رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس (هل؟) بل (كيف؟)
استكمالا لما ورد في (مقالنا) الذي نُشر بتاريخ التاسع من فبراير تحت عنوان التعليم غير النظامي أداة ناعمة لصناعة النفوذ الدولي، فإن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس هل نحتاج إلى (التعليم غير النظامي)، بل كيف يمكن لدولة قطر أن تحوّل هذا المفهوم إلى منظومة وطنية استراتيجية تخدم الدولة، وتحقق رؤيتها، وتعزز حضورها العالمي، وتؤسس نموذجًا يُحتذى به في المنطقة.
المقومات مكتملة… ولكن
إن دولة قطر تمتلك جميع مقومات التحول إلى مركز إقليمي وعالمي للتعليم غير النظامي، ليس فقط بسبب ما تملكه من بنية تحتية تعليمية قوية، بل لأنها تمتلك أيضًا رؤية وطنية واضحة تتمثل في رؤية قطر الوطنية 2030، والتي ترتكز على أربعة محاور رئيسية: التنمية البشرية، والتنمية الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، والتنمية البيئية. وجميع هذه المحاور لا يمكن تحقيقها على أرض الواقع دون منظومة تدريب وطنية مرنة وسريعة تستجيب للتغيرات العالمية المتسارعة، وتعيد تشكيل المهارات والوعي المجتمعي بشكل مستمر.
التعليم الرسمي وحده… يتأخر
إن التعليم الرسمي وحده لا يستطيع مواكبة تسارع احتياجات سوق العمل، ولا يملك المرونة الكافية لمواجهة التحولات المتلاحقة في التكنولوجيا والاقتصاد والهوية الثقافية. وهنا يأتي التعليم غير النظامي ليملأ هذه الفجوة، ليس بوصفه بديلًا، بل بوصفه الذراع الاستراتيجي السريع للدولة لبناء الإنسان وصناعة الجاهزية الوطنية.
الحل يبدأ باسم واحد (منظومة)
ومن أجل تحويل هذا المفهوم إلى واقع في قطر، فإن الخطوة الأولى تبدأ من تبني إطار وطني رسمي يسمى على سبيل المثال منظومة قطر للتعليم غير النظامي، بحيث يتم تنظيم التدريب، وتوحيد المسارات، وربط الاعتماد بجودة المحتوى، وربط المخرجات بحاجات الدولة. هذه المنظومة يجب أن تكون قائمة على الشراكة بين الجهات الحكومية والجامعات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، وأن تكون مرتبطة مباشرة بمؤشرات أداء وطنية قابلة للقياس.
(وزارة التربية) حيث تبدأ الحوكمة
وعند الحديث عن الجهات التي يمكن أن تقود هذا التحول، فإن وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي تمثل حجر الأساس بوصفها الجهة التنظيمية العليا، حيث يمكن أن تتولى وضع المعايير، وتنظيم الاعتمادات، وإطلاق إطار رسمي للتعليم غير النظامي، وتحديد المسارات التي تخدم التنمية البشرية. كما يمكن للوزارة أن تنسق مع الجهات الأخرى لإنشاء نظام وطني للاعتماد والتصنيف، بحيث لا يصبح التدريب مجرد سوق تجاري، بل يصبح قطاعًا تنمويًا منظمًا.
(وزارة العمل) التدريب الذي يساوي إنتاجية
أما وزارة العمل فيمكن أن تكون الذراع التنفيذي في ربط التعليم غير النظامي بسوق العمل، عبر تطوير برامج تدريب مرتبطة بالوظائف المستقبلية، وإعادة تأهيل الباحثين عن عمل، وتطوير المهارات المهنية للموظفين في القطاعين العام والخاص. ويمكن للوزارة أيضًا أن تستثمر في برامج إعادة بناء المهارات للوظائف المتغيرة نتيجة التحول الرقمي، بحيث يصبح التعليم غير النظامي أداة حقيقية لخفض البطالة المقنعة ورفع الإنتاجية الوطنية.
