رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هنالك تواريخ مهمة غيرت وجه العالم وتؤثر بقوة على ما يجري اليوم. في 9\11\1989 سقط حائط برلين وبدأت وحدة ألمانيا كما انتهت عمليا الحرب الباردة. في 8\12\1991 انتهى الاتحاد السوفيتي وتحول إلى مجموعة من الدول المستقلة تتناحر وتتنازع فيما بينها. مات الاتحاد السوفيتي وعاشت روسيا. في 12\6\1991 انتخب "بوريس يلتسين" رئيسا لروسيا ويمكن اعتبار هذا التاريخ ولادة روسيا الحديثة التي نعرفها. تعتبر سنة 1992 تاريخ الطلاق الروسي الحقيقي والنهائي مع الشيوعية. في الواقع هنالك قائدان لروسيا الحديثة، أي ما بعد الشيوعية وما بعد الاتحاد السوفيتي وهما "بوريس يلتسين" و"فلاديمير بوتين". الأول ثبت انتهاء الشيوعية وفتح الاقتصاد على الحرية والمنافسة، والثاني حاول ويحاول إعادة روسيا إلى لعب الدور السياسي الاقتصادي الرئيسي العالمي. أتت مشكلة أوكرانيا لتعطيه الفرصة التي ينتظرها. المعلوم أن جمهورية القرم قدمت في سنة 1954 كهدية من روسيا إلى أوكرانيا في عهد "نيكيتا خروتشيف" ذي الأصول الأوكرانية. كانت هدية من منطقة إلى أخرى ضمن الدولة السوفيتية الواحدة. ما تحقق خلال الفترة السوفيتية يمكن أن يستعاد أو يتغير في الفترة اللاحقة المختلفة بل المعاكسة.
هنالك فكرتان كبيرتان حيرتا يلتسين وهما هل تعتبر روسيا دولة أوروبية؟ هل من مصلحة روسيا التحالف مع أوروبا أو مع الاتحاد السوفيتي أو مع الصين؟ أوروبا ليست جاهزة لاستيعاب روسيا لأسباب جغرافية وسياسية ومؤسساتية وتاريخية، وبالتالي احتار يلتسين بشأن توجهاته التحالفية. انتظر يلتسين الكثير من العالم الغربي الذي لم يعطه إلا القليل، ربما لإبقاء روسيا ضعيفة. هذا ليس عجيبا إذ إن الحرب الباردة والنزاعات المختلفة كانت حية في عقول وقلوب كل القادة الغربيين. طبق يلتسين النظام الاقتصادي الليبرالي بسرعة وقوة معتمدا على نصائح الاقتصادي "ايغور غايدار" الذي بدوره اتكل على مجموعة من المستشارين الغربيين الذين حولوا بسرعة روسيا من شيوعية اشتراكية إلى رأسمالية حرة.
توجه يلتسين إلى واشنطن في منتصف سنة 1992 لبحث مشروع اتفاقية بشأن الأسلحة START2 وصولا إلى التوقيع عليها في 3\1\1993. لم تصبح الاتفاقية فاعلة ونافذة إلا بعد 7 سنوات بسبب السياسة والنزاعات والمصالح والتقصير المتعمد في معظم الأحيان. بدأ من سنة 1993، قوى يلتسين علاقاته مع الغرب وانضمت روسيا إلى مجموعة الدول الثماني الكبرى وتحقق الكثير من التعاون مع حلف شمال الأطلسي. توطدت العلاقات مع المؤسسات الدولية وفي طليعتها صندوق النقد. في الحقيقة لم يبق لروسيا من عظمتها السابقة إلا مقعدها في مجلس الأمن الذي يعطيها حق الفيتو على مشاريع القرارات، والذي مارسته مرارا مؤخرا. قبل يلتسين في البدء تحول العالم من سيطرة جبارين كبار إلى سيطرة قوة واحدة هي الولايات المتحدة وتصرف على هذا الأساس. فيما بعد وبسبب النتائج السياسية خاصة الاقتصادية، حاول يلتسين توسيع تحالفاته، فوقع مع الصين اتفاقية في سنة 1996 بحيث يشكل التحالف الروسي الصيني منافسا جديا لأمريكا. تأسست "مجموعة شانغهاي" التي ضمت بالإضافة إلى روسيا والصين دولا آسيوية مجاورة وفي مقدمها كازاخستان. في الواقع لم تكن الصين راغبة جديا في منافسة أمريكا، إذ تفضل أن تتحضر أكثر للمنافسة القادمة حتما. أما روسيا، فهي غير قادرة على المنافسة بعد زوال الاتحاد السوفيتي.
