رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أكتب هذا المقال «من المسافة صفر»، بين القلم والورقة.
أكتبه عن الوساطة القطرية، التي يتم إنجازها على طاولة التفاوض، من المسافة صفر، بين طرفي أكثر الصراعـات ضراوة، وأشـــدها قساوة في منطقتنا العربية.
وأكثر الصدامات عنفاً، وأقواها بأساً في الأراضي المحتلة.
وأكثر النزالات مشاكسة، وأعلاها مشاحنة في الشرق الأوسط
وأكثر الحروب الإسرائيلية دموية، وأشدها وحشية، وأبشعها همجية، ضد الإنسان الفلسطيني، المستهدف في قطاع غزة، وسائر المخيمات الفلسطينية.
وفي خضم هذه الأوضاع المأساوية، وأتون هذه الظروف غير الإنسانية، تسعى قطر، بمشاركة بقية الوسطاء، لإنهاء الحرب البربرية الصهيونية، التي تستخدم فيها إسرائيل، سلاحاً فتاكاً، يتمثل في استغلال احتياجات المدنيين الضرورية، واستخدامها كورقة مساومة تفاوضية، لإجبار حماس على قبول شروطها، ومنها حاجة الفلسطينيين الأبرياء، إلى الماء والغذاء والكهرباء والدواء. ولمعالجة هذا الداء الإسرائيلي، تواصل الدبلوماسية القطرية وساطتها بكل إصرار، وتستأنف جهودها بكل اقتدار، من أجل التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، يسمح بإزالة آثار الدمار، والبدء في مشاريع الإعمار.
وفي سياق هذا المسار، لا يمكن لأحد إنكار الجهود القطرية، لتجاوز جميع الأضرار، التي أثقلت كاهل المواطن الفلسطيني، المستهدف في قطاع غزة.
وهذه حقيقة مؤكدة، أكتبها بكل إكبار، بعيداً عن التلوين فيها، أو التهوين في أهميتها، أو التهويل في تأثيرها، أو التضخيم في قيمتها، أو التفخيم في قيمها.
إنها الوساطة القطرية، من المسافة صفر، لتسوية أكثر الملفات تعقيداً بين حركة حماس، وحكومة الاحتلال الإسرائيلي، التي عقدت مفاوضاتها المعقدة، في عاصمة المساعي الحميدة والجهود الحثيثة.
هنا في الدوحة، عاصمة الوساطة النزيهة، تم تدشين المفاوضات أكثر من مرة، من المسافة صفر، لمعالجة الملف الشائك، وتسوية الملف المتشابك، المتعلق بإطلاق سراح الأسرى، والإفراج عن المحتجزين لدى الطرفين.
وآخرها المفاوضات، التي تمت بمشاركة «ستيفن ويتكوف»، المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط، الذي حمل خلال زيارته العديد من الأفكار، من أجل ديمومة وقف إطلاق النار.
وفي هذا الإطار، فإن ما يثير الإعجاب- ولا أقول التعجب- أن حماس، لم تتزحزح عن موقفها الوطني، قيد أنملة، ولم تفرط في حقوق الأسرى الفلسطينيين المعتقلين في سجون الاحتلال مليمتراً واحداً.
لكنها من أجل إنعاش «اتفاق غزة» المهمش من الجانب الإسرائيلي، وحرصاً على إعادة الاتفاق إلى مساره الصحيح، عبرت عن استعدادها لإطلاق سراح الجندي «عيدان الكسندر»، مزدوج الجنسية الإسرائيلية ـ الأمريكية، في إطار «صفقة استثنائية»، إذا التزمت إسرائيل بتنفيذ بنود الهدنة الهشة، في القطاع المهشم.
إضافة إلى تسليم رفات عدد من أصحاب الجنسية المزدوجة.
* وبعيداً عن المواقف المزدوجة، والسياسات اللزجة تحرص قطر، خلال مساعيها الحميدة، ووساطتها المحايدة، على الوقوف عند نقطة المنتصف، على طاولة الحوار التفاوضي، دون محاباة هذا الطرف، أو الانحياز لذلك الطرف، حرصاً على تجاوز مرحلة العقدة، ومعالجة التعقيد في القضية، وتخطي الموقف المعقد في ملف الوساطة.
إنها الوساطة القطرية، التي تمتاز بالوسطية، حيث يقف الوسيط القطري في منطقة الوسط، بين الطرفين المتنازعين، لفض النزاع، دون الانخراط في الصراع، بما يساهم في صناعة السلام.
وخلال مراحل هذه الوساطة، المتعددة في أشكالها، والمتنوعة في أساليبها، لعبت قطر ـ كعادتها ـ دور رجل الإطفاء، الذي يسعى بكل حرص على إطفاء نيران الحرب، التي أحرقت الكيان، وهدمت البنيان ونالت من الإنسان الفلسطيني، وضمان عدم اشتعالها مجدداً في أي زمان أو أي مكان آخر في قطاع غزة.
ونصل إلى العنوان البارز في المفاوضات، الذي يتمثل في محاولات الاحتلال، أن يحقق على طاولة التفاوض، ما عجز عن تحقيقه بالغارات، وما أطلقه من اعتداءات، ونفذه من هجمات!
ولهذا يلجأ إلى ممارسة الضغوط غير الإنسانية، لإجبار الفلسطيني على الاستسلام، دون الالتزام بمبادئ السلام العادل والدائم والشامل، وهذه خلاصة الكلام.
* ولعل من أبشع الضغوط الصهيونية، فرض التجويع على الجميع، وقطع الكهرباء عن الجموع، وقطع إمدادات الماء عن المجاميع.
ولن نستغرب أن تحاول حكومة التطرف الإسرائيلي، قطع الأوكسجين من الهواء، لحرمان الفلسطينيين من التنفس!
ورغم استهداف الأنفس، ومحاولات قطع الأنفاس، يبقى الإنسان الفلسطيني مقاوماً، لكل أشكال الإذلال، وكل أنواع الموت تحت براثن الاحتلال.
ومنها الموت جوعاً، أو الموت عطشاً، أو الموت برداً، أو الموت حرقاً، أو الموت قهراً، أو الموت فقراً.
وهكذا، هي الأحوال في غزة، التي تعاني من الأهوال، لكن إنسانها المقاوم لم ينكسر، أمام تسلط الاحتلال، الذي فشل في كسر المقاومة، وعجز عن تحقيق أهدافه، سواء بالخطط العسكرية، أو المؤامرات السياسية، أو المباحثات التفاوضية، أو التهديدات الأمريكية.
ووسط هذه الضغوط، وكل هذه الظروف، تتواصل الوساطة القطرية، بمشاركة الوسطاء الآخرين، دون إغفال الجهد الدبلوماسي الكبير، الذي تبذله الشقيقة الكبيرة مصر، في هذا السياق- ولا أقول السباق- للإفراج عن الأسرى والمحتجزين.
* وما من شك، في أنه مع الإفراج عن كل أسير فلسطيني، وإطلاق سراح كل محتجز إسرائيلي، خلال عمليات التبادل، يبرز دور قطر، التي تسعى لفتح أبواب الحرية، للسجناء والمعتقلين والمحتجزين، دون أن يكون لدولتنا أي أجندة سياسية خاصة، أو أطماع خصوصية خالصة.
ويكفي أن الأطراف المنخرطة في الحرب الإسرائيلية، على غزة، والدول الداعمة لها لوجستياً، لم تجد بداً من اللجوء إلى قطر، للقيام بدور الوساطة، باعتبارها تجسد دور الوسيط النزيه.
وهكذا بعد مرور أكثر من 15 شهراً على الطوفان الفلسطيني، الذي كشف عورات الطغيان الإسرائيلي، تظهر قطر في المشهد التفاوضي، كوسيط موثوق به، لا مثيل له، لا بديل عنه، لا تشكيك في نزاهته، لا طعن في حيادته.
ولعل ما يميز الوساطة القطرية، أن الدوحة، تمكنت من فهم فيزياء الطرف الفلسطيني، وتحليل كيمياء الطرف الإسرائيلي، وتفكيك طلاسم «لوغارتيمات» الإدارة الأمريكية، المنحازة إلى أبعد درجات الانحياز إلى إسرائيل.
وهذا ما نعيشه الآن واقعياً، ونتابعه عملياً، ونراقبه ميدانياً، ونشهده تفاوضياً، خلال الوساطة التي تقوم بها قطر، من المسافة صفر، لوقف الحرب على غزة نهائياً.
ومن أجل ذلك، تبذل الدوحة كل مساعيها، لتضييق الفجوات، وردم الثغرات، وإزالة العقبات، وتبريد الملفات، المطروحة على طاولة المفاوضات.
* ولا يخفى، على أي مراقب دبلوماسي، أو ناشط سياسي، أو متابع إعلامي، الدور الإيجابي الذي لعبته قطر، لوقف العدوان الصهيوني الوحشي، منذ إطلاق الصاروخ الإسرائيلي الأول على قطاع غزة، من خلال مساعيها الحثيثة، وجهودها الحميدة، ودبلوماسيتها النشيطة.
وهذا الموقف القطري، المستند إلى مواد القانون الدولي، تسبب في استهداف قطر، بالعديد من حملات التحريض الصهيوني المتواصل، التي حركتها حكومة العدوان الإسرائيلي، مما أوجد مناخاً عدائياً ضاغطاً على الوساطة القطرية، من خلال التشكيك في نزاهتها، والطعن في حيادتها حتى أن صحيفة «هآرتس» العبرية، اعترفت، بأن وزارة الخارجية الإسرائيلية أعدت خطة في بداية حرب الإبادة على غزة «لتشويه صورة قطر والتشهير بها».
وقالت الصحيفة إن الخطة حظيت بموافقة وزير الخارجية آنذاك.
وذكرت أنه «في بداية الحرب أعدت وزارة الخارجية الإسرائيلية خطة لتشويه اسم قطر وتقويض مكانتها».
ورغم الاتهامات الباطلة، والادعاءات الكاذبة، بأن الدوحة تدعم «الإرهاب الفلسطيني»، فقد عملت قطر بلا كلل، وباشرت بلا ملل، وبادرت بلا وجل، وركزت على العمل، وتعلقت بخيوط الأمل، من أجل التوصل إلى وقف دائم وشامل لإطلاق النار في غزة.
* وفي هذا السياق، أتوقف عند تصريحات معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني رئيس الوزراء وزير الخارجية في مقابلته مع الإعلامي الأمريكي «تاكر كارلسون»، التي أكد فيها، أن قطر، تعرضت لحملات تشويه كثيرة، وحملات تشكيك كثيرة، بسبب موقفها الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني، وموقفها الرافض للعدوان على الفلسطينيين.
ولا أكشف سراً، عندما أقول إن قطر، تعرضت إلى حملة كبرى، على نطاق عالمي، بمستوى عالٍ، ونسق عدواني، شاركت فيها مواقع إلكترونية مشبوهة، تم خلالها نشر مئات الإعلانات التحريضية، والمواد التشهيرية، عبر منصة فيسبوك، وغيرها من التطبيقات الإلكترونية، مثل يوتيوب، وتيلجرام، ومنصة إكس وغيرها.
* وكان الهدف الشيطاني، من هذه الحملات التي وصلت إلى أكثر من 40 مليون متابع حول العالم، جعل إدارة الوساطة القطرية، أكثر صعوبة من خلال الضغط الهائل، على الوسيط القطري، لإفشال جهود قطر في الوساطة!
وتم خلال تلك الحملات المضللة، استخدام آلاف الصفحات، لتمرير أكثر من (900) إعلان سياسي مناهض للدوحة، يدعو الكثير منها إلى عزل قطر سياسياً، ويتهمها بدعم «الإرهاب»!
والملاحظ، أن الحملات الأشد ضراوة ضد قطر، كان يقودها اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، وتحركها جماعات الضغط الأمريكية المتحالفة مع إسرائيل.
وكانت تستهدف الدوحة بانتظام، بأسلوب لا يخلو من الانتقام، بالتزامن مع جهود قطر الشاقة- ولا أقول الشيقة- في الوساطة المتشابكة، لوقف إطلاق النار في غزة، وإنهاء العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين.
وكان أصحاب الحملات المسعورة، يحاولون تعزيز الأجندات «الجيوسياسية» ضد قطر، وإثارة الشكوك حولها، وتحريك المخاوف ضدها، وتوجيه المزاعم حول سجلها القومي، وموقفها الأخوي، وخطها القانوني، ودورها الإنساني المدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني، ودعمها الثابت للقضية الفلسطينية.
* لكن قطر، حرصت على رصد الحملة الأكبر من نوعها، والأخطر ضدها، من خلال الاستشعار الدقيق لها، وفهم أسبابها، وكشف أهدافها، وتحديد الأطراف المسؤولة عن تحريكها، وتقييم نتائجها، التي تمثلت في استهداف الدور المتنامي للدبلوماسية القطرية إقليمياً، والتأثير المتصاعد لها دولياً.
ولأن الدبلوماسية القطرية، ترتبط بمجموعة من الثوابت الرافضة للتشكيك، وغير القابلة للانتقاد أو المستعدة للانقياد، فقد نجحت قطر في تجاوز حملات التشكيك.
ولأن الوساطة القطرية، تتضمن مجموعة من القيم والمبادئ القانونية، غير القابلة للتخوين أو التخويف، أو التخفيف من قيمتها، فقد تمكنت الدوحة، من التعامل الفوري، مع الظروف المتغيرة، والأمور المستجدة، والمواقف المتقلبة، على طاولة التفاوض.
وما من شك، في أن الاستقرار السياسي، الذي تنعم به قطر، بالإضافة إلى الازدهار الاقتصادي الذي تتمتع به، إلى جانب التلاحم الشعبي، الذي تمتاز به، كل هذا ساهم في تعزيز مكانة الدوحة، كوسيط دولي موثوق، وطرف حيادي مرموق.
*وبفضل هذه الامتيازات الفريدة من نوعها أصبحت دبلوماسية الوساطة متجذرة في النسيج السياسي القطري.
ونظراً لأهمية هذا المبدأ، فقد تم تثبيته في التعديلات الدستورية، التي تم إقرارها، خلال الاستفتاء الشعبي، الذي نظم في السادس من نوفمبر الماضي.
وبهذا أصبحت الوساطة، من صميم المادة السابعة من الدستور، بما يتفق مع دور قطر، في حل النزاعات، بالطرق السلمية، السليمة، وما يستلزمه ذلك من الحفاظ على علاقات قطرية متوازنة، مع جميع الأطراف، بعيداً عن التطرف مع أو ضد أي طرف.
ولأن الوساطة- ولا أقول الواسطة ـ أصبحت من ركائز العقيدة السياسية، للدبلوماسية القطرية، فإنني أدعو الجيل الجديد، من شباب وشابات قطر إلى حفظ المادة السابعة من الدستور الدائم، لأنها تشكل رافعة النجاحات التي تحققها البلاد، في مجال الوساطة النزيهة، الموثقة دستورياً، المؤكدة سياسياً، المؤيدة شعبياً، المميزة وطنياً.
وخصوصاً بعدما أصبحت ترتكز على أسس دستورية غير قابلة للتأويل، أو التحويل، أو التعديل، أو التبديل، والتضليل.
وهذا كله يمنح كل قطري الشعور بالفخر، بسبب توجه قطر لصناعة السلام في المنطقة، بما يدعم استقرارها، من خلال حرصها على فض النزاعات، بدلاً من الانخراط في الصراعات.
* ولكل هذا، ليس من قبيل المبالغة، ولا من متطلبات البلاغة، الإشادة بالوساطة القطرية، لكن من خلال هذا البلاغ الصحفي، أود التأكيد مجدداً أن قطر، من خلال مساعيها الحميدة ووساطتها المحايدة، نجحت في توفير منصة تفاوضية مباشرة، بين حركة حماس والإدارة الأمريكية.
وهذا الحدث السياسي غير المسبوق، يستوجب الحديث الإعلامي عنه، كما له من دلالات لا يمكن تجاهلها، بعد اقتناع الولايات المتحدة، بالتفاوض المباشر، مع حركة المقاومة الإسلامية، التي تصنفها واشنطن منذ عام (1997) بأنها جماعة «إرهابية».
ومن الواضح، أن الرئيس ترامب، صاحب المواقف المتقلبة، أظهر استعداده للخروج من القواعد السابقة، المعمول بها في بلاده، ضد حركة حماس، لسبب وحيد، يتمثل في رغبة سيد البيت الأبيض، إنهاء أزمة المحتجزين، بشكل يمنحه مكاسب سياسية، يظل طوال حياته يتفاخر بها، ويتباهى بإنجازها وهو يلعب الجولف، بحكم شخصيته التي تتورم فيها عقدة «الأنا»، وتتضخم داخله، حول تمجيد الذات وفي إطار هذا «الانتفاخ» يريد ترامب أن يرجع له الفضل وحده فقط، في الإفراج عن بقية المحتجزين، خصوصاً بعدما سئم من ألاعيب نتنياهو، الذي يعتمد على المماطلة، في تنفيذ استحقاقات اتفاق الهدنة، وتخريب المرحلة الثانية من الاتفاق.
وهذا الأمر، تسبب في إحراج صاحب «النتانة» أمام الرأي العام الإسرائيلي، وأجبر حكومته على المشاركة، في المفاوضات الأخيرة، التي عقدت في الدوحة.
والمفارقة الفارقة، أن المفاوضات المباشرة التي أجرتها حماس مع الإدارة الأمريكية، من المسافة صفر، أثارت حفيظة السلطة الفلسطينية بدلاً من الترحيب بها!
تماماً مثلما أثارت استياء الحكومة الإسرائيلية، التي تريد السيطرة، على المشهد التفاوضي، وتحديد مساراته، وتوجيهه وفقاً لشروطها وبناء على مصالحها، دون أدنى اعتبار، لحقوق الشعب الفلسطيني.
ولهذا لم تحظ المفاوضات «الأمريكية ـ الحماسية»، بقبول إسرائيل، التي اعتبرتها طعنة في ظهرها.
لكن ما يثير الغرابة، في هذه اللحظة المصيرية، وهذه الظروف المفصلية، هو غضب السلطة الفلسطينية ـ غير المبرر ـ من التفاوض «الحماسي» المباشر، مع الإدارة الأمريكية!
علماً بأن «منظمة التحرير»، هي التي ابتكرت التفاوض السري مع «الأعداء»، عندما قررت التواصل التفاوضي، بشكل سري مع إسرائيل، تمهيداً لتوقيع «اتفاقية أوسلو» في الثالث من سبتمبر عام 1993.
ولإنجاز هذه الاتفاقية الناقصة، لم تتشاور «المنظمة» مع أي طرف فلسطيني، ولم تنسق مع أي طرف عربي حول ترتيبات الحكم الذاتي، المحكوم بتوجهات وتوجيهات وقيود إسرائيل.
لكنها فعلت كل ذلك، بعد سلسلة من المحادثات السرية، التي انطلقت في العاصمة النرويجية أوسلو عام 1991، والتي تؤكد في مضمونها، وتشكل في تفاصيلها، نوعاً من «التخابر» مع جهات أجنبية.
*صحيح أن «المنظمة»، ـ ذات الأوضاع غير المنظمة ـ هي «الممثل الشرعي»، لكن ينبغي تحديد أي نوع من «التمثيل» تجيد القيام به، هل هو «التراجيدي»، أم «الميلودرامي»، أم البوليسي، أم الكوميدي؟
ولا أريد القول، إن «السلطة»، أصبحت متسلطة، لكن تثبت الأحداث المتلاحقة، منذ السابع من أكتوبر، أن السلطة تحولت إلى «سلاطة»، ولا ينقصها سوى «الفتوش»، ولا أقصد «الفنكوش» الذي ربما تجده تحت أنقاض غزة.
وربما ما زالت تبحث عنه، لإلقاء القبض عليه، وتسليمه إلى حكومة التطرف الصهيوني، في إطار «التنسيق الأمني» مع إسرائيل، خفضا للتوتر، ومنعا للمواجهة الشاملة، (على حد قولها) وليس - لا سمح الله- لحلها، وتفكيكها، وإسقاط حكمها، الذي تثبت الأحداث أنه يخلو من الحكمة!
حروب ما بعد الحرب!
الحرب هي القتال والصراع ومحاولة إلحاق الأذى بالعدو أو الطرف المقابل بكافة الوسائل المتاحة: الميدانية العسكرية والسياسية والاقتصادية... اقرأ المزيد
39
| 13 فبراير 2026
لعل وساطة الخير القطرية تطفئ فتيل المخاطر
جاء في تحليل نشرته (نيويورك تايمز) سؤال مهم وهو: هل تميل واشنطن تدريجيا نحو حل دبلوماسي تجاه إيران... اقرأ المزيد
33
| 13 فبراير 2026
ما أصعب الفراق
إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإن على فراقك يا عبدالعزيز لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا... اقرأ المزيد
27
| 13 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
15120
| 08 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1482
| 10 فبراير 2026
لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع مرور الوقت، ولا مجرد فصل جديد في صراع اعتدنا على تكراره. ما جرى كان لحظة فاصلة، كشفت الكثير مما كنا نفضّل تجاهله، ووضعت الجميع أمام واقع لم يعد من السهل الهروب منه. بعد الطوفان، لم تعد اللغة القديمة صالحة للاستخدام. لم يعد من الممكن ترديد العبارات نفسها، أو التظاهر بأن الصورة غير مكتملة. الصورة كانت واضحة، وربما كانت هذه أوضح لحظة شهدها هذا الجيل. أول ما سقط بعد الطوفان هو وهم الجهل. لم يعد أحد يستطيع الادعاء بأنه لا يعرف، أو أن الأمور بها لبس. كما سقطت فكرة النظام الدولي العادل. القانون الذي يعمل بانتقائية، وحقوق الإنسان التي تُفعّل حين تخدم المصالح وتُعطَّل حين تكون ضدها. والأهم انتهت اخطر كذبة كنا نكررها "ما باليد حيلة". وسقط أيضًا خطاب العجز الذي اعتدنا ترديده. ذلك الخطاب الذي يبرّر الصمت بحجة غياب القدرة، ويتعامل مع المأساة وكأنها قدر لا يمكن الاقتراب منه. ان تكون عاجزاً بعد الطوفان فهذا ليس بسبب الاوضاع بل بسبب اختيارك ان تكون عاجزاً. الطوفان لم يخلق قسوة العالم، لكنه كشفها بوضوح. كشف ازدواجية المعايير، وصمت المؤسسات، وبرود الخطاب السياسي أمام مشاهد لا تحتمل البرود. لكنه في الوقت نفسه كشفنا نحن، بطريقة ربما كانت مؤلمة أكثر. كشف سرعة انفعالنا، وسرعة تراجعنا. كشف كيف نغضب، ثم نتعب ثم نعتاد. كيف تتحول المأساة إلى صور، ثم إلى مقاطع، ثم إلى ذكرى بعيدة. كشف عدم قدرتنا على تحمل المناظر المؤلمة التي نراها في غزة عبر الفيديوات.. بينما اهل غزة يعيشون هذه المناظر فعلياً كل يوم ترك الطوفان أثرًا نفسيًا ثقيلًا. تعب عام، شعور بالعجز، وتقلّب مستمر بين الأمل واليأس. هذا التعب لا يُقاس بالأرقام، لكنه ينعكس في طريقة التفكير، وفي قبول الظلم باعتباره جزءًا من المشهد المعتاد. الخطر هنا ليس في الغضب، بل في الاعتياد. أن نصبح أقل دهشة، أقل صدمة. وضوح العدو لا يُعفي من مراجعة الذات. فالطوفان كشف ضعفنا في البناء الطويل، واعتمادنا المفرط على ردود الفعل. الغضب حاضر، لكن تحويله إلى مشروع مستمر، ما زال محدودًا. كما كشف تردّد النخب في تحمّل كلفة المواقف، وارتباك الجمهور بين الرغبة في الحقيقة والخوف من تبعاتها. النخب التي قال عنهم ابوعبيدة رحمه الله: انتم خصومنا امام الله. ما بعد الطوفان ليس مرحلة شعارات ولا خطابات حماسية. هو مرحلة أسئلة ثقيلة: كيف نفهم القوة؟ كيف نبني وعيًا ينهض بنا؟ إما أن يكون الطوفان نقطة تحوّل حقيقية، أو مجرد محطة أخرى في سلسلة صدمات اعتدنا أن نمرّ بها دون أن نتعلّم منها ما يكفي. ما بعد الطوفان يفرض مسؤولية أبعد من الغضب وأثقل من التعاطف. يفرض انتقالًا من حالة المشاهدة إلى موقع الفاعلية، ومن رد الفعل إلى الفعل الواعي طويل النفس. لم يعد السؤال: ماذا نشعر؟ بل ماذا سنفعل بهذا الشعور؟ لأن المشاعر التي لا تتحول إلى وعي، والوعي الذي لا يتحول إلى سلوك، ينتهي بهما الأمر وقودًا لجولة إحباط جديدة. أخطر ما قد يحدث بعد الطوفان ليس أن نُقهر، بل أن نقتنع أن أقصى دورنا هو أن نتألم ثم نعود إلى حياتنا كما كانت، وكأن الدم الذي رأيناه لم يكن اختبارًا أخلاقيًا مباشرًا لنا نحن، قبل أن يكون إدانة للعالم. بعد أن وقف اطلاق النار "الوهمي" حيث ان القصف لازال موجودا والقتل لازال موجودا ولكن الفرق هو ابتعاد الكاميرات عن غزة، بقيت الأسئلة بلا إجابات سهلة، يظل السؤال الأهم قائمًا: هل تغيّر العالم فعلًا، أم أنه كشف فقط حدود قدرتنا على التغيير؟ والأهم من ذلك.. هل تغيّرنا نحن بما يكفي؟ أم أننا ننتظر طوفانًا ودماء اكثر كي نتحرك فعلياً؟
816
| 10 فبراير 2026