رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

0

موزا محمد الكواري

هل نعيش نسخة جديدة من قوم عاد وثمود؟

30 أغسطس 2026 , 11:04م

ليست كل القصص التي وردت في القرآن حكايات عن أناس مضوا وانتهوا، فبعض القصص تحمل في داخلها أسئلة لا تنتهي بانتهاء أصحابها، بل تظل تعود إلينا كلما تكررت الأسباب التي صنعت نهاياتهم.

وقصتا عاد وثمود ليستا مجرد حديث عن قوتين قديمتين، بل تذكير دائم بأن الإنسان قد يمتلك القوة، والمال، والعمران، والقدرة على البناء، ثم ينسى أن كل ذلك لا يمنحه حصانة من السقوط.

قال تعالى عن قوم عاد:

﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾.

تأملوا السؤال: من أشد منا قوة؟

ربما تغيرت الكلمات، لكن الفكرة ما زالت حاضرة.

اليوم لا يقيس الإنسان قوته بالعضلات كما كان يفعل الأقوياء قديمًا، بل قد يقيسها بحجم حسابه البنكي، وعدد متابعيه، ومنصبه، ونفوذه، وعلاقاته، وقدرته على التأثير، أو حتى بما يمتلكه من معرفة وتقنية.

أصبح لدينا عالم قادر على بناء مدن مذهلة، واختصار المسافات، وصناعة تقنيات تتجاوز الخيال، والذكاء الاصطناعي الذي يستطيع خلال لحظات أن ينتج ما كان يحتاج إلى ساعات أو أيام.

لكن السؤال الأهم ليس: إلى أين وصلنا؟

بل: ماذا فعل بنا كل هذا الوصول؟

فالمشكلة لم تكن يومًا في القوة ذاتها، وإنما في الطريقة التي يتعامل بها الإنسان معها.

عاد كانوا أصحاب قوة، وثمود كانوا أصحاب حضارة وعمران؛ نحتوا من الجبال بيوتًا، وعاشوا في أرضٍ مكنتهم من أسباب الحياة. لكن النعمة حين تنفصل عن الشكر، والقوة حين تنفصل عن المسؤولية، والعلم حين ينفصل عن الأخلاق، قد تتحول من وسيلة للبناء إلى سبب للهدم.

وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجًا:

هل يمكن أن نكون نحن أيضًا أسرى لنسخة حديثة من الغرور؟

نحن لا ننحت الجبال كما فعل ثمود، لكننا ننحت أبراجًا تناطح السماء.

ولا نقول بالضرورة: من أشد منا قوة؟، لكن قد تقول بعض المجتمعات والمؤسسات والأفراد، بطريقة أو بأخرى: من يستطيع أن ينافسنا؟

نمتلك وسائل اتصال تستطيع أن تصل إلى ملايين البشر في لحظات، لكننا أحيانًا نعجز عن الوصول إلى أقرب الناس إلينا.

نملك آلاف المعلومات، لكننا نفتقر إلى الحكمة.

نستطيع أن نصنع صورة مثالية لأنفسنا أمام الآخرين، بينما نعجز عن مواجهة حقيقتنا أمام المرآة.

وقد أصبح الإنسان في عصر الصورة شديد الانشغال بأن يبدو ناجحًا، قويًا، سعيدًا ومتفوقًا، حتى أصبح أحيانًا يستهلك طاقته في صناعة الصورة أكثر من صناعة الإنسان نفسه.

وهنا تكمن واحدة من أخطر صور الغرور المعاصر.

أن ننجح في إقناع الآخرين بأننا بخير، ونفشل في سؤال أنفسنا: هل نحن بخير فعلًا؟

إن قصة عاد وثمود لا تدعونا إلى الخوف من التطور، ولا إلى رفض العمران أو القوة أو الرفاهية.

على العكس، القوة نعمة، والعلم نعمة، والمال نعمة، والقدرة على البناء نعمة.

لكن كل نعمة تحمل معها مسؤولية.

فالسؤال ليس كم نملك، وإنما كيف نستخدم ما نملك؟

وليس كم بنينا، وإنما ماذا بنينا داخل الإنسان؟

وليس كم ارتفعت أبراجنا، وإنما هل ارتفعت معها قيمنا؟

ربما أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يضعف اقتصاديًا أو يتراجع تقنيًا، وإنما أن يفقد قدرته على مراجعة نفسه.

أن يصبح النجاح دليلًا على صواب كل شيء.

وأن يتحول النفوذ إلى شعور بالحصانة.

وأن تصبح النصيحة تهديدًا.

وأن يتحول الاعتذار إلى ضعف.

وأن يصبح الاعتراف بالخطأ أمرًا لا يليق بمن يعتقد أنه دائمًا على حق.