(وزارة التنمية) الاستثمار في الإنسان
وفي السياق ذاته، فإن وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة يمكن أن تلعب دورًا جوهريًا في تحويل التعليم غير النظامي إلى أداة استقرار اجتماعي، عبر إطلاق برامج تدريبية تعزز الوعي الأسري، والمهارات التربوية، والتمكين الاقتصادي للمرأة، والتأهيل المجتمعي للشباب، بما يخدم التنمية الاجتماعية ويعزز التماسك الوطني.
(الجامعات) حين يتجاوز الدور القاعة الدراسية
أما الجامعات القطرية وعلى رأسها جامعة قطر، فإن دورها يجب أن يتجاوز حدود التعليم الأكاديمي التقليدي، لتصبح الجامعات مصانع معرفة وطنية تقدم برامج تعليم مستمر قصيرة ومعتمدة، وتفتح المجال لبرامج مهنية وشهادات مصغرة تخدم الموظفين والخريجين والقيادات. ويمكن لمراكز التعليم المستمر داخل الجامعات أن تتحول إلى شريك استراتيجي في بناء منظومة وطنية للتعليم غير النظامي، بحيث تتكامل الجامعة مع الدولة في بناء القدرات.
(مؤسسة قطر) منصة المعرفة العالمية
كما أن مؤسسة قطر، بما تمتلكه من منظومة تعليمية وبحثية عالمية، قادرة على أن تكون منصة دولية لتطوير نموذج قطري عالمي في التعليم غير النظامي، عبر برامج الابتكار، وتطوير القيادات، وربط التدريب بالبحث العلمي، وتحويل المعرفة إلى أثر مجتمعي واقتصادي.
(القطاع الخاص) الشريك الذي لا غنى عنه
ولا يمكن تجاهل الدور الحيوي للقطاع الخاص، إذ إن نجاح التعليم غير النظامي عالميًا مرتبط دائمًا بالشراكة مع الشركات والمؤسسات الكبرى، لأن القطاع الخاص هو الأكثر قدرة على تحديد المهارات المطلوبة، والأكثر احتياجًا للكوادر المؤهلة. ويمكن للقطاع الخاص في قطر أن يسهم من خلال برامج المسؤولية المجتمعية في تمويل التدريب، ودعم المبادرات التعليمية، وتقديم فرص تدريب ميداني، وخلق مسارات توظيف مرتبطة بالتعليم غير النظامي.
(غرفة التجارة ومعهد الإدارة) دعم المسار الوطني
ومن هنا فإن الجهات التي يمكن أن تلعب دورًا داعمًا في قطر تشمل غرفة تجارة وصناعة قطر، التي يمكن أن تكون منصة لتحديد احتياجات الشركات من المهارات، وتنسيق التدريب مع مؤسسات التدريب، وتطوير برامج نوعية موجهة لرواد الأعمال. كما يمكن أن يكون لمعهد الإدارة العامة دور مهم في اعتماد البرامج الحكومية وبناء الكفاءات القيادية والإدارية وفق معايير وطنية موحدة.
