رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أدى النزاع الدامي في اليمن إلى كوارث سياسية واقتصادية وأمنية كبيرة، وهذا ما تؤكده احصاءات الأمم المتحدة، حيث قتل أكثر من 4500 شخص خلال الستة شهور الماضية. وهناك ما يقارب 21 مليون شخص في حاجة الى مساعدة أو حماية عاجلة، كما تم تهجير 1.3 مليون يمني.
هذه الأرقام وحدها تشير إلى ضرورة قيام دول مجلس التعاون الخليجي باتخاذ إجراء حاسم بالتدخل العسكري مدفوعة باكثر من هدف عليها تحقيقه جراء هذا التدخل. والهدف الأول هو وضع حد للأطماع الإيرانية في باب المندب واليمن وهي أطماع تسعى إيران الى تحقيقها من خلال الحوثيين الذين استخدمتهم دروعا بشرية للدخول في حرب مع دول الخليج العربي وهي حرب خاسرة بالنسبة لهم ولن يجنوا منها سوى الخسائر الجسيمة. وكان من الضروري لدول الخليج ألا تتسامح مع ما يسمونه استيلاء ميليشيات مدعومة من إيران على دولة شقيقة تقع على حدودها الخلفية، بالاضافة إلى أن تقوم الدول الخليجية بوضع حد للتدخلات الإيرانية التي تريد وضع خنجر الفتنة الطائفية على خاصرة العالم العربي انطلاقا من اليمن. والهدف الثاني هو الأوضاع المأساوية التي فرضها الحوثيون على المدن اليمنية بلا استثناء وذلك من خلال قصفها المستمر للمدنيين وكان اخر هذه الأعمال العدوانية مقتل 20 شخصا على الاقل في شرق اليمن بقصف للمتمردين الحوثيين استخدموا فيه مدافع الكاتيوشا تماما كما يفعل الجنود الصهاينة في مجازرهم المعروفة ضد الشعب الفلسطيني.
ومما يحتم التدخل العسكري أيضا، ثبوت ان الحوثيين يراوغون ولا يعيرون أي اهتمام لأي مناقشات دولية بشأن اليمن ومستقبله، ويكفي للتدليل على ذلك أن القصف الأخير جاء بعيد تأكيد الحكومة اليمنية مشاركتها في "مفاوضات السلام" التي أعلنت عنها الأمم المتحدة بهدف إنهاء النزاع الذي حصد أرواح الآلاف وأنتج وضعاً إنسانياً كارثياً يعاني منه السكان كل يوم، وكان الرد الحوثي مخيباً للآمال حيث أعلنوا موافقتهم على المشاركة لكنهم حصدوا في ذات الوقت المئات من المدنيين.
وبالنظر إلى الدعوات التي أطلقتها الأمم المتحدة بانسحاب الحوثيين من جميع الأراضي التي سيطروا عليها منذ التمرد الأخير، وكذلك مطالبة الأمم المتحدة بمراعاة أهمية السماح لقوافل الإغاثة بالوصول إلى المدنيين الذين تزايدت معاناتهم جراء الحرب الجارية، يبقى موقف الحوثيين تجاه هذه المطالبات الأممية يشير بوضوح الى أنهم لا يريدون السلام وانه لا حل للأزمة إلا من خلال ذات اللغة التي يستخدمونها وهي الحرب، كما كانت محصلة جولات الحوار السابقة والجارية أن الحوثيين يتلقون التوجيهات من إيران ومن حليفهم الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، وبالتالي فإن الحوار مع الحوثيين لن يؤدي إلى نتائج إيجابية وما هي إلا أجندات خارجية واضحة الأهداف، ومناورات يستخدمها أعداء الأمة لكسب الوقت والإعداد لمعاركهم التي يوجهونها ضد مواطني بلدهم العزل.
لقد أدركت دول مجلس التعاون الخليجي بقيادة المملكة العربية السعودية وبدعم كامل من دولة قطر وأخواتها بالمجلس، أدركت خطورة التدخلات الخارجية على المنطقة وعلى سلامة الشعب اليمني، ويحفظ التاريخ لقطر موقفها المشرف والسباق في تقديم العون الإنساني في بداية الأزمة والمشاركة في الحرب جنبا إلى جنب مع قوات التحالف لتعيد الأمور إلى نصابها وتوقف العبث الحوثي بمقدرات اليمن وشعبه.
واليوم وقد باتت معركة صنعاء تلوح في الأفق، حيث إن التحضيرات جارية لإطلاق عملية واسعة النطاق بهدف تحرير محافظتي مأرب والجوف (في الشمال) تمهيدا لدخول صنعاء". وما زالت الحشود الخليجية العسكرية تتوالى عبر الحدود إلى اليمن، وتدل الشواهد الأولية والمنطقية على أن قوات التحالف ستحقق انتصاراً عسكرياً باهراً خاصة بعد أن ساعدت قواتها البرية أنصار الرئيس هادي لاستعادة خمس محافظات في جنوب اليمن منذ منتصف يوليو الماضي، مما يعني أن القوات البرية سيكون لها الدور الكبير والقوي في الإسراع بحسم المعركة.
بالطبع لم يكن الحل العسكري هو الخيار المناسب لدول التعاون الخليجي، فقد ظلت دول المجلس على الدوام حريصة على حل مشكلات المنطقة عبر الحوار والتشاور طيلة السنوات الماضية، لكن الجديد في الأمر هو دخول الأطماع الخارجية والمغرضة كعامل خطير في المعادلة السياسية مما جعل دول المجلس تواجه اول اختبار سياسي لمواقفها، وبالفعل فان الوضع في اليمن أعاد الأمور إلى نصابها وتسبب في اعادة اللحمة الخليجية إلى سابق عهدها ووحد القلوب قبل أن يوحد الجيوش، وهو موقف إيجابي يطمئن شعوب المنطقة على قوة قيادتها ورشدها وسيطرتها على الأوضاع في ظل أخطر وأقوى التحديات المحدقة بها.
إن معركة اليمن لها أكثر من معنى وفائدة، ويكفي أنها أعادت زمام المبادرة والقيادة إلى دول الخليج العربي في التصدي لقضايا الأمة العربية في ظل حالة التشرذم والتفرق التي تعاني منها معظم بقية الدول العربية. كما أن الأيام أثبتت أن دول مجلس التعاون الخليجي تقف صفاً واحداً وعلى قلب رجل واحد في مواجهة أي أخطار تهدد وحدتها ووجودها ومستقبلها.
** خلاصة القول**
إن المعركة الفاصلة اليوم لهي خير رد على كل المشككين بقدرة دول مجلس التعاون على القيام بدورها في المنطقة وحفاظها على الإقليم والنسيج العربي في التكاتف والوحدة. وكلها أيام قليلة بإذن الله تعالى وتدخل القوات الخليجية المشاركة في تحرير اليمن مع أخواتها القوات اليمنية الحكومية إلى صنعاء الخير محررة العاصمة اليمنية من كل عملاء إيران. حيث تعود اليمن إلى سابق عهدها الداعم لمنطقة الخليج العربي والجار المشارك في عملية التوازنات الدولية وعضوا أصيلا في المنظومة العربية ومرشحا للدخول في منظومة مجلس التعاون على أسس الأخوة والمواطنة والدين والدم العربي.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4650
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1173
| 01 أكتوبر 2026