رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الشعب يملك الجسارة في شبابه والشباب يريد تحقيق مصر القوية
ليس هناك سبيل لإعادة عجلة التغيير إلى الوراء. وكل ما يجري على أرض مصر، محاولات خارج مسار التاريخ وليس لها إلا أحد نتيجتين: إما انتصار الثورة ـ رغم محاولات البعض لإلغاء تعبير انتصار الثورة وكأن نتائج أي صراع غير الانتصار أو الهزيمة ـ أو حمام دم يزيح طليعة الشعب من الشباب الثائر.
المواجهة منذ 11 فبراير كانت على محورين الاعتقالات والمحاكمات العسكرية السريعة لكل من تطال أيديهم. المحور الثاني إرهاب الشعب في خطة منظمة، وإطلاق الإعلام لتغيير المفاهيم حول الوقائع. حرب نفسيه وحرب مادية والهدف واحد إخراج الشعب من معادلة القوة في المجتمع.
الكل في مصر يتكلم، ولم يعد هناك من يخفي وجهة، فالجميع يحارب معركته الأخيرة، عدا هذا الشباب الصابر والقابض على ثورته كالقابض على الجمر.
الصراع في مصر، وعلى مصر دار دورات كثيرة عبر التاريخ، البعض منها انتصر فيها الشعب، والبعض الآخر انتصرت فيها قوى معادية للشعب، وقد يكون في الحساب بعدد السنين أن أزمنة انتصار الشعب أقل بكثير من أزمنة سيادة أعدائه، ولكن دوما كانت الفترات البينية فترات إعداد وتجهيز، ولم يتوانى أعداء الشعب في الداخل والخارج من العمل أولا على تفريغ انتصار الشعب من مضمونه ومن بعد ذلك حصاره والإجهاز عليه.
حياة الشعب فوق تراب مصر قصة صراع منذ بدأ الخليقة، والصراع تتحدد نتيجته بكلمتي النصر والهزيمة، وليس هناك فرصة للتعايش بين طرفي الصراع، ولكن ما يعتقده البعض هدنة في الصراع، هي فترات لإعادة تقييم المواقف والإعداد لجولة جديدة، سواء أدرك هذا أطراف الصراع أم أن أحدا يدعي أنه الموات والنهاية.
دائما كان هناك الفرعون، وكان هناك كهنة المعبد، كان الفرعون تارة قائدا عسكريا أو كان حكيما، أو كان موحدا، ولكن كهنة المعبد كانوا ذاتهم، ولم يكونوا الوطن ولا حتى الفرعون، فالفرعون أداة إن هي استهلكت أنقلب الكهنة عليه وربما قتلوه وهم الذين نصبوه إلها.
وهكذا صار الكهنة تعبيرا عن مصالح غير مصالح الشعب، ومن بينهم تخرج الخيانة للإله الفرعون الذي صنعوه ليحقق لهم مصالحهم.
ويتلون الكهنة حسب المواقف، ولا تعنيهم حمامات الدم، بل قد يصنعوها في بعض المراحل ليوطدوا مكانتهم. لم يخرج منهم قائد عبر التاريخ، وكان دائما القائد يخرج من الشعب، سواء للعدل أو للتحرير، فلم يرصد التاريخ حملة لمواجهة الظلم أو العدو المحتل خرجت من المعابد وقادها الكهنة.
كان الفرعون ينصب ابنه كبيرا للكهنة حتى بأمن شرهم، وليضمن أن ينصب الابن بعد وفاته ملكا، فقد كان الحكم يؤول إلى ابنة الفرعون وكان عليها أن تتزوج كبير الكهنة، هكذا كانت المناورات المضادة بين الفرعون وبين الكهنة.
ومع تطور المجتمع وعبر عصوره تغير مسمى الكهنة، ولكن تغير الاسم لم يكن يعني تغير طبيعة الرابط بينهم وبين غاياتهم، والذي كان دائما "مصلحة غير مصلحة الشعب".
اتخذ خط المصالح مسارا رأسيا، من رأس المجتمع ممتدا داخل طبقاته إلى قاع المجتمع، حتى تجد فيمن يدفعون ثمن العبودية والظلم من يكون "مدعيا الكهانة أكثر من الكهنة"، تتعجب أنه يتحدث بلسانهم مدافعا عنهم بينما هو لا يجد لقمة العيش الكريمة، ويستطيب الاستعباد.
وفي زمننا قد تجده موظفا أو طالبا أو عاملا أو مهنيا بل والأدهى قد يكون مرتديا مسوحا دينيا، فالشعب الذي نادي بالتوحيد قبل إبراهيم أبو الأنبياء، على يد اخناتون، يجري في عروقه الدين مجرى الدم.