رغم توجهه نحو الصين، كان يلتسين يعتقد أن مصلحة روسيا هي مع الولايات المتحدة ليس فقط في السياسة وإنما خاصة في الاقتصاد والتكنولوجيا، إلا أن أمريكا لم تكن متجاوبة خاصة غير متحمسة. أتت أزمة 1997 الآسيوية التي امتدت إلى روسيا، فانهار الروبل وتعثرت الأوضاع المالية والاقتصادية. يمكن وصف الفترة الرئاسية الثانية ليلتسين بالكارثية ليس فقط بسبب سياساته، بل لأن الأوضاع الخارجية لم تكن مواتية.
في 26\3\2000 انتخب بوتين رئيسا لروسيا من الدورة الأولى مع 52.9% من الأصوات. انتخب لتغيير سياسة يلتسين ويعيد العظمة والقوة إلى روسيا. مشروع السيطرة الروسية الجديد بدأ مع بوتين الذي انتخب وجدد له لتنفيذه وهو يحاول فعل ذلك.
تقول الكاتبة المتخصصة "هيلين كارير دونكوس" D’Encausse في كتابها عن روسيا إن التجربة الروسية مع يلتسين أقنعت الصين أن النموذج الروسي للإصلاح والتغيير ليس النظام الأفضل وبالتالي يجب النظر في بدائل. تجربة بوتين تعتبر أفضل في نظر الروس الذين يريدون أن تكون دولتهم عظمى. قال بوتين "إن انفراط الدولة السوفيتية هي أكبر كارثة سياسية في العالم في القرن العشرين". اعتبر أن روسيا هي "القوة العظمى الفقيرة" وبالتالي يريد إعادة الدور التاريخي، بل جعل روسيا دولة نموذجية للقرن الواحد والعشرين. ما هي التحديات الأساسية التي واجهها ويواجهها بوتين والتي تقف حتى اليوم أمام طموحاته؟
أولا: التطور السكاني الذي لا يلبي طموحات دولة ترغب في بسط نفوذها السياسي والعسكري، ليس فقط إقليميا بل ربما دوليا. في سنة 1970 بلغ عدد سكان الاتحاد السوفيتي 242 مليون نسمة. أما اليوم وبعد انفراط عقد الاتحاد وضعف مؤشرات الإنجاب، لا يبلغ عدد الروس أكثر من 142 مليون مقابل 320 مليون شخص في الولايات المتحدة. حاول بوتين التعويض عن الخسارة السكانية بالتطوير والتجديد التكنولوجيين .
ثانيا: مشاكل اجتماعية في الداخل وخارج الحدود تؤثر على وحدة وانسجام السكان فيما بينهم. هنالك أديان ومذاهب وأعراق مختلفة تحاول الإدارة الروسية وضعها جميعها وراء المشروع السياسي الكبير الذي تمارسه فيما يخص سوريا وأوكرانيا وغيرهما من الدول.
ثالثا: الفوضى الاقتصادية الموروثة من يلتسين والمتأثرة بالأوضاع الدولية المتقلبة، يهدف بوتين منذ الانتهاء من فترة الفوضى الاقتصادية إلى إعادة القوة السياسية والعسكرية لروسيا، وما هي قضية "القرم" إلا نموذج لما يمكن أن يحصل مستقبلا. تعتبر روسيا دولة أوكرانيا منطقة نفوذ لها. يمكن تشبيه هذا النفوذ بالشعور الأمريكي تجاه المكسيك وكوبا وأي دولة أمريكية لاتينية. لا شك أن الغرب خاصة أمريكا أخطأ في التعامل مع الروس خاصة في فترة يلتسين مما أسهم في تأييد الروس لسياسات بوتين الهجومية. لا يمكن إنكار الصدمات السلبية التي واجهتها روسيا من الغرب بدأ بحروب الخليج وثم بالنزاعات العربية والآسيوية. نعيش اليوم حكما في ظروف دولية مختلفة عن السابق.