وهذه النقطة تحديدًا تجعل قصص القرآن حاضرة في كل زمن؛ لأنها لا تتحدث فقط عن أشخاص بأسمائهم، بل عن سنن بشرية تتكرر.

فالإنسان قد يتغير شكله، وتتغير أدواته، وتتغير مدنه، وتتغير التكنولوجيا من حوله، لكن غروره يظل قادرًا على ارتداء الملابس نفسها بأشكال جديدة.

كان هناك من يغتر بالقوة، واليوم قد يغتر بالثروة.

وكان هناك من يغتر بما بناه، واليوم قد يغتر بما يملك من نفوذ.

وكان هناك من يرفض الحق لأنه لا يريد أن يتراجع، واليوم قد يرفض الإنسان الحقيقة فقط لأنها لا تتوافق مع صورته عن نفسه.

لهذا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي:

هل نعيش نسخة جديدة من عاد وثمود؟

بل:

هل نكرر الأخطاء الإنسانية نفسها التي حذرتنا منها قصصهم؟

الفرق كبير.

فنحن لا نحكم على أحد بأنه عاد أو ثمود، ولا يجوز تحويل القصص القرآنية إلى أحكام جاهزة على أشخاص أو مجتمعات معاصرة.

لكن يمكننا أن نضع أنفسنا أمام مرآتها.

مرآة تسألنا:

ماذا تفعل بنا القوة؟

ماذا فعلت بنا النعمة؟

هل جعلنا النجاح أكثر تواضعًا أم أكثر استعلاءً؟

هل جعلنا العلم أكثر حكمة أم أكثر ثقة بأنفسنا؟

هل جعلتنا التكنولوجيا أكثر إنسانية أم أكثر عزلة؟

وهل ما نبنيه خارجنا يوازي ما نبنيه داخلنا؟

ربما تكون أعظم العبر من عاد وثمود أن السقوط لا يبدأ لحظة السقوط.

بل يبدأ قبل ذلك بكثير؛ يبدأ حين يظن الإنسان أنه لا يسقط.

يبدأ حين يتوقف عن الاستماع.

حين تصبح القوة غرورًا، والنعمة استحقاقًا، والنصيحة إهانة، والخطأ مستحيلًا.

ومن هنا، فإن أعظم ما نحتاج إليه في زمن القوة ليس المزيد من القوة فقط، وإنما المزيد من الوعي.

وعي يجعل الإنسان يعرف أن امتلاك القدرة لا يعني امتلاك الحق، وأن ارتفاع المكانة لا يعني ارتفاع القيمة، وأن كثرة ما نملك لا تعني أننا أكثر استحقاقًا.

فالأمم لا تُقاس فقط بما تبنيه من إسمنت وحديد، وإنما بما تبنيه من عدل ورحمة وأمانة ومسؤولية.

والإنسان لا يُقاس فقط بما يصل إليه، وإنما بما يفعله بعد أن يصل.

ربما لم تتغير القصة كثيرًا.

نحن فقط غيّرنا الأدوات.

والسؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه طويلًا:

إذا كانت عاد قد سألت: «من أشد منا قوة؟» فما السؤال الذي نطرحه نحن اليوم، ونحن نمتلك كل هذه القوة؟

وهل ستكون إجابتنا دليل تواضع وشكر ومسؤولية. أم بداية غرور جديد؟

فالعبرة ليست أن نبحث عن عاد وثمود في الآخرين.

العبرة أن نتأكد ألا تسكن بعض صفاتهم فينا.

اقرأ المزيد

حين تصنع المنصات صورة الدول.. من يملك تشكيل الانطباع؟ حين تصنع المنصات صورة الدول.. من يملك تشكيل الانطباع؟

لم تعد صورة الدولة تُبنى فقط من خلال ما تقوله في بياناتها الرسمية، أو ما تنقله عنها وسائل... اقرأ المزيد

213

| 16 أغسطس 2026

الحياة التي نؤجلها ونحن ننتظر الوقت المناسب الحياة التي نؤجلها ونحن ننتظر الوقت المناسب

كم مرة قلنا لأنفسنا: «مو الحين… بعدين.» بعد ما أرتاح. بعد ما تتحسن ظروفي. بعد ما أنتهي من... اقرأ المزيد

285

| 11 أغسطس 2026

لا تحاول إثبات أنك تستحق الحب؟ لا تحاول إثبات أنك تستحق الحب؟

منذ طفولتنا، نتعلم بطريقة أو بأخرى أن الحب يأتي مصحوبًا بشيءٍ ما؛ أن نكون لطفاء كي نُحب، متفوقين... اقرأ المزيد

720

| 09 أغسطس 2026

مساحة إعلانية