رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

جاسم الشمري

مساحة إعلانية

مقالات

51

جاسم الشمري

الانتقاص من الإنسان!

16 أكتوبر 2026 , 12:00ص

يتقلَّب الإنسان في هذه الحياة بين العديد من المواضع والمشاعر الإنسانية، ومنها السعادة والتعاسة، والشغل والفراغ، والغنى والفقر، والأمل والقنوط، والعافية والسقم، والسلام والحرب، والحياة والموت، وفي جميع هذه الظروف ينبغي على الإنسان أن يتكيف مع ما يَحفظ إنسانيته وسمعته وكرامته وحاضره ومستقبله!

وغالبية هذه المشاعر- التعاسة والفراغ والقنوط والسقم- مُضمرة وغير ظاهرة إلا الفقر فإنه، في الغالب، يَظهر على أصحابه: بمأكلهم، وملبسهم، ومسكنهم، ومركبهم، وعلاجهم وغيرها من مظاهر الحياة!

والفقر صورة جامعة لغالبية صور البؤس الأخرى: فالفقر يَقود للتعاسة، وَيُولّد الفراغ، وَيُحدث القنوط، وَيَزرع السقم، وينشئ الكراهية، وربما، يقود- في ظروف معينة - للموت لانعدام الأمن الغذائي، والدواء، والسكن الآمن وغيرها من المتطلبات الحياتية!

والفقر تَعوّذ منه الأنبياء الكرام، وَنَفّر منه الحكماء والعقلاء لأنه حالة مزعجة ومهلكة، وقد ورد في الأثر أن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم تَعوّذ من الفقر. 

وقال أرسطو إن «الفقر أصل الثورات والجريمة»، فيما قال نيلسون مانديلا إن «القضاء على الفقر ليس مجرد عمل إحساني بل هو تحقيق لعدالة حقوق الإنسان»!

وتُعرّف منظمة الأمم المتحدة (الفقير) بناءً على معيارين رئيسيين: الأول مادّي يرتبط بالدخل اليومي، والثاني تنموي يرتبط بجودة الحياة الأساسية. فوفقاً لآخر تحديثاتها المشتركة مع البنك الدولي: يُعتبر الفقير فقراً مُدْقِعاً الشخص الذي يعيش على نحو 3.00 دولارات أمريكية باليوم!

ويحتفل العالم سنوياً في 17 تشرين الأول/ أكتوبر باليوم الدولي للقضاء على الفقر، والغاية من الاحتفال الضغط باتجاه القضاء على الفقر كونه مرتبطا بحماية «حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية والسلام».

ويُقدّر عدد الأشخاص الذين يعيشون في الفقر الْمُدْقِع حول العالم بالعام 2026 حوالي 826 مليون شخص، «نحو 10 % من سكان العالم يعيشون على أقل من 3.00 دولارات يومياً وفقاً لتعادل القوة الشرائية (PPP) لعام 2021»، وفقاً للأمم المتحدة.

ويشير البنك الدولي بأن «نسبة الفقر الْمُدْقِع (المعتمدة على خط الفقر الدولي البالغ 2.15 دولار للفرد يومياً) تبلغ تقريباً 10.0 % حول العالم للعام 2026، أي قرابة 700 مليون شخص».

وبناءً على هذا الواقع العالمي المذهل فإن الدول الناجحة هي التي تُحارب أسباب الفقر، وتعالجه بعمليات شاملة تتلاحم فيها الجهود السياسية والاقتصادية والشعبية للخروج من دائرة نقص الدخل والموارد وبالمحصلة تقليل معدلات الفقر.

ويمكن التقليل من آفة الفقر عبر الأدوات الآتية:

- التشجيع على العمل والكسب والإنتاج: وذلك بتسهيل وتوفير فرص العمل وتقديم الدعم المالي عبر القروض الخالية من الفوائد.

- تطوير التعليم وتنمية القدرات، وتوفير فرص التعليم الجيد، وزيادة فرص الحصول على وظائف مستدامة لتشجيع الشباب على التحصيل العلمي.

- دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتمويلها لمستحقيها حقيقة وبدون فوائد لتمكين الأفراد اقتصاديًا وتحويلهم من مستهلكين إلى منتجين.

- تعزيز التكافل الاجتماعي، وتشجيع المبادرات المؤسساتية والمجتمعية لتقليص الفجوات الطبقية كون محاربة الفقر مسؤولية جماعية لتحقيق العدالة الاجتماعية، وغيرها من الأدوات العلاجية.

إن الفقر في زماننا صار سبباً للانتقاص من كرامة الإنسان لدى الذين يقيسون مكانة الناس بحسب ما يملكون من أموال، وهذه حالة شاذة بعيدة عن الأخلاق الإنسانية النبيلة!

وصدق الشاعر العباسي أبو العيناء محمد بن القاسم الهاشمي (719م - 896م) القائل:

إِنَّ الغَنيَّ إِذا تَكَلَّمَ كَـاذِباً

 قَالوا صَدَقْتَ وَما نَطَقْتَ مُحالا!

وَإِذا الفقيرُ أَصابَ قالوا لَمْ تُصِبْ

 وَكَذَبْتَ يا هذا وَقُلْتَ ضلالا!

وهكذا ينبغي وضع خطة وطنية وشعبية لمعالجة آفة الفقر، وهذا واجب وطني وإنساني، وجزء من الخطوات الجادة لتحقيق العدالة الاجتماعية وصولاً لمجتمع يتمتع بالكثير من الإنصاف والتوازن والعدالة، وبالتالي الشعور بالراحة النفسية والاستقرار الاجتماعي والأمني والسعي للعمل والبناء!

لا تهملوا الفقراء، فهم ضعفاء الناس، وَتَفقدوا الأولى فالأولى، ولا تَجْعَلنا الحياة المترفة أن نتوقع بأن غالبية الناس يعيشون في ترف ورفاهية!

البلاد الناجحة يُقاس نجاحها بانعدام الفقر في ربوعها، والبلاد الفاشلة هي التي يتفشى فيها الفقر والعوز والضياع والقنوط!

مساحة إعلانية