح شخصًا آخر. يحدث الأمر بالتدريج؛ في كل مرة يبتلع فيها كلمة كان ينبغي أن يقولها، وفي كل موقف يضطر فيه إلى تجاوز ما لم يكن يتخيل تجاوزه، وفي كل مرة يختار فيها الصمت لأنه أدرك أن بعض الحقائق، مهما قيلت، لن تغيّر شيئًا.

حتى يأتي يوم ينظر فيه إلى نفسه، فيجد أن ملامحه لم تتبدل كثيرًا، لكن شيئًا في الداخل لم يعد كما كان.

لم أعد أندهش من كل شيء، ولم تعد كل الخسارات تستوقفني، ولم أعد أملك الرغبة ذاتها في تفسير نفسي للآخرين. ليس لأنني أصبحت أكثر قسوة، بل لأنني تعبت من المحاولات التي تجعلني أقف في كل مرة أمام الآخرين لأثبت أن ما في داخلي مختلف عما وصل إليهم.

اكتشفت أن بعض الناس لا يروننا كما نحن، بل كما تسمح لهم تجاربهم أن يرونا، وأن بعضهم يتمسك بصورة قديمة عنا حتى حين تتغير الظروف، وأن آخرين لا يعترفون بتغيرنا إلا حين نتوقف عن منحهم النسخة التي اعتادوا الاستفادة منها.

ومع الوقت، لم أعد أجد ضرورة في تصحيح كل صورة، ولا في استعادة كل علاقة، ولا في العودة إلى كل مكان تركت فيه شيئًا مني.

ثمة أبواب لا أغلقها كرهًا، بل لأنني لم أعد الشخص الذي يقف خلفها منتظرًا أن يُسمح له بالدخول.

ومع ذلك، حين أقول إنني تغيرت، لا أعني أنني أصبحت شخصًا آخر تمامًا. ما زالت في داخلي أشياء لم يستطع الزمن أن ينتزعها؛ تلك العاطفة التي تسبق التفكير أحيانًا، وتلك الرغبة في منح الآخرين فرصة إضافية، وذلك الجزء الذي يصدق أن النوايا الطيبة قادرة على إنقاذ ما أفسدته الظروف.

ما زلت أنا، لكنني لم أعد أترك كل ما في داخلي مكشوفًا أمام الجميع. تعلمت أن الطيبة لا تعني أن أكون متاحًا لكل أحد، وأن التسامح لا يلزمني بإعادة الأشياء إلى أماكنها الأولى، وأن المحبة، مهما بلغت، لا تعفيني من رؤية الحقيقة حين تصبح واضحة.

ولعل أكثر ما يسيء الناس فهمه فينا أنهم يظنون أن تغير أسلوبنا يعني تغير مشاعرنا، وأن ابتعادنا يعني نسياننا، وأن هدوءنا يعني أننا تجاوزنا كل شيء. لا أحد يرى المعارك الصغيرة التي انتهت داخلنا قبل أن تتغير تصرفاتنا، ولا يعرف كم مرة حاولنا أن نبقى كما كنا، حتى أدركنا أن البقاء على الصورة القديمة قد يكون شكلًا آخر من أشكال خسارة النفس.

أنا لا أعتذر عن النسخة التي أصبحتها، ولا أتنكر للنسخة التي كنتها. لكل واحدة منهما حكايتها، ولكل منهما أسبابها، وبينهما عمر كامل من التجارب التي لا يمكن اختصارها في كلمة واحدة.

وإن كان في نفسي عتب، فهو ليس على الزمن لأنه غيّرني، فالزمن لا يستأذن أحدًا حين يمضي، بل على كل مرة ظننت فيها أن عليّ أن أكون الشخص نفسه، مهما تبدلت الظروف، ومهما تغيرت معاملة الآخرين، ومهما كلفني ذلك من نفسي.

لماذا نطالب أنفسنا بالبقاء كما عرفناها أول مرة، بينما نسمح للحياة بأن تبدل كل شيء حولنا؟

لماذا نعتبر النضج ابتعادًا عن ذواتنا، ولا نراه أحيانًا عودةً إليها بعد سنوات من محاولة إرضاء الآخرين؟

أنا اليوم لا أريد أن أعود إلى كل ما كنت عليه، ولا أريد أن أمحو كل ما مررت به. أريد فقط أن أحتفظ بما يشبهني، وأن أترك خلفي ما اضطررت إلى ارتدائه كي أستطيع العبور.

فليتغير رأي من يتغير، ولتتبدل الأماكن، ولتذهب العلاقات إلى نهاياتها التي اختارتها. ليس عليّ أن أخوض كل معركة لأثبت أنني ما زلت أنا، ولا أن أشرح لكل عابر لماذا لم أعد أتصرف بالطريقة التي اعتادها مني.

هذا أنا.. وإن غيّرني الزمن، لم يمحُ حقيقتي؛ بل كشف لي ما يستحق أن يبقى مني، وما كان عليّ أن أتوقف عن حمله.

أنا الذي أخطأ وتعلّم، وأحبّ وتألّم، وخسر أشياء لم يكن مستعدًا لفقدها، ثم واصل الطريق دون أن يعرف دائمًا إلى أين يمضي.

فإن وجدتني مختلفًا، فلا تتعجل الحكم على ما أصبحت عليه، وإن وجدتني أقل كلامًا، فلا تفترض أنني أقل شعورًا، وإن لم أعد أطرق الأبواب التي كنت أطرقها قديمًا، فلا يعني ذلك أنني نسيت الطريق إليها.

كل ما في الأمر أنني فهمت أخيرًا أن بعض الطرق، مهما حفظنا تفاصيلها، لم تعد تؤدي إلى المكان الذي نريد أن نكون فيه.

هذا أنا.. لست كما كنت، ولن أكون كما أنا الآن إلى الأبد. لكنني، في كل نسخة أصل إليها، أريد أن أكون أقرب إلى نفسي، لا أبعد عنها.

اقرأ المزيد

شيءٌ مني عاد حين رأيتك شيءٌ مني عاد حين رأيتك

لم أكن أعلم أن للقاءات قدرةً على إيقاظ ما نظن أنه انطفأ فينا، وأن بعض الوجوه حين تعود... اقرأ المزيد

357

| 13 أكتوبر 2026

بين شخصين يسكنان قلباً واحداً بين شخصين يسكنان قلباً واحداً

هناك أشخاص لا تستطيع أن تضعهم في خانة واحدة. تلقاهم يومًا ممتلئين بالحياة، يتحدثون كثيرًا، يخططون لأشياء بعيدة،... اقرأ المزيد

360

| 01 أكتوبر 2026

لسنا متشابهات.. لكننا من الحكاية نفسها لسنا متشابهات.. لكننا من الحكاية نفسها

لسنا متشابهات… واحدة منا تشبه الهدوء، وأخرى لا تعرف كيف تمرّ من الحياة دون أن تترك خلفها ضحكة... اقرأ المزيد

318

| 28 سبتمبر 2026

مساحة إعلانية