دورة التاريخ التي نحياها خرج فيها الشعب لمواجهة الطغيان والفساد ولم تكن المؤشرات توحي أن الثورة قادمة ولا حتى أثناء المواجهة أنها ثورة شعب لن يتراجع.
المفاجأة أخذت بعقول الكثيرين في الداخل والخارج، وكان من الضروري أن يمضي بعض الوقت ليجمعوا شتاتهم ولبناء مواقفهم لمواجهة المتغيرات التي جرت، ذات أداء الكهنة عبر التاريخ.
مصر الآن تضع أملها في هؤلاء الشباب الذين لا نعلم أسماءهم، ولا ندرك وجوههم، فهم جنود المشاة في معركة دورة التاريخ الجديدة.
عرقهم عطر عرس الحرية، ودمائهم تزين وجه العروس مصر.
يأخذ البعض على الشباب أن هناك عشرات التشكيلات التي أعلن عنها، ويأخذون عليهم أنها دلالة انقسام، وأراها دلالة عدم ثقة فيما هو معروض عليهم مما سبق الثورة من تشكيلات أو أشخاص، وهي أيضا محاولات لتنظيم الجهد، وهي ثالثا محاولات لإضافة عمق الرؤية إلى الأداء العملي.
نعم كانت محاولات الفصل بين الشباب والشعب هي الفتنة الأولى التي جرى صياغتها للانحراف بالثورة، والآن يخرج علينا المتحدثون من الحركة الرامية لإجهاض الثورة في تنظيمي الإخوان وحزب الوسط الدينيان لمحاولة اغتيال أداء الشباب.
انضم التنظيمان اللذان ما كان لهما وجود من دون الثورة إلى الجانب الآخر المضاد للثورة، وصار المبدأ الحاكم لحركتهم ومواقفهم هو مجرد الوجود، وأكدا أن غياب المشروع السياسي لديهما يتجاوز حدود الاتهام بعجز في الرؤية، إلى خطورة الأداء، ولا أتوقع أنهم ومن على شاكلتهم سيبقون في الحلبة السياسية طويلا، وتحددت مهمة التطهير القادمة أمام حركة الثورة في مواجهتهم، ليس رغبة في الافتراق ولكنها خنادق الصراع وقواه تفرض نفسها.
من يتابع وقائع الأسبوع الماضي بين يومي 8 يوليو و15 يوليو، يدرك أن خروج الشعب يوم 8 يوليو أصاب المتواطئين والمتباطئين بنوبة هيجان تدلل على حجم الوعي الغائب وعلى عدم القدرة السياسية.
حكومة الدكتور عصام شرف سقطت، وأيضا اتضح للجميع ـ عداه هو شخصيا ـ أنه ليس رجل المهمة، وسيمر بعض الوقت حتى يدرك شرف وجوب الاستقالة، فكل ما نقل عن مشاوراته لتشكيل وزارة جديدة يؤكد أنه بلا رؤية وأنه عبء على الثورة ومهامها.
وبيان المجلس العسكري الذي ألقاه اللواء الفنجري أضفي بعدا جديدا من التوتر على المناخ العام، ودقت طبول الكهنة فرحا، وخرج الإعلام كاشفا أنه مازال في حاجة إلى التطهير، فموجة التحريض التي يمارسها الإعلام في مصر تكشف أنه مستقر في خندق معاد للثورة.
المهمة الحالية أمام الثورة هي إقالة شرف وحكومته، ومن ناحية أخرى أن تصل رؤية الثورة واضحة للمجلس العسكري، والتي يعبر عنها شعار الخبز الحرية والعدالة الاجتماعية.
على الثوار اتباع تكتيك مداه التقدم حتى التلامس بأطراف الأصابع، ومن ثم التراجع، وهو تكتيك الوجود لإعادة الوعي لدى الأطراف الأخرى، وليس تكتيك الاشتباك الكامل، لأن الاشتباك بالإضراب أو العصيان المدني يفرض مهام أخرى باتجاه حشد كل المجتمع، لا يتأتى إلا بالتواصل الكامل مع قوى المجتمع المؤثرة، وهو ما لم يكتمل بعد، ومازال متروكا للتداعي الذاتي.
لم يكتف المجلس العسكري بالبيان ولكنه ألحقه بمؤتمر صحفي، ومن بعده توالت المشاهد من جمع لتوكيلات لتأييد المجلس ومظاهرات بمصر الجديدة لتأييده، واقتحام للاعتصام بمدينة طنطا، وأخيرا دخول اللواء المهدي المكلف بالإعلام إلى التحرير لمناقشة المعتصمين والمعتصمون يرفضونه ويرفضون سماعه، بعد اتهامه لبعضهم بالخيانة.
مشاهد تؤكد خطأ في إدارة الموقف، كتب عنها الكاتب الصحفي جلال عامر "ثورة لها جسد وبلا رأس ومجلس عسكري له رأس وبلا ثورة".
بهذه التصرفات وضع المجلس العسكري نفسه طرفا في مواجهة الشعب.
العلاقة بين حركة الشعب والمجلس العسكري ليست مسؤولية الشعب وحده، بل مسؤولية المجلس العسكري أيضا، فمن غير المقبول التغاضي عن وقائع الأشهر الماضية منذ إزاحة مبارك، وخلالها لم يقدم المجلس العسكري ما يبني العلاقة مع الشعب، بل دخل في يقين كل المراقبين أن انحياز المجلس للنظام القديم قائم على نحو تعاملاته مع قضايا الفساد ودخل شريكا معه في هذا النائب العام، وأخطر من هذا وضع المجلس العسكري أمر الثورة بيد لجنة البشري والإخوان المسلمين وهو ما حاول المجلس نفيه، ولكن وقائع الأمور كانت تدلل على ذلك رغم هذا النفي، وغير هذا لم يفصل المجلس بين العناصر المنتمية للثورة وبين البلطجية، بل كانت المحاكمات العسكرية تطول شباب الثورة ولا تطول أركان النظام.
المجلس مطالب أن يقدم دليلا على الاستيعاب السياسي لمتطلبات الثورة، وأن يعدل عن انحيازاته، وأن ينحاز للثورة ولا يلقي بها فريسة لادعاءات تنظيمات وكيانات سقطت مع الثورة كما سقط الحزب الحاكم، بما في ذلك الكيانات التي اكتسبت الوجود العلني بقيام الثورة.
الاحتياج في اللحظة أن تكون ممارسات المجلس العسكري وقراراته لصالح الثورة.
لا تختزل الثورة في رؤية ممدوح شاهين والبشري ومن ورائه الإخوان، هناك 45 مليون مصري تحت خط الفقر، لن تخدمهم محاكمات الفساد وحدها ولا حقوق الشهداء والمصابين المهدرة، ولكن يحققها الاستيعاب الجاد لمدلول شعار الثورة "الخبز ـ الحرية ـ العدالة الاجتماعية".
نحن نحتاج لإعلان سياسي يوضح ماذا تعنون بأنكم مع الشعب، واستمرار الأمور مبنية للمجهول تزيد عمق الاختلاف وتآكل الثقة، والسؤال لمصلحة من غياب الرؤية؟
كيف ترون الفترة الانتقالية التي انقضي منها ستة أشهر، ولا شيء يتحقق إلا بجهد من الشعب وتضحيات، بينما هناك حملات معادية لمطالب الشعب واحتياجاته.
الحياد بين الشعب وأعداء الثورة انحياز مضاد للشعب.
تطهير الإعلام والقضاء والجامعات وإدارة الدولة مهام لم تتم بعد. ولا يمكن إتمامها إلا برؤية سياسية تتبني مدلولات التغيير، والثورة أيها السادة علم تغيير المجتمع، وليس مجرد إزاحة نظام حكم، ولكنها بناء مجتمع بالوعي والإرادة.
وهناك الفساد السياسي، وهو ينطبق على كل من راوغ الشعب طوال الحكم السابق، ويشمل من كانوا بعيدين شكلا عن الحزب الحاكم، وينضوون فعلا داخل عباءته، وأولئك الذين فاوضوا النظام وأمن الدولة لينالوا حظا من الوجود، هؤلاء لا تصلح معهم توبة فهم يأكلون على كل الموائد، وهم اليوم أقرب إلى مجلسكم من الشعب، ومكانهم محكمة الفساد السياسي، فلا تستبدلوا الشعب بهؤلاء.
الشعب يملك الجسارة في شبابه، والشباب يريد تحقيق مصر القوية، فهل تدفعون بشباب مصر وذخيرة المستقبل فيها إلى أن يشق طريقة عنوة فوق بحر من الدم، ويومها لا عاصم من غضبة الشعب.
لست يا أمير الحكم، فلا تصالح مع الفساد، مهما تعددت مناوراتكم.
وكأننا بأمل دنقل ينقل صرخة شهدائنا: هل يصير دمي -بين عينيك- ماءً؟، أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء، تلبس -فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟
لا تنسوا أن شعب مصر في رباط إلى يوم الدين، ودورة التاريخ هذه لصالح الشعب وإن طال الزمن.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1401
| 26 يوليو 2026
حين نتحدث عن الجريمة، يتجه الذهن مباشرة إلى المحاكم، والقضاة، والسجون، ونصوص القوانين. غير أن الحقيقة أوسع من ذلك بكثير؛ فليست كل جريمة يُعاقب عليها القانون، وليست كل براءة تصدرها المحكمة تعني براءة الضمير. فهناك جرائم لا تعرفها مواد قانون العقوبات، لكنها تترك في النفوس من الألم ما لا تتركه كثير من الجرائم الجنائية، لأنها تستهدف الإنسان في كرامته، ومشاعره، وثقته، وأمله بالحياة. إن القانون، مهما بلغ من الدقة، يبقى أداة لتنظيم المجتمع، لا لصناعة الفضيلة. فهو يعاقب من يسرق المال، لكنه قد يعجز عن محاسبة من يسرق فرحة إنسان، أو يهدم مستقبله بكلمة، أو يكسر قلبًا كان مفعمًا بالأمل. وقد يخرج شخص من المحكمة بريئًا، بينما يبقى مدانًا في محكمة الضمير، لأن العدالة القانونية شيء، والعدالة الأخلاقية شيء آخر. ولعل أولى هذه الجرائم هي كسر الخواطر، فكم من كلمة قاسية أطفأت نورًا في قلب إنسان، وكم من سخرية حطمت موهبة، وكم من احتقار قتل الثقة بالنفس. إن الجروح التي تصيب الجسد قد تلتئم، أما الجروح التي تصيب الروح فقد تبقى عمرًا كاملًا. لذلك جاء الإسلام ليجعل الكلمة الطيبة عبادة، والابتسامة صدقة، لأن بناء الإنسان يبدأ من احترام إنسانيته. ومن هذه الجرائم أيضًا جحود المعروف، فما أقسى أن يقف إنسان إلى جانبك في ساعة عسر، ثم تنكره عندما تتبدل الأحوال. إن نكران الجميل لا يعاقب عليه القانون، لكنه يهدم قيمة الوفاء، ويجعل الإحسان مغامرة لا يجرؤ عليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة. وهناك جريمة أخرى لا تقل خطرًا، هي الظلم المعنوي؛ حين يُحرم إنسان من حقه في التقدير، أو تُسرق أفكاره، أو يُنسب جهده إلى غيره، أو يُقصى لأنه قال كلمة حق. وقد لا يجد القاضي نصًا يدين به هذا السلوك، لكنه يبقى عدوانًا على الكرامة الإنسانية، وهي أعظم ما يملكه الإنسان. ثم تأتي جريمة اللامبالاة، وهي من أخطر أمراض المجتمعات. أن ترى محتاجًا فلا تمد يدك إليه، أو تسمع أنين مظلوم فتدير وجهك عنه، أو تشاهد باطلًا يقع أمامك ثم تقنع نفسك بأن الأمر لا يعنيك. فالحياد أمام الظلم ليس دائمًا فضيلة، بل قد يكون مشاركة صامتة في استمراره. ومن أبشع الجرائم التي لا يعاقب عليها القانون أن يكون الإنسان قادرًا على رفع الظلم عن مظلوم، أو إنقاذ بريء، أو قول شهادة تعيد حقًا إلى صاحبه، ثم يختار الصمت خوفًا أو مصلحة أو مجاملة. فالظلم لا يعيش بقوة الظالم وحده، وإنما يعيش أيضًا بصمت القادرين على منعه. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، فجعل الإثم في القلب قبل اللسان، لأن كتمان الحق خيانة للعدل قبل أن يكون مخالفة للأمانة. ولا تقل عن ذلك خطرًا جريمة يبررها بعض الناس باسم الوفاء للصداقة. فقد يعلم الإنسان أن صديقًا له اعتاد الكذب، أو الظلم، أو أكل حقوق الناس، ومع ذلك يستمر في الدفاع عنه، أو تلميع صورته، أو التغاضي عن أفعاله بحجة أنه صديق قديم. لكن الصداقة ليست رخصة لمساندة الباطل، ولا سنوات المعرفة تمنح أحدًا حصانة أخلاقية. إن الوفاء الحقيقي لا يكون للأشخاص إذا تعارضوا مع الحق، وإنما يكون للمبادئ التي تحفظ كرامة الإنسان وعدالة المجتمع. ومن يجامل الظالم وهو يعلم ظلمه، فإنه لا يظلم الآخرين فحسب، بل يظلم الصداقة نفسها، لأنها تتحول من رابطة فضيلة إلى ستار يحجب الحقيقة. ثم تأتي جريمة الكلمة؛ فكم من أسرة تفككت بسبب إشاعة، وكم من سمعة اغتيلت بكذبة، وكم من إنسان عاش سنوات يدفع ثمن اتهام لم يرتكبه. إن الرصاصة قد تقتل إنسانًا واحدًا، أما الكلمة الكاذبة فقد تقتل حياة كاملة، وتترك آثارها في أسرته ومجتمعه. لقد أدرك الفلاسفة أن القانون يحفظ النظام، لكنه لا يصنع الأخلاق، وأن المجتمع لا يستقيم بالقوانين وحدها، بل بالضمائر الحية. فكلما ارتفع منسوب الأخلاق، قلت الحاجة إلى العقوبات، وكلما مات الضمير، ازدادت القوانين وعجزت عن تحقيق العدالة الحقيقية. إننا بحاجة إلى محكمة لا تُبنى بالحجارة، ولا يجلس فيها قاضٍ، بل يسكنها الضمير الإنساني. في تلك المحكمة تُحاكم قسوة القلوب، وكسر الخواطر، ونكران الجميل، وخيانة الأمانة، والصمت عن الظلم، ومجاملة الظالمين، والكلمة الجارحة، وكل ما يهدم الإنسان دون أن تلتفت إليه مواد القانون. وفي النهاية، قد ينجو الإنسان من حكم الأرض، لكنه لن ينجو من حكم السماء، ولن يفلت من محكمة الضمير التي لا تسقط أحكامها بالتقادم. فالجرائم التي لا يعاقب عليها القانون هي، في حقيقتها، أخطر الجرائم؛ لأنها لا تسرق مالًا أو تنتهك جسدًا فحسب، بل تقتل القيم، وتُميت الرحمة، وتكسر الإنسان من داخله. وإذا مات الضمير، فلن يبقى للقانون إلا أن يُحصي الضحايا، بعد أن يكون قد فات أوان إنقاذهم. باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
756
| 23 يوليو 2026
كل حضارة عظيمة بدأت بفكرة لم يكن لها نموذج سابق. لكن ماذا يحدث عندما يعيش الإنسان في زمن يرى فيه آلاف النماذج قبل أن يمنح فكرته فرصة لتولد؟ قد يبدو السؤال غريبًا، فالمعرفة كانت دائمًا طريقًا للتقدم، والتعلم من الآخرين هو أحد أسرار تطور الحضارات. لكن ما تغيّر في عصرنا ليس المعرفة، بل حجم ما نتعرض له من أفكار جاهزة كل يوم. لم يعد الإنسان يبحث عن فكرة، بل أصبحت الأفكار تبحث عنه أينما ذهب. وهنا يراودني سؤال لا يفارقني: هل يمكن أن يصبح فيض الإلهام نفسه عائقًا أمام الإبداع؟ كلما أصبحنا نرى آلاف الأفكار كل يوم، أصبح من الصعب أن نسمع فكرتنا نحن. الفكرة الجديدة لا تولد مكتملة، بل تبدأ هادئة، مترددة، وتحتاج إلى وقت حتى تنضج. لكنها اليوم تدخل في مقارنة غير عادلة منذ لحظتها الأولى، فتقيس نفسها بأعمال مكتملة استغرقت سنوات حتى وصلت إلى صورتها النهائية، فتتراجع قبل أن تمنح نفسها فرصة للحياة. أتساءل أحيانًا: لو أن بناة الأهرامات كانوا يستيقظون كل صباح أمام آلاف النماذج المعمارية الجاهزة، هل كانوا سيملكون الجرأة نفسها ليبتكروا ما لم يكن موجودًا؟ ليس المقصود إعادة قراءة التاريخ، بل إعادة قراءة حاضرنا. فكم فكرة لم تولد، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها خافت أن تكون أقل من أفكار الآخرين؟ ربما لم يبنِ الإنسان أعظم منجزاته لأنه رأى كل ما بناه الآخرون، بل لأنه وقف أمام مساحة لم يملأها أحد قبله، فقرر أن يملأها بفكرته. الإبداع لا يبدأ بما نراه... بل بما لا نجده. لا أدعو إلى أن نغلق نوافذنا على العالم، فالحضارات لم تتقدم يومًا في عزلة، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن يكون إبداع الآخرين مصدر إلهام، وبين أن يصبح المعيار الذي نحاكم به أفكارنا قبل أن تولد. وربما يكون التحدي الحقيقي في عصر المعرفة ليس أن نصل إلى مزيد من الأفكار، بل أن نحافظ، وسط هذا الضجيج، على شجاعة أن نفكر بأصواتنا نحن.
654
| 23 يوليو 2026