(الإعلام) المعركة تبدأ من الوعي
وفي جانب آخر، فإن الإعلام الوطني يمثل أحد أعمدة نجاح التعليم غير النظامي، لأنه مسؤول عن تغيير الثقافة المجتمعية تجاه التدريب، وتعزيز فكرة أن الشهادة الجامعية وحدها لم تعد كافية لصناعة المستقبل. ويجب أن يكون هناك خطاب إعلامي جديد يرسخ قيمة التعلم مدى الحياة، ويرفع مكانة التدريب في الوعي الوطني.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2655
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة فردية معزولة عن حركة الحياة، بل زمن تاريخي متخم بالدلالات، تداخلت فيه الروح مع الفعل، والإيمان مع الحركة، حتى أصبح عبر القرون موسماً تتجدد فيه طاقة الأمة وتتعاظم قدرتها على الإنجازات والفتوح والتوسع. ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن ارتباط رمضان بالتحولات الكبرى لم يكن مصادفة زمنية، بل نتيجة طبيعية لحالة نفسية وروحية خاصة يولدها الصيام من انضباط داخلي، وصبر طويل، وشعور وفهم عميق بالغاية والمعنى. لقد كانت غزوة بدر في 17 رمضان سنة 2 هـ بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم النموذج الأول لهذا المعنى، قلة العدد وضعف الإمكانات لم يمنعا تحقق النصر، لأن العامل الحاسم لم يكن مادياً خالصاً، بل معنوياً أيضاً. ثم جاء فتح مكة في 20 رمضان سنة 8 هـ بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد أن النصر قد يتحقق بأقل قدر من القتال عندما تبلغ القوة الأخلاقية والسياسية ذروتها. وفي العهد الراشد استمر هذا النسق، فشهد رمضان معركة البويب سنة 13 هـ بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني ضد الفرس، وفتح مصر الذي اكتمل في رمضان سنة 20 هـ بقيادة عمرو بن العاص، وهي أحداث رسخت التوسع الإسلامي ووسعت آفاق الدولة. ويبرز رمضان سنة 92 هـ بوصفه عاماً استثنائياً، إذ تزامن فيه التوسع الإسلامي شرقاً وغرباً معاً. فتح السند بقيادة محمد بن القاسم الثقفي، وفتح الأندلس عبر معركة وادي لكة بقيادة طارق بن زياد تحت ولاية موسى بن نصير. هنا يتجلى البعد الحضاري لرمضان بوضوح، فالأمر لم يكن مجرد انتصارات عسكرية عابرة، بل بدايات لتشكل عوالم ثقافية جديدة امتدت قروناً. حتى الأحداث التي لم تقع معاركها الحاسمة في رمضان مباشرة، مثل القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص أو اليرموك بقيادة خالد بن الوليد، ارتبطت به من حيث التعبئة والاستعداد والسياق العام، مما يعكس أن الشهر كان موسماً طبيعياً للحشد النفسي والمعنوي. وفي أوروبا ارتبطت الحملات الإسلامية التي بلغت جنوب فرنسا في زمن بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي بروح التوسع التي غذّاها هذا المناخ الإيماني. وفي العصر العباسي ظهر المعنى نفسه في فتح عمورية سنة 223 هـ بقيادة الخليفة المعتصم بالله، حيث تحولت الاستجابة لصرخة امرأة مسلمة إلى حملة عسكرية كبرى أعادت هيبة الدولة. ثم بلغ الارتباط بين رمضان والمصير ذروته في عين جالوت سنة 658 هـ بقيادة السلطان المملوكي سيف الدين قطز ومعه القائد الظاهر بيبرس، حين أوقف المسلمون المدّ المغولي بقيادة كتبغا. وتكرر المشهد في شقحب سنة 702 هـ بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون بمشاركة القائد بيبرس الجاشنكير ضد المغول بقيادة قتلغ شاه. ولم ينقطع هذا الخيط في التاريخ الحديث، فقد جاءت حرب العاشر من رمضان سنة 1393 هـ بقيادة الرئيس المصري محمد أنور السادات عسكرياً عبر قيادة الفريق سعد الدين الشاذلي والقيادات الميدانية، لتؤكد أن الصيام لا يعوق الفعل بل قد يضاعف القدرة عليه عندما تقترن الإرادة بالتخطيط والعلم. إن الجامع بين هذه الوقائع ليس الشهر ذاته بقدر ما هو الإنسان الذي يصنع فيه نفسه من جديد. فالصوم مدرسة ضبط، والقيام مدرسة صبر، والقرآن مدرسة وعي، وعندما تجتمع هذه العناصر تتولد طاقة حضارية قادرة على التغيير. لذلك ظل رمضان في الذاكرة الإسلامية شهراً للعبادة والعمل معاً، لا زمن انسحاب من الحياة، بل موسم إعادة شحن للقوة الكامنة في الإنسان، وتذكيراً بأن أعظم الانتصارات تبدأ من الداخل ثم تمتد لتصنع التاريخ.
2145
| 25 فبراير 2026
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2013
| 01 مارس 2026