الاستقامة ركيزة الاقتصاد الناجح
هنالك صراع فكري عالمي قديم حول جدوى الاستقامة العملية في الحركة الاقتصادية. هل الاستقامة مفيدة وتؤدي إلى النجاح... اقرأ المزيد
3269
| 24 سبتمبر 2014
الاقتصاد الإيراني.. من العقوبات إلى التنمية
تعتمد العقوبات دوليا لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو غيرها.. لم تكن النتائج باهرة حتى اليوم من ناحية... اقرأ المزيد
859
| 21 سبتمبر 2014
قوة الدولار من قوة أمريكا
المعروف عالميا أن قوة النقد تنبع من الوضع الاقتصادي العام، إلا أن هذا ليس صحيحا دائما، كما شهد... اقرأ المزيد
1274
| 17 سبتمبر 2014
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
5022
| 11 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1650
| 09 أغسطس 2026
خلق الله - عز وجل - آدم وجعله خليفته في الأرض وأوكل إليه مهمة إعمارها وإقامة العدل فيها؛ لكن ذريته من بعده هابيل وقابيل كانت قصتهم عبارة عن أول انقسام بين الخير والشر، وبين السمو والدنو؛ الأمر الذي يفسر لنا مآلات الحياة بعدهم من أحداث ماضينا وحاضرنا. إن الإنسان إذا تحلى بالإرادة القوية والإدارة السليمة يستطيع التحكم في الموارد التي أودعها الله في كونه، فالإنسان عبد لله سيد للكون، كما قال الله تعالى، وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡه إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ " (سورة الجاثية آية 13). في العصر الحديث في مجتمعاتنا العربية برزت نماذج في عالم السياسة، منها ما كان له أثر سيئ مما أدى إلى حالات انفجار في بعض الدول كسوريا وغيرها، ومنها ما كان له أثر طيب في رفعة بلاده ووضعها في مقدمة الدول مع صغر حجمها، كحاكم دولة قطر الراحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - فقد كان صاحب مبدأ يستمده من المنهج السماوي الذي حدد للإنسان مهمته، وهي عمارة الأرض، كما قال الله تعالى " هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا"(سورة هود آية 61) فأحدث رحمه الله في دولة قطر نهضةً في العمران معتمداً على تنمية الإنسان. إن التطور الذي حدث في دولة قطر في عهد الراحل الكريم - يرحمه الله – يجعلنا نقف أمامه احتراماً وتقديراً، فقد كان صاحب رؤية نافذة سبقت عصره ومحيطه الإقليمي، وتجاوزت تحديات الجغرافيا الضيقة وعدد السكان، فدولة قطر قبل حكمه ليست هي بعد حكمه فهو باني نهضتها، ويتجلى ذلك في وضعها الإنساني والاقتصادي، ودورها المحوري في قضايا الأمة، والوساطة الإيجابية في حل بعض الأزمات الدولية. أدرك سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله – أهمية الإعلام وقيمته في العالم الحديث، وأنه أشرس أسلحة القوى الناعمة؛ لذلك قام بإنشاء قناة الجزيرة في منتصف تسعينيات القرن الماضي، وجعل لها كامل الاستقلالية المهنية التي هي معيار النجاح في عالم الإعلام الضخم والمتسارع، وأسهمت هذه القناة في رفع حالة الوعي في المجالات المختلفة والثقافة العامة في أرجاء العالم العربي. كان سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني داعماً لخيارات الشعوب، ويؤمن بأن كرامة الإنسان هي رأس المال الحقيقي للأوطان والأمم، الأمر الذي جعل دولة قطر والتي لقبت بكعبة المضيوم - كما أسماها الراحل - تدفع ثمناً باهظاً بسبب هذا الموقف الإنساني المشرف. إن الشعوب لا تنسى من يحكمها، والراحل الكريم - يرحمه الله – يكفي أنه كان يلقب بين أبناء شعبه بدفان الفقر أو باني قطر الحديثة، وكلا النوعين ذكرهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديثه الشريف:" خِيارُ أئمَّتِكُمُ الَّذينَ تحبُّونَهُم ويحبُّونَكُم وتُصلُّونَ علَيهِم ويصلُّونَ علَيكُم وشرارُ أئمَّتِكُمُ الَّذينَ تبغَضونَهُم ويبغَضونَكُم وتَلعنونَهُم ويَلعنونَكُم" (رواه مسلم ). لقد كان سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - يتسم بسعة الأفق والفكر المستنير والسلامة النفسية، وكان يجمع بين عمق الشخصية وبساطة الأسلوب. أدرك سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - حقيقة المنصب فكان أكبر من المنصب، ولم يتشبث بالكرسي إيمانا منه بضرورة التغيير لتعاقب الأجيال، فقام بالتنازل عنه طواعية وهو في قمة نجاحه لسمو الأمير تميم، وهو خير خلف لخير سلف. وأختم فأقول: الإنسان أثر وذكرى، والرجل أثره عظيم وذكراه طيبة، فقد كان صاحب مدرسة إنسانية راقية في عالم السياسة، ونموذجاً عربياً مشرفاً للحاكم في العصر الحديث، وصدق القائل: ما قـيمة الناس إلا في مبادئهم ** لا المال يبقى ولا الألقاب والرتب. قال الله تعالى:" إن الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"(سورة فصلت آية 8) سلام الله على روح سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في الخالدين، وغفر له وأسكنه جنات النعيم.
1014
| 09 أغسطس 2026