رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تخرج الكلمات من القلب فهى تدرك ودون شك بأنها ستدخل ضيفة غالية على قلب آخر؛ لأنها صادقة ولا شيء يميز جلسة تجمع بين القلوب سواه الصدق، الذى يُرحَب به دوماً؛ ليدخل دون أن يستوقفه أحد، وهو ما يعنى أن الحديث الذى سيدور بيننا ويبدأ بالصدق؛ لينتهى به هو أقرب للفضفضة التى سينفض من حولها كل شيء سواه الهدف الأساسى من الحديث كله، الذى يختلف باختلاف المتحدث ومن يتوجه بالحديث اليه.
لا يغيب عن الجميع الوضع الحرج الذى نعيشه هذه الأيام (هذه الأيام) والذى جعل الدنيا تتقلب؛ لتظهر وكأنها على قلب واحد، لا يعجبه ما يحدث، ولا يسره بأن يكون أصلاً، والحق أن ما يستدعى منا التوقف ولبعض من الوقت؛ لنتحدث عنه ونُبحر فيه، هو كل ما تبع ذاك (الفيلم السييء) الذى ارتكب جريمة بشعة اقتحمت منطقة محرمة، تخص كل مسلم لا ولن يقبل بما يمس الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، وأقحمته من بعد فعلها ذاك بوضعٍ وضعه بمكانة تجبره على اختبار صبره، أما البقية فلقد جاءت بحسب (كم) الحب الذى يكنه للحبيب المصطفى، وبحسب العلم الذى يملكه دون أن يتملكه ذاك الأخير؛ ليصبح رهن اشارته فيفعل ما لا يدركه هو، بل ما يدفعه اليه علمه، وبحسب وعيه الذى سيتميز به عن غيره، حتى كانت النهاية مسرحية برختية قدمت مجموعة من اللوحات المختلفة التى لم تُختم بعد، بل ظلت مخلصة لأصولها وحرصت على أن تعرض لنا مجموعة مختلفة من الأحداث بدأت بردود أفعال متباينة، تباينت والأصل فى ذلك يعتمد على ما نحن عليه، وهو ما جعلنا أمة ترفض ما قد حدث كبداية مستفزة، وما عقبها كنتيجة لم يفكر بها البعض، بل سمح لنفسه بأن يندفع؛ ليدفع وغيره ثمن ما لم يفكر فيه وبجد، ولكنه كل ما قد جاء به سريعاً وبشكل غير مدروس.
الحب نعمة لا يحظى بها الا من أحبه الله، ومن عساه ينال هذا الشرف العظيم سواه رسول الله، الذى سخر حياته من أجل تبليغ الرسالة؛ وكى يضمن امتدادها حتى تصل الينا، وتقدم لنا حياة لن يفوز بها سوى من يدرك معنى أن يكون مسلماً ينتمى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الحبيب الذى يتفق كل من يعرفه على حبه، ولكن سيختلف بطريقة التعبير عن هذا الحب، وهو تماماً ما جعل العالم يتابع تلك المسرحية التى تقسم أبطالها الى مُحب يدرك بأنه يحب، ولكنه لا يدرك كيفية التعبير عن حبه، وآخر يدرك بأنه يحب ويدرك كيفية التعبير عن حبه، وكيفية ابتكار كل الطرق التى تساهم بالكشف عن حقيقة هذا الحب، الذى طرح العديد من علامات الاستفهام، وجعل من لا يدرك من هو هذا الحبيب؟ الذى تنافس الجميع للدفاع عنه وان اختلفت الأساليب والطرق، يرغب بمعرفته وبشكل مُلِح وذلك؛ للتعرف على الأسباب الحقيقية التى أدت الى كل ذلك منذ البداية، وجعلنا نفكر بالأسباب التى وصلت بنا الى هنا، وجعلتنا ننصرف بعيداً عن ترجمة سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام بشكل مشرف يستحقه منا. لاشك بأن الأسباب كثيرة ومختلفة تدور حول حقيقة واحدة وهى حبنا لرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذى قدم لنا دروسا فى الأخلاق الحميدة التى لا يمكن بأن تجتمع كلها فى قلب واحد، ولكنها فعلت معه؛ لأنه خير البشر، الذى يستحق منا بأن نُبين للآخرين ما يكون عليه، فان كان هناك فيلم بذيء وسييء ومسيء اتفق من اتفق على تقديمه؛ لأسباب واهية جمعتهم ببعضهم البعض، وساهمت باثارة أمته واستفزازها، وفسحت المجال أمام بعض ردود الأفعال المتهورة والطائشة، فليكن منا وفى المقابل ما يخالف ذلك بشكل يُجسد الرقى الذى يتمتع به المسلم الحقيقى الذى يتحلى بالأخلاق التى كان يتمتع بها حبيبنا وحرص على أن تمتد الينا من بعده. ان الاصل فى كل هذه الضجة هو أننا ندرك من نحبه، دون أن ندرك الأساليب الصحيحة؛ للتعبير عن هذا الحب الذى بدأ من رسولنا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، الذى جمعنا رغم كل الاختلافات التى تفرقنا؛ لنصبح على قلب واحد يُفترض بأن لا تُقلبه الظروف مهما كانت، كما يجدر بأن يكون عليه الوضع الآن؛ ليستمر كذلك. لقد بكينا على الحبيب واغتالنا الحزن، ولكننا ورغم ذلك شعرنا بالحاجة الى الرد، ولا عيب فى ذلك؛ لأنه الحق الذى تفرضه الطبيعة، بحكم أن الفعل هو مفتاح ردة الفعل، الذى تُفتح به أبواب النتائج اللاحقة، التى قد يكون منها ما يسر، ومنها ما لن يكون كذلك، وهو العيب بحد ذاته؛ لأن رسولنا الحبيب ما كان ليقبل بحب يجور على البعض، ويجر البعض الآخر بجريرة من سبقه، وهو ما يأخذنا لضرورة التفكر بتطوير الآليات التى نتبعها؛ كى نُعرف من لا يعرف بحقيقة محمد صلى الله عليه وسلم، وعليه فلنفكر ملياً، ولنصرف الجهود نحو تقديم صورة تليق بصورة الحبيب، ولنتفق وان اختلفنا على فعل ذلك فعلاً، فنتحد؛ لنصبح جسداً لا تمزقه الظروف مهما كانت قوتها؛ لترقص عليه الكلاب.
كلمة أخيرة
المشاركة بالتعبير عن حبنا لرسول الله من خلال التفكير بعمل يحقق لنا كل ما جاء فى هذا العمود هذا اليوم، واجب سيدركه من يدرك معنى الواجب ويبحث عن حقه من التواجد على رأس هذه الحياة يكلله الشرف من كل جانب، ويكفينى بأن أقولها: العفو منك يا حبيبي، ان لم يُحسن بعضنا التعبير عن حبه لك، والعذر منك ان قصرنا بواجب ترجمتك يا خير البشر.
سيظل صوتي وإن غابت صورتي
حين تفر مني الكلمات، وتغيب عني المعاني، التي أحتاجها؛ كي يُمارس قلمي أبسط حقوقه بين هذه السطور؛ لتبدو... اقرأ المزيد
498
| 21 أكتوبر 2025
«الاحترام سلوك وأثر»
هناك الكثير من الجهود التي تُبذل في سبيل تطوير الفرد والمجتمع، وهي تلك التي تُبنى على أرضية صلبة... اقرأ المزيد
468
| 14 أكتوبر 2025
لا يستحق منك دقيقة واحدة
المحاولات التي تتكرر؛ بحثا عن نتيجة مُرضية تُسعد القائم بها، هي التي تحركه نحو المسارات المُخصصة له حتى... اقرأ المزيد
1026
| 07 أكتوبر 2025
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4236
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3144
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1095
| 28 سبتمبر 2026