رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ أسابيع، تتعرض مدينة غزة لحملة قصف هي الأعنف والأكثر دموية في تاريخها الحديث، هجوم جوي وبري متزامن تقوده آلة عسكرية صهيونية فاشية لا تعرف سوى الإبادة وسحق الإنسان والحجر. كثافة النيران التي تنهمر على المدينة لا تهدف إلا لاحتلالها وطرد أهلها، لتتضاعف معاناة الفلسطينيين فوق ما ورثوه جيلاً بعد جيل من قهر ونزوح ولجوء، وكأن قدر الفلسطيني أن يورّث أبناءه قبل رحيله لا بيتاً ولا مالاً، بل مأساة لا يفهمها إلا من ذاق مرارة الاقتلاع من أرضه، وحُمل قسراً على ترك وطن أجداده.
ورغم تقارب الكلمات وتشابهها في ظاهرها: تهجير، نزوح ولجوء؛ إلا أن كل واحدة منها مشحونة بألم يثقل الروح قبل الجسد، وجع ممتزج بالقهر، وجرح لا يندمل، تلك ليست مصطلحات لغوية لفرد عضلاتي في معرفتها، بل تجارب وجودية محفورة في الذاكرة الجمعية للفلسطيني، تجارب لا يفقه معناها العميق إلا من عاش لحظة الانكسار الأولى وهو يغادر بيته بلا عودة، أو من ودّع مسقط رأسه ليُلقى به خارج جغرافيا وطنه خدمة لوهم توراتي بلا أصل ولا جذور.
الجيش الأكثر فاشية في العالم أعاد إنتاج سياسة باتت قاعدة لا استثناء.. دقائق معدودة يمنحها لسكان المباني كي يفرّوا بأجسادهم قبل أن تتحول بيوتهم إلى ركام، يخرجون مجردين من كل ممتلكاتهم وحياتهم، لا يحملون سوى ذكريات قبل هذه الحرب غير المتكافئة، وأوراقهم الثبوتية والتي يعرفون أنها قد تكون آخر ما يشهد على هويتهم لحظة استشهادهم، بعدما صار الموت مصيراً لا مهرب منه، مشهد يتكرر بلا انقطاع، حتى بات جزءاً من ذاكرة الفلسطيني اليومية، ذاكرة مثقلة بصور الدمار، وصراخ الأطفال، وأشلاء الشهداء، ورائحة الموت التي تلف المكان.
الأرقام وحدها تكفي لتكشف حجم الجريمة، فبحسب إحصائيات، تم خلال الأسبوع الماضي تدمير 14 برجاً سكنياً و120 بناية بشكل كلي، إضافة إلى 500 بناية أخرى تضررت جزئياً، فضلاً عن تسوية 600 خيمة بالأرض، ما تسبب بفقدان أكثر من 53 ألف إنسان لمأواهم، ولم تسلم مراكز الإيواء التي احتمى بها النازحون، لتصبح هي الأخرى أهدافاً عسكرية، وكأن الاحتلال لا يريد أن يترك للفلسطيني مكاناً آمناً يلجأ إليه، ما يؤكد تكالب القوى العظمى على غزة بل على فلسطين كلها.
ولم يكتف الاحتلال بتهجير الناس وتدمير بيوتهم، بل عمد إلى إغلاق منفذ زيكيم –المنفذ الأخير- الذي خُصص في يونيو الماضي لإدخال المساعدات الإنسانية إلى شمال القطاع، في خطوة مكشوفة لتسريع وتيرة التجويع وتحويل الجوع إلى سلاح جماعي يوازي ذلك استهداف ممنهج للمستشفيات ومراكز العلاج، في مشهد لم يعد يعني شيئاً للمجتمع الدولي ولا للقوانين التي طالما تباهت بحماية الإنسان، فإذا بها تكشف عن زيفها وصِغَرها أمام قانون الغاب الذي بات النهج السائد، والممهور بتوقيع حكومة المعتل نفسياً بنيامين نتنياهو وحلفائه في اليمين المتطرف، الحاصلين على الضوء الأخضر من إدارة ترامب التي لا تجيد سوى الانصياع لمطالب المدللة إسرائيل.
المأساة لا تقف عند القصف والتهجير والتجويع، فخلال كتابتي هذه الأسطر أعلن الجيش الأكثر فاشية على مرِّ التاريخ أن العمليات الميدانية في مدينة غزة تشهد توسعاً عسكرياً ممنهجاً؛ إذ بدأت فرقتان عسكريتان إسرائيليتان بالفعل المرحلة الثانية من اجتياح مدينة غزة، فيما تستعد فرقة ثالثة للالتحاق بهما، في مشهد يعكس قراراً استراتيجياً بالتصعيد حتى أقصى درجاته، والهدف لم يعد سراً بل معلنا وواضحا غايته تهجير أهل غزة قسرا من مدينتهم، ليُمحى وجودهم وذكرياتهم تحت جنازير الدبابات وصواريخ الطائرات.
ولا ننسى ما جرى يوم الثلاثاء الماضي من استهداف جبان وغادر لدولة الوساطة قطر، فما حدث لم يكن خارج السياق، فاستهداف الوفد المفاوض لحركة المقاومة الإسلامية حماس على الأراضي القطرية جاء في إطار خطة إسرائيلية مدروسة لكسب مزيد من الوقت وتحقيق أهداف استراتيجية توسعية، سواء في الضفة الغربية أو في غزة، فالقصف الغادر لدولة التفاوض كان إشارة متعمدة إلى أن الاحتلال مستعد لنسف أي مسار تفاوضي إذا كان سيحد من شهيته الاستيطانية والحربية، هنا تتكشف حقيقة الموقف فالأسرى الإسرائيليون أنفسهم ليسوا أولوية بالنسبة لبنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة، بل ورقة يستخدمها لتسويق بقائه السياسي وإخماد نار أهالي الأسرى المستعرة واتهامهم إياه بالتخاذل وعدم الاكتراث لأسراهم الذين سيصفون واحداً تلو الآخر إما جوعاً أو قصفاً ولربما كمداً على أنَّ ما أوصل الأسير إلى هذه الحالة هو اعتقاده بأن حكومته ستقف خلفه لكن لا يعلم أن حكومته تستخدمه كورقة لتحقيق مصالحها ومصالح أمريكا.
بهذا المعنى، يصبح العدوان على غزة والضفة واستهداف الوسطاء جزءاً من نهج واحد.. نهج يقوم على الإبقاء على حالة الحرب مفتوحة، واستثمار الدم الفلسطيني وقضية الأسرى لخدمة مشروع توسعي لا صلة له بالأمن ولا بخديعة السلام، بل لإبقاء المنطقة رهينة لرغبات شخص معتَل نفسياً، محاطاً بحكومة متطرفة أعطاها ترامب ضوءاً أخضر للبطش بلا حدود.
ختاماً..
في مواجهة هذا الجنون الحربي، يبقى الفلسطيني مشدوداً إلى بيته وشارعه وأرضه، يرفض فكرة النزوح، متمسكاً بجذوره التي لم تنكسر رغم سبعة عقود من محاولات الاقتلاع، وبينما تحاول آلة الاحتلال أن تجعل من القهر قدراً أبدياً، يكتب الغزيون بدمائهم فصلاً جديداً من ملحمة البقاء، يثبتون فيه أن الهوية لا تُمحى وأن الأرض لا تُورّث لغير أهلها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
صحفية فلسطينية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين تُذكر قمم الكرة القطرية، يتقدّم اسم العربي والريان دون استئذان. هذا اللقاء يحمل في طيّاته أكثر من مجرد ثلاث نقاط؛ إنها مواجهة تاريخية، يرافقها جدل جماهيري ممتد لسنوات، وسؤال لم يُحسم حتى اليوم: من يملك القاعدة الجماهيرية الأكبر؟ في هذا المقال، سنبتعد عن التكتيك والخطط الفنية، لنركز على الحضور الجماهيري وتأثيره القوي على اللاعبين. هذا التأثير يتجسد في ردود الأفعال نفسها: حيث يشدد الرياني على أن "الرهيب" هو صاحب الحضور الأوسع، بينما يرد العرباوي بثقة: "جمهورنا الرقم الأصعب، وهو ما يصنع الفارق". مع كل موسم، يتجدد النقاش، ويشتعل أكثر مع كل مواجهة مباشرة، مؤكدًا أن المعركة في المدرجات لا تقل أهمية عن المعركة على أرضية الملعب. لكن هذه المرة، الحكم سيكون واضحًا: في مدرجات استاد الثمامة. هنا فقط سيظهر الوزن الحقيقي لكل قاعدة جماهيرية، من سيملأ المقاعد؟ من سيخلق الأجواء، ويحوّل الهتافات إلى دعم معنوي يحافظ على اندفاع الفريق ويزيده قوة؟ هل سيتمكن الريان من إثبات أن جماهيريته لا تُنافس؟ أم سيؤكد العربي مجددًا أن الحضور الكبير لا يُقاس بالكلام بل بالفعل؟ بين الهتافات والدعم المعنوي، يتجدد النقاش حول من يحضر أكثر في المباريات المهمة، الريان أم العربي؟ ومن يمتلك القدرة على تحويل المدرج إلى قوة إضافية تدفع فريقه للأمام؟ هذه المباراة تتجاوز التسعين دقيقة، وتتخطى حدود النتيجة. إنها مواجهة انتماء وحضور، واختبار حقيقي لقوة التأثير الجماهيري. كلمة أخيرة: يا جماهير العربي والريان، من المدرجات يبدأ النصر الحقيقي، أنتم الحكاية والصوت الذي يهز الملاعب، احضروا واملأوا المقاعد ودعوا هتافكم يصنع المستحيل، هذه المباراة تُخاض بالشغف وتُحسم بالعزيمة وتكتمل بكم.
1680
| 28 ديسمبر 2025
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1383
| 04 يناير 2026
أدت الثورات الصناعيَّة المُتلاحقة - بعد الحرب العالميَّة الثانية - إلى تطوُّر طبيٍّ هائل؛ مِمَّا أضحت معه العديد من الأعمال الطبيَّة غاية في البساطة، واكتُشِفتْ علاجاتٌ لأمراض كانت مُستعصية، وظهرت اللقاحات والمضادات الحيويَّة التي كان يُطلق عليها «المعجزة». ولمواكبة التطور الطبيِّ المُتسارع كان لزامًا على القانونيين مُسايرة هذا التطوُّر؛ إذ يُرافق التقدُّم الطبيُّ مخاطر عديدة، منها ما هو معروف ومنها المجهول الذي لا يُعرف مداه ولا خطره. ومن أهم القوانين المُقارنة التي يجدر بالمشرِّعين دراسة تبنِّيها؛ هي تجربة القضاء الفرنسي الذي تَوجَّه نحو تعزيز الحماية للمرضى، من خلال تبنِّيه لآليَّات تضمن حصولهم على تعويض جابر للضرر دون إرهاق كاهلهم بإثبات خطأ فني طبي يصعب فهمه، فكيف بإثباته؟! ففي بداية التسعينيات أقرَّ القضاء الفرنسي التزام المستشفى بضمان السلامة، وذلك بمناسبة عِدَّة قضايا؛ ففي إحدى هذه القضايا قام رجل باللجوء إلى مستشفى لإجراء عمليَّة جراحيَّة، وبعد الانتهاء منها تبيَّن إصابته بعدوى من غرفة العمليَّات، وعندما وصلت القضية إلى محكمة النقض أقرَّت بالتزام المستشفى بالسلامة الجسديَّة، وبموجب هذا الالتزام تَضمَنُ المستشفيات سلامة المريض من التعرُّض لضرر لا يتعلق بحالته المرضيَّة السابقة. فمن حق المريض الذي يلجأ إلى المستشفى لتلقِّي العلاج من عِلَّة مُعيَّنة عدم خروجه بِعِلَّةٍ أخرى غير التي كان يُعاني منها. غير أن السؤال المطروح هنا، من أين أتت المحكمة بالالتزام بالسلامة؟ تكمن الإجابة في أن المحكمة أخذت هذا الالتزام من التزام الناقل بالسلامة؛ إذ تلتزم شركة الطيران، على سبيل المثال، بنقل الركاب من نقطة إلى أخرى بسلامة دون تعرُّضهم لأذًى، كما تلتزم شركة نقل البضاعة بنقلها دون تعرُّضها لتلف أو ضرر، وهذا الالتزام يُعدُّ التزامًا بتحقيق نتيجة، قِوامها سلامة الراكب أو البضاعة المنقولة، وبمجرد تعرضها لأذى تلتزم حينها الشركة بالتعويض. وعلى نفس السياق؛ فإن التزام المستشفى بضمان السلامة الجسديَّة هو التزام بتحقيق نتيجة؛ إذ توسَّع القضاء الفرنسي في هذا الالتزام ليشمل المسؤوليَّة عن العمل الطبي؛ لتعزيز سلامة المرضى، وتسهيلًا لحصولهم على تعويض يجبر ضررهم. ولم يقتصر التطور القضائي على هذا النحو، بل أقرَّ مجلس الدولة الفرنس المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، وذلك في حكمها بمناسبة قضية (Bianchi) الشهيرة بتاريخ 09/04/1993؛ إذا دخل السيد (Bianchi) المستشفى لإجراء تصوير بالأشعة لشرايين العمود الفقري، وهو ما يُعتبر فحصًا عاديًّا، غير أنه قد نتج عنه شلل كامل، ولم يثبت من خلال الخبرة وجود خطأ طبي؛ مِمَّا أدَّى إلى رفض الدعوى من قِبل محكمة مرسيليا الإداريَّة، وعندما عُرض الأمر لأول مرة على مجلس الدولة عام 1988 رفضت منحه التعويض، وقد أُعيد عرض القضية وقضت في عام 1993 بإلزام المستشفى بالتعويض تأسيسًا على المسؤوليَّة غير القائمة على خطأ. ونتيجة لذلك تبنَّى المشرع الفرنسي نظامًا للتعويض غير قائم على الخطأ في عام 2002؛ فأنشأ صندوقًا للتعويض عن الحوادث الطبية التي تقع دون إمكانيَّة إثبات المريض لخطأ طبي؛ ليُعزِّز من سلامة المرضى ويوفِّر الحماية اللازمة في ضوء التطورات الطبيَّة المُتسارعة. وقد أقرَّت العديد من الدول المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، ومنها الولايات المتحدة الأمريكيَّة التي أقرَّت نظامًا للتعويض عن الأضرار الناجمة من لقاحات أطفال مُعيَّنة بموجب قانون صادر من قبل الكونغرس الأمريكي عام 1991، كما أقرَّت نيوزلندا نظامًا شاملا للمسؤوليَّة الطبيَّة دون الحاجة إلى إثبات خطأ طبي. ختامًا، يتعين على المشرع القطري دراسة السياسات التشريعيَّة الحديثة في المسؤوليَّة الطبيَّة، ويجب كذلك على القضاء دراسة التوجهات القضائيَّة المقارنة في المسؤوليَّة الطبيَّة وتبنِّي آليَّات تُوفِّر الحماية اللازمة للمرضى، وخاصة في ضوء الثورة الصناعيَّة الرابعة وما يُصاحبها من تطور تقني هائل، وما يُرافقها من مخاطر مجهولة لا يُعرف مداها ولا يُمكن تقدير جسامتها. والله من وراء القصد.
849
| 29 ديسمبر